شبرنجبورج لـ"رصد": الديمقراطية انتهت في مصر لكن الحلم بها ما زال حيا

بعد زيارة عبدالفتاح السيسي إلى الولايات المتحدة الأميركية وترحيب إدارتها الجديدة به رغم التدهور الملحوظ في ملف حقوق الإنسان في مصر، تزامنًا مع سوء الأوضاع الاقتصادية والتهديدات الأمنية المتصاعدة في البلاد، آخرها تفجيرا كنيستي مارجرجس والمرقسية بمحافظتي الغربية والإسكندرية، حاورت شبكة "رصد" البروفيسور روبرت شبرنجبورج، المتخصص في الشأنين السياسي والاقتصادي بمصر والمنطقة العربية.

و"شبرنجبورج" أستاذ زائر بقسم دراسات الحروب بجامعة "كنج كولدج" في لندن، وزميل غير مقيم بمعهد إيطاليا للشؤون الدولية. عمل مدرسًا لشؤون الأمن القومي بكلية الدراسات العليا البحرية ومدير برنامج الشرق الأوسط لمركز العلاقات المدنية العسكرية، كما شغل منصب مدير معهد لندن للشرق الأوسط. وقبل توليه هذا المنصب عمل مدير "مركز الأبحاث الأميركي" في مصر، وفي الفترة ما بين 1973م و1990م درس في عدة جامعات بأستراليا، وصدرت له مؤلفات تتناول الشأنين السياسي والاقتصادي في مصر والمنطقة العربية.

- الفرق بين الدور الاقتصادي للجيش المصري والجيش الأميركي

ـ السيسي يعارض فكر الأزهر الإصلاحي ما دام مستقلًا عن حكمه السياسي

- خارطة طريق لإنهاء الحكم العسكري في مصر

- أسباب رفض الجيش لتطوير قناة السويس خلال عهد مرسي

ـ الجيش المصري لم يتلق تدريبًا كافيًا ولا مجهزًا لمواصلة مكافحة التمرد على نحو فعّال

- خيارات الولايات المتحدة قليلة في حالة انهيار النظام السياسي

 

1- ما هي القيمة التقديرية للاقتصاد العسكري في مصر؟

وفقًا لما قاله (الرئيس) السيسي، تتراوح حصة الجيش في الاقتصاد بين 1.5 و2% من الناتج المحلي الإجمالي، وتشير تقديرات أخرى إلى أنها تصل إلى 40%. وبم أنه لا توجد بيانات شاملة موثوقة عن الأنشطة الاقتصادية للجيش فلا يعرف أيّ طرف خارجي هذه النسبة بدقة؛ ومن الواضح أن الدور الاقتصادي للجيش ازداد بشكل كبير منذ عام 2013.

2- يدافع البعض عن الاقتصاد العسكري في مصر بالاستشهاد بالمشاريع التي تديرها الجيوش في دول أخرى وتمتلكها، مثل الجيشين الأميركي والجزائري. لماذا يهاجم خبراء، بمن فيهم أنت، دور الجيش في الاقتصاد المصري؟

لا يملك الجيش الأميركي أي مشاريع اقتصادية. القطاع الخاص في الولايات المتحدة ليس مسؤولًا عن توفير الغذاء وعمليات النقل وتوفير المعدات العسكرية وما إلى ذلك وحسب؛ بل أيضًا إنتاج كل ما يستهلكه الجيش.

مطالبتي بانفصال الجيش عن الاقتصاد ترتكز على الاعتقاد الدقيق بأن الجيش يجب أن يركّز على قضايا الأمن القومي المباشر، وإلا فإنه لن يقوم بدوره بكفاءة لحماية الأمة. إضافة إلى ذلك، لم يتمكن أي بلد شارك فيه الجيش بقوة في الاقتصاد من تحقيق معدلات نمو عالية للنمو الاقتصادي والحفاظ عليها، وعلى سبيل المثال تباطأت التنمية في الصين بسبب الأنشطة الاقتصادية للجيش؛ ولذلك تخلى الجيش عن ملكية هذه الأعمال التجارية، وحدث الأمر نفسه في البرازيل.

في تركيا يمتلك نظام التقاعد العسكري مؤسسات اقتصادية ويديرها، ولكن ذلك يشكل نسبة صغيرة نسبيًا من الاقتصاد الكلي، وفي الأردن زاد الجيش من دوره الاقتصادي فتباطأ النمو الاقتصادي جزئيًا نتيجة لهذه الزيادة.

3- برأيك، ما هي الأسباب الكامنة وراء رفض الجيش تطوير قناة السويس خلال عهد مرسي؟ هل كان الخوف من بيع القناة لدولة قطر السبب في ذلك؟

رَفَضَ الجيش الثالث المشروع لأنه أراد أن يكون (الجيش) المسيطر بنفسه على التنمية على امتداد القناة؛ وذلك في المقام الأول من أجل الاستفادة اقتصاديًا.

4- يرى مراقبون غربيون السيسي "مصلحًا دينيًا طال انتظاره"، كأنه مارتن لوثر المسلمين. كيف ترى ذلك؟ وهل استخدم السيسي الإسلام لإضفاء الشرعية على حكمه أو كما يقول منتقدون لـ"ديكتاتوريته"؟

صوّر السيسي نفسه مسلمًا متدينًا، وهو أمر مرجح؛ لكن هذا لا يؤهله حاكمًا للبلاد، ولا يمكن أيضًا أن يكون ذلك سببًا في عدم كفاءته.

الإسلام لا يقدم دليلًا للحكم السياسي، بل إن بعض الحكام الأكثر كفاءة في البلدان الإسلامية، مثل مصطفى كمال في تركيا وأحمد بن بيلا في الجزائر وحبيب بورقيبة في تونس وغيرهم، آمنوا بقوة الفصل بين الدين والسياسة، والسيسي ليس عالمًا دينيًا؛ وبالتأكيد لا يستطيع الادعاء بأنه يسهم في الفكر السياسي الإسلامي أو ممارسته.

في الواقع، السيسي يسعى إلى الحد من استقلالية الأزهر ودوره، الذي يشهد فكرًا إصلاحيًا كبيرًا، وهو يعارض هذا الفكر ما دام مستقلًا عن حكمه السياسي؛ ومن ثمّ فهو ضد الإحياء والإصلاح الإسلاميين.

5- إلى أي مدى يؤثر دعم ترامب للسيسي على حالة حقوق الإنسان في مصر في ضوء الانتهاكات الخطيرة التي تشهدها البلد؟

دعم ترامب للسيسي وانعدام الانتقاد لانتهاكاته لحقوق الإنسان يشجعان السيسي على أن يكون أكثر قمعًا مقارنة بأي وقت مضى. والإعلان الأخير عن حالة الطوارئ، التي جمع فيها السيسي كل السلطات الفعلية تقريبًا في يده، هو خداع للعدالة في حد ذاته، وإنذار خطير بما هو قادم؛ وبعدم انتقاد ترامب هذه الخطوة فإنه يؤيد ذلك.

6- خلال الأشهر الأخيرة نقل تنظيم الدولة عملياته إلى العريش، أكبر مدينة في شمال سيناء. كيف تقيم جهود الجيش في معركته ضد الدولة الإسلامية؟ وكيف يمكن أن تساعد الولايات المتحدة في هذه المعركة؟

من الواضح أن برنامج مكافحة التمرد المصري غير كفء؛ لأن الوضع الأمني ​​في شمال سيناء وباقي أنحاء البلاد لم يتحسن على الأقل، كما أن الجيش لم يتلق تدريبًا كافيًا ولا مجهزًا لمواصلة مكافحة التمرد على نحو فعّال.

يمكن للولايات المتحدة أن تساعد في بعض المجالات بلا شك، ولكن الأمر متروك للقيادة السياسية المصرية لوضع استراتيجية من شأنها أن تدفع  المتمردين الحاليين والمتمردين المحتملين إلى التخلي عن أنشطتهم العنيفة وميولهم النفسية للعنف؛ ويتطلب ذلك مزيجًا من سياسة العصا والجزرة، من خلال انفتاح سياسي أوسع. وفي حال فرض السيسي ضوابط سياسية وأمنية أكثر تشددًا فإن ذلك سيؤدي إلى تفاقم التمرد وجعل مهمة الجيش أكثر صعوبة.

7- ما هي الخيارات الأميركية في حال تدهور الوضع في مصر واستمر الانحدار الاقتصادي والسياسي والأمني وربما الوصول إلى الفوضى الكاملة؟

لدى الولايات المتحدة خيارات قليلة في حالة انهيار النظام السياسي بخلاف محاولة إجلاء رعاياها.

8- منذ استيلاء السيسي على الحكم حاول إقامة علاقات عسكرية أوثق مع روسيا. كيف تنظر إدارة ترامب إلى هذه العلاقات المتنامية؟

ليست لدي معلومات مميزة عن تفكير السيسي أو عن تفكير الأعضاء البارزين في إدارته. وبم أنه لم يُصدر أي بيان بشأن هذه المسألة، لا يسعني إلا أن أفترض أنه ليس مصدر قلق كبيرًا؛ فدور الولايات المتحدة حيويّ في توريد أسلحة للجيش المصري وعملياته، وجميع الدلائل تشير إلى أنها ستستمر في لعب هذا الدور، ويقتصر الدور الروسي على تجهيز سفينتين فرنسيتين وبعض المعدات الأخرى الصغيرة الحجم.

لا شك أن الاتفاق النووي في الضبعة يُنظر إليه على نحو مشكوك فيه؛ لأنه يفرض أعباء ضخمة على مصر ويثير مسائل أمنية من مختلف الأنواع.

9- في مقال لك عام 2012 بعنوان "معركة النمس والكوبرا في مصر" توقعت انتصار الكوبرا (الإخوان المسلمين) على النمس (المجلس العسكري). برأيك، لماذا فاز النمس في نهاية المطاف وهزم الكوبرا على عكس ما توقعت؟

خسرت جماعة الإخوان المسلمين هذا الصراع لأنها فشلت في تشكيل تحالف مع قوى مدنية أخرى معارِضة للحكم العسكري.

10- هل انتهى حلم الديمقراطية في مصر إلى الأبد؟

بالفعل انتهت الديمقراطية؛ لكن الحلم بها ما زال حيًّا بشكل كبير.

11- كيف يمكن إجبار الجيش على تطبيع علاقته مع المؤسسات المدنية؟

لا بد للمدنيين من بذل جهود  كبيرة ومنسّقة لإنهاء الحكم العسكري، كما حدث في جميع أنحاء أميركا اللاتينية ودول عدة في إفريقيا.

لا يمكن قبول الحكم العسكري وفي الوقت نفسه التطلع إلى الديمقراطية والتنمية؛ فالحكم العسكري معادٍ للديمقراطية، وطفيل اقتصادي بطبيعته؛ لذلك يجب على المدنيين ألا يتعاونوا مع النظام العسكري بأي شكل من الأشكال وأن يطالبوا بشكل مستمر بنهايته.