ليس تنظيم الدولة

"نيوزويك": الانفجار السكاني الكبير في مصر هو التهديد الأخطر لأمنها

لا يريد محسن سمير محمد أن ينجب أكثر من أربعة أطفال مطلقا، لكن أولاد عمومته وأقاربه الذين يعيشون في نفس البقعة من عزبة خير الله، وهي من أفقر المناطق وأشدها اكتظاظا بالسكان في القاهرة، ما زالوا ينجبون الطفل تلو الآخر، وبعد ما أسماه "إهانة رجولته" بسبب انزعاجه من حديثهم المستمر وانتقادهم له بدأ يتساءل: إن كان لديه عدد كاف من الأطفال؟، حتى بدأ يقنع زوجته بالتوقف عن قرارهم بتحديد النسل وعلى مدى السنوات الأربع التالية، أضافوا ثلاثة أخوة جدد إلى الأسرة.

يجلس "محمد" على سلم من مبناه، ويأسف الآن، لأن راتبه الضئيل من مصنع  الصلب الذي يعمل فيه بالكاد يكفي لإطعام عائلته التي لا تتناول سوى بعض البقول المطهية والخبز.

مع عدم وجود وسيلة أخرى لتوفير حتى 15 قرشا لركوب صغاره الحافلات التي تقلهم إلى المدرسة، فقد توقف أطفاله عن حضور دروسهم، ولكن في بلد كانت فيه الأسر الكبيرة منذ فترة طويلة هي القاعدة، يقول "محمد" إنه شعر بالعجز عن الدفع في عكس هذا الاتجاه، مضيفا: "كان لوالدي العديد والعديد من الأطفال، وجدي لديه الكثير من الأطفال، والجميع هنا لديه الكثير من الأطفال"، متابعا: "ليس من السهل أن تفعل شيئا مختلفا".

ليس من السهل على الإطلاق أن يتضاعف عدد سكان مصر بسرعة، فمن 66 مليون نسمة أو أكثر قليلا في مطلع القرن، بلغ التعداد السكاني ما يقرب من 93 مليون في وقت سابق من هذا العام. وإذا ما استمرت معدلات المواليد الحالية، فإن الديموغرافيين يتوقعون أن يكون المجموع الكلي للبلد 150 مليون نسمة بحلول عام 2050.

وهذا النوع من النمو سيكون تحديا لكل دولة تقريبا، ولكن بالنسبة لمصر، الهشة سياسيا بعد ثلاثة تغييرات في النظام في ست سنوات وفي خضم النقص في الغذاء والمياه، فإن هذه الطفرة السكانية تهدد بتقويض الاستقرار الهش بالفعل في البلاد.

وتقول أمل فؤاد، مديرة دراسات البحوث الاجتماعية في الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهي هيئة جمع الإحصاءات الحكومية، "أن ذلك يشكل تهديدا للأمن القومي".

ولا يوجد في مصر أي نضال أكثر وضوحا من نضال الغذاء في وزارات التجارة والتموين في البلاد، فمصر هي بالفعل أكبر مستورد للقمح في العالم، ومع نمو سكان البلاد، سيتعين عليها استيراد المزيد والمزيد من الأغذية، التي غالبا ما كانت تدعمها، وهذا أمر مكلف، ويأتي ذلك في الوقت الذي تستهلك فيه المدن الممتدة على النيل ذات الكثافة السكانية العالية، مثل أسيوط وسوهاج، أراض زراعية أكثر غنى، لذا فإن السلطات والمزارعين المحاصرين في البلاد يشعرون بأنهم قد تعرضوا لمهمة مستحيلة.

يقول بشير عبد الله، وهو منظم مزارع وعمال في الجيزة، أنه يواجه تعديات المطورين على الحقول المحلية لمدة عشر سنوات، مضيفا: "المزيد من الغذاء لمزيد من الناس على أرض أقل مساحة"، متابعا باستنكار" "إنهم يعتقدون أننا صناع معجزات".

وتؤثر زيادة الطلب على نهر مصر الكبير أيضا.،فمع استخدام شخصي يقدر بحوالي 160.000 غالون من المياه سنويا -98 في المئة منها يتم سحبها من النيل-، ولكن بحلول عام 2030، عندما يتوقع أن يكون عدد السكان يقارب 120 مليون نسمة، فإن هذا الرقم سينخفض إلى ما دون 130.000 غالون، وفي الوقت الذي يهدد فيه بناء السد في إثيوبيا بخفض تدفق النهر - على الأقل مؤقتا - قد ينخفض شريان حياة الفراعنة سريعا وهو أمر مرعب بالنسبة لهم.

ويمكن أن يؤدي النقص الحاد في الأغذية والمياه إلى اندلاع أعمال شغب سواء بسبب الخبز أو أي نوع آخر من الاضطرابات المدنية التي تثير قلق أجهزة الأمن في البلاد، وقد اندلعت ثورة 2011، جزئيا، بسبب عجز الاقتصاد عن التعامل مع مئات الآلاف من الشباب الذين يدخلون القوة العاملة كل عام.

الآن، مع معدلات نمو اقتصادي أضعف، ونظام تعليم لا يزال من بين الأسوأ في المنطقة، فلا عجب أن بعض المسؤولين يخشون النمو السكاني في مصر، حيث قال أبو بكر الجندي، المسؤول عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في مقابلة مع صحيفة "القاهرة" في ديسمبر الماضي "أنها أسوأ من الإرهاب"، فيما يقول المحللون إن السيسي قد أبدى تخوفا كبيرا من الأمر.

وحتى وقت قريب، كان يبدو أن السلطات المصرية لديها إستراتيجية للسيطرة على السكان، من ارتفاع وصل لأكثر من 3.5% في سبعينات القرن الماضي، انخفضت معدلات النمو إلى 1.7% في أوائل أوائل الألفية الثانية، من خلال حملة توعية قوية على مدى عدة عقود، شملت لوحات إعلانات في المناطق الريفية الفقيرة والتوسع في الحصول على وسائل منع الحمل، يقول المحللون إن مصر تبدو قريبة من حل مشكلة نموها.

ولكن منذ عام 2008 وعام 2009، أي قبل ثلاث سنوات من الانتفاضة التي أسقطت حسني مبارك، الرئيس المصري المخلوع، حاولت الحكومة فعل شيء مختلف، لعلها كانت مرتاحة بعد النجاح الذي حققته في وقت سابق، حيث خفف مسؤولو القاهرة من دعمهم لمختلف مبادرات تنظيم الأسرة، وبدلا من ذلك، استعانت بالمنظمات غير الحكومية الدولية للإنفاق عليها، معتبرة أنها تستطيع نشر هذه الموارد على نحو أفضل في أماكن أخرى، وقبل فترة وجيزة من ثورة 2011، ارتفع معدل النمو إلى 2.23% وبعد الإطاحة بالنظام، قفز هذا الرقم إلى 2.48 في المائة في الفترة 2011-2012، وكان هناك ارتفاع ملحوظ في نوفمبر 2011، أي بعد تسعة أشهر بالضبط من إسقاط مبارك.

كما يشعر محامو تنظيم الأسرة بالإحباط بسبب كيفية تعامل السيسي، مع النمو السكاني في البلاد، حيث قامت حكومة العموم السابق بتثبيت مجموعة من القوانين المناهضة للمنظمات غير الحكومية، مما أدى إلى ابتعاد العديد من المنظمات الأجنبية، بما في ذلك مقدمي خدمات تنظيم الأسرة، عن التهديدات الأمنية الحقيقية والمتصورة، وفي عام 1995، قدمت المنظمات غير الحكومية 10 في المائة من جميع وسائل منع الحمل في مصر، ولكنها انخفضت بنسبة 0.6 في المائة في العام الماضي.

وعلى الرغم من تحذيرات المسؤولين، لا يجب أن يكون عدد كبير من سكان مصر عبئا على الديموغرافيين، وإذا كان الشباب قد تلقوا تعليما سليما، فإن الديموغرافيين يقولون إن هذه المجموعة الضخمة من الشباب والشابات الذين تتراوح أعمارهم حول الـ 20  يمكن أن يصبح بسهولة نعمة لبناء الأمة، مما يعزز الاقتصاد، كما هو الحال بالنسبة لانتشار الشباب في الصين، ويمتلك السيسي وكبار جنرالاته مجموعة كبيرة من الموارد تحت تصرفهم، مثل الذهب والغاز والأراضي الخصبة على ضفاف النيل، لكن النقاد يقولون إنهم أساؤوا إدارتها، الأمر الذي زاد من حدة النقص الناجم عن تزايد عدد سكان البلاد.

بالنسبة لمحسن سمير محمد، يبدو من غير المعقول أن الزاوية التي يعيش فيها في القاهرة قد تستوعب حتى شخص واحد آخر، قائلا: "هناك أشخاص جدد يتزايدون، كل يوم أشخاص جدد"، مضيفا "في كل مكان يمكنك أن ترى الناس، هنا،وهناك، القادمين الجدد أين سنضعهم؟".

المصدر