عزّام التميمي يكتب:

المفهوم وغير المفهوم في وثيقة حماس السياسية

أربعة أعوام من التفكير والتدبير وعامان من الصياغة والتحرير، وساعات طويلة من الحوار المعمق على مدى ذلك الزمن قضاها قادة حماس ومن استعانوا بهم من خبراء القانون والسياسة واللغة في إنجاز مشروع الوثيقة التي يعتبرها جل المراقبين بديلا للميثاق القديم الذي صدر بعيد ميلاد الحركة بقليل، قبل ما يقرب من ثلاثين عاما. 

جيد جدا أن تخرج الحركة على العالم بوثيقة سياسية لتعرف الناس بها وبأهدافها وبرؤيتها للصراع، ولا بأس بتاتاً بأن تصدر الوثيقة الآن رغم أنها جاءت متأخرة ما لا يقل عن عشرين عاما كانت الضغوط خلالها تتوالى على قيادة الحركة من داخلها ومن خارجها لكي تبادر بإصلاح الأخطاء التاريخية والسياسية التي حفل بها الميثاق القديم وحولته إلى سلاح في يد أعداء الحركة وأعداء القضية الفلسطينية. 

الجديد الأهم، والإنجاز الأبرز، الذي ورد النص عليه في هذه الوثيقة هو توصيف حركة حماس للصراع الدائر في فلسطين وتحديدها للعدو فيه، وهو الموقف الذي يعتبر تصحيحاً للخطأ الفادح الذي وقع فيه من وضعوا الميثاق القديم، وذلك أنهم اعتبروا حينها الصراع صراعا عقائديا بين المسلمين واليهود، واستدلوا على العداوة التاريخية المزعومة مع اليهود بتفسيرات للنصوص واجتهادات في فهم التاريخ أقل ما يقال فيها أنها اجتهادات ضعيفة إن لم تكن خاطئة. من حسن الطالع أن مثل هذه الأفكار لم تعد مقبولة لدى قطاع واسع من العرب والمسلمين بما فيهم أبناء الحركة وأنصارها. 

أحسن واضعوا الوثيقة السياسية حين أكدوا بما لا لبس فيه بأن الصراع في فلسطين ليس مع اليهود كأتباع ديانة وإنما هو مع المحتلين الصهاينة الذين غزوا فلسطين وشردوا أهلها منها. ومحمود للوثيقة أنها أكدت على موقف حماس المناهض للظالم أياً كان بغض النظر عن دينه أو عرقه والمناصر للمظلوم أيا كان بغض النظر عن دينه أو عرقه.

لكن، ليس مفهوما أن تسكت الوثيقة عن الإشارة إلى الميثاق القديم، لا من قريب،ولا من بعيد، مما جعل الأمر يلتبس على كثير من الناس، فهل الوثيقة بديل عن الميثاق؟ هل يعتبر صدورها بمثابة إلغاء أو نسخ له؟ وما هو حكمه الآن؟ وإذا كانت الوثيقة الجديدة هي المرجعية في فكر واستراتيجية حماس، فما هو موقع الميثاق من ذلك؟

حاول الأخ خالد مشعل وبعض إخوانه توضيح الأمر وإزالة اللبس، ولكني لا أراهم كانوا مقنعين. لا يكفي بتاتاً أن نقول إن الميثاق وثيقة تاريخية كانت في حينه تعبر عن قناعات الحركة بينما الوثيقة السياسية تعبر عن القناعات التي وصلت إليها في يومنا هذا. فأخطاء الميثاق القديم جسيمة، بما ينتهجه من تحليل تآمري للتاريخ وللأحداث العظام، وبما يعتمد عليه من وثيقة مزورة هي "بروتوكولات حكماء صهيون"التي وضعها أساساً عنصريون متعصبون في الغرب أرادوا بها تبرير انتهاكاتهم لحقوق اليهود الإنسانية وشرعنة ما ارتكبوه بحقهم من تنكيل، وبما يستخدمه من لغة لا تصلح لخطاب الآخر على الإطلاق، بل تنفره وتدفع به بعيداً باتجاه المعسكر الآخر. 

لو كنت مسؤولاً في حركة حماس لما رضيت بأقل من إعلان صريح لا لبس فيه بأن وثيقة الأول من مايو (أيار) 2017 تَجُبً ما قبلها. ليس مفهوماً على الإطلاق أن يخشى قادة حماس على بعض إخوانهم من أن تخدش أو تؤذى مشاعرهم، فيمتنعون عن التصريح بأن الوثيقة في حقيقة الأمر إنما جاءت لتصحيح الخطأ والأوبة عنه إلى الصواب. 

مفهوم ومحمود أن تؤكد حركة حماس من خلال وثيقتها الجديدة على موقفها المبدئي من فلسطين، فهي كلها من بحرها إلى نهرها ومن شمالها إلى جنوبها، عربية إسلامية لا شرعية فيها لاحتلال صهيوني مهما طال الزمن. وأحسن واضعوا الوثيقة إذ أكدوا على حق العودة لجميع المهجرين سواء في النكبة الأولى أو ما تلاها من نكبات، وكذلك على حق المقاومة بكافة الوسائل، بما في ذلك الكفاح المسلح. 

لكن ليس مفهوما على الإطلاق أن يزج في الوثيقة، كما هو الحال في المادة 20، بموضوع الدولة الفلسطينية، والقول بأن الحركة تقبل بدولة على خطوط الرابع من حزيران (يونيو) 1967. وليس مفهوماً أن يرد في النصف الأول من الفقرة المذكورة ما يتناقض تماماً مع النصف الثاني منها، حيث يؤكد النصف الأول على عدم الاعتراف بدولة إسرائيل وعدم القبول بما يقصر عن التحرير الكامل لكل فلسطين في حين يتحدث النصف الثاني عن القبول بقيام دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة كأرضية لما يسمى بالوفاق الوطني، وهو أمر في غاية الإشكال والإبهام، فماذا يعني الوفاق الوطني، وبين من ومن يكون مثل هذا الوفاق؟ وعلى أي أرضية وضمن أي رؤية؟

ثم، ما الذي يضطر حركة حماس، التي لا تقبل بشرعية الاحتلال في أي مكان في فلسطين، إلى أن تتحدث عن الدولة بعد أن لم يبق الاحتلال أرضاً لدولة، فاتحة الباب لأسئلة كثيرة لم يسمع الناس حتى الآن من قيادة الحركة إجابات شافية عليها، مما دفع بعض المشفقين لأن يعبروا عن خشيتهم من أن حماس تبدو في حالة تكرار لتجربة النقاط العشر التي شكلت منعطفاً خطيراً في تاريخ حركة فتح ومنظمة التحرير، وهو المنعطف الذي انحرف بالمسار النضالي حتى وصل إلى القبول بعد ما يقرب من عشرين عاما من التيه باتفاقيات أوسلو المشؤومة. 

أنا شخصيا أعرف قادة حماس، وأثق بإخلاصهم للقضية، ولا يساورني أدنى شك في أنهم لم يقصدوا إطلاقا ما قصده ياسر عرفات بنقاطه العشر. ولكني أرى بأنهم ورطوا أنفسهم دونما ضرورة، أو على الأقل دونما مبرر مفهوم لدى معظم الناس، في مشروع الدولة الذي يتناقض مع مشروع التحرير. أو لربما كانت لديهم أسباب قاهرة دفعتهم إلى التصريح بقبولهم بدولة فلسطينية إلى جانب دولة الاحتلال ولكنهم آثروا عدم الإفصاح عن هذه الأسباب القاهرة، مما أضعف حجتهم وحال دون أن يزول اللبس عن فكرتهم. فهل من مكاسب مرجوة؟ أم ثمة ضغوط قاهرة؟

من الجدير بالذكر أن القبول بدولة على خطوط الرابع من حزيران 1967 يفسر في المحافل الدولية على أنه استعداد للقبول بحل الدولتين طبقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي ولما ظن البعض أن اتفاقيات أوسلو ستؤدي إليه في يوم من الأيام.

ثم متى كان نضال حركة حماس ونضال الشعب الفلسطيني يستهدف إقامة دولة فلسطينية. لم يكن ذلك ليخطر ببال جدي ولا ببال والدي. بل إن حلمنا وحلم الملايين من أبناء شعبنا هو التحرير والعودة. ومن ذا الذين يريد دولة هزيلة تعيسة فاشلة أخرى في هذه الجوقة من الدول العربية المصطنعة الفاشلة؟

إن نضالنا في فلسطين ليس من أجل إقامة دولة، وإنما من أجل تحريرها من الغزاة المحتلين. لا ينبغي أن ننسى أبداً أصل المشكلة. لم تكن فلسطين في يوم من الأيام دولة حتى نكافح من أجل إعادة بنائها على ما يتاح من أرض، سواء تحررت بالنضال أو انسحب منها المحتل بالمفاوضات. فلسطين كانت، وما تزال، جزءاً عزيزاً من وطن أكبر وأشمل أعمل فيه المستعمرون خناجرهم ومعاولهم فرسموا حدوداً في الرمال تحولت إلى حواجز بين أبناء الأمة الواحدة، وأنشأوا بالتعاون مع عملائهم كيانات من ورق كرست القطيعة وشرعنت الانقسام والتجزئة، وزرعوا في قلب المنطقة مستعمرة صهيونية حتى تبقى الأمة عاجزة مشلولة مسلوبة الإرادة. تلك هي المشكلة، وحلها لا يكون إلا بالتحرر من الاستعمار الصهيوني تمهيدا لاستعادة اللحمة ولم الشمل من جديد. 

يمكن أن نفهم ألا تتطرق الوثيقة إلى أصل المشكلة بهذا الشكل، ويمكن أن نفهم أن تتحدث حماس عن نفسها بوصفها حركة تحرير فلسطينية وطنية إسلامية في واقع مر من التجزئة فرض على أمتنا.

ولكن لا نفهم بتاتا أي حديث عن دولة في خطوط الرابع من حزيران في نفس الوثيقة التي تعلن فيها الحركة رفضها لأي حلول تقصر عن التحرير الكامل والعودة الكاملة كما تعلن فيها رفضها لاتفاقيات أوسلو وكل ما ورد فيها. 

كم كنت أتمنى ألا تشتمل وثيقة حماس السياسية على النصف الثاني من مادتها العشرين، لكانت حينها أكثر انسجاماً وأصدق تعبيرا.





هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه