المسحراتي.. بهجة رمضان التي قتلتها التكنولوجيا والحالة الاقتصادية

حاملا طبلة صغيرة، يتمتع بصوت حسن، مرتديا عباءة، مرددا كلمات تطرب الآذان، يوقظ النائمين ليبدأوا رحلة يومهم الرباني بما  أوصى به رسولهم " تسحروا فإن في السحور بركة"، هذا ما أنس عليه الصائمون لسنوات طويلة على مر العصور من مهنة المسحراتي، التي بدأت في الإندثار.

لم تكن مهنة المسحراتي، مجرد عمل يمتهنه أحد الأشخاص يحصل به على المال، أو طمعا في الأجر والثواب، بل كانت سمة ونكهة للشهر الكريم، تضفي عليه البهجة للكبار والصغار.

أصل المسحراتي

يعتبر أول من كان يوقظ الناس للسحور هو بلال بن رباح حيث كان يوقظ المسلمين في شهر رمضان لتناول وجباتهم ، وكان المتسحرين يمتنعون عن الطعام عند سماع اذان عبد الله بن مكتوم.

بينما أول مسحراتي فعلي، كان والي مصر عتبة بن اسحق، حيث تطوع للخروج بنفسه في مدينة الفسطاط لإيقاظ الأهالي، مردداً حديث النبي عليه الصلاة والسلام، (يا عباد الله تسحروا فإن في السحور بركة).

تطور المهنة

انتشرت المهنة أكثر بأكثر فاصبح لا يخلو شارع، من مسحراتي خاص به، يتلو أجمل الكلمات ويخرج إليه القاطنين به، يملوه أسماء ابناءهم ليرددها داخل عبارات غنائية جميلة.

في عهد الدولة المملوكية، كادت المهنة تختفي قليلا، فأمروا بتولي الجنود أمر النداء بالسحور.

انتشرت المهنة بشكل كبير لتصل إلى بلاد الشام الذين أضفوا عليها نوعا من الفن الغنائي يسمى  القومة الغنائي، وهو خاص بسحور مضان، ومن أشهر كلماته في الشام '‏ يا نياما قوموا‏..‏ قوموا للسحور قوموا‏'.

أدوات المسحراتي

عُرف المسحراتي في مصر بطبلة صغيرة، يدق عليها بيده، بينما في أهل اليمن، كانوا في البداية يدقون على أبواب المنازل بالنبابيت لإيقاظ النائمين، وأهل الشّام كانوا يطوفون على البيوت ويعزفون على العيدان والطّنابير وينشدون أناشيد خاصّة برمضان.

أبرز العبارات

يستخدم المسحراتي، في نداءاته عبارات شهيرة، بمجرد سماعها، يُعرف مروره، وينتبه إليه المسلمين، لسماع اسماءهم اللاتي حفظها خلال الشهر، ومنه؛ اصحى يا نايم وحد الدايم، وقول نويت بكرة إن حييت، الشهر صايم والفجر قايم، ورمضان كريم، السحور يا عباد الله يا نايم اذكر الله، يا نايم وحد الله.
ومستخدما الاسماء قائلا، قوم ياحمادة وأنت يا وليد .. سحورك ليوم جديد.


اختفاء المهنة
وخلال السنوات الأخيرة، نجد اندثار للمهنة بشكل تدريجي، فبدأ اختفاءها من الأحياء الراقية، وظلت موجودة في الأحياء الشعبية والقرى، إلى أن بدات هي الأخرى رحلتها إلى الإندثار.

ويعزي عميد المسحراتية في صيدا ، اندثار المهنة في تصريحات لـ "الشرق الاوسط" ، إلى أن "الهواتف التي تشتمل على برامج الآذان والسحور، بما فيها صوت المسحراتي، غزت معظم البيوت، وهذا مؤسف حقا فضلا عن اعتماد الناس على التلفزيون والمنبه للاستيقاظ وقت السحور".

كما ان الحالة الاقتصادية الضحلة لها تأثير بالغ في اختفاء المهنة، والتي تعتمد على جود الناس وعطاءهم، دون راتب محدد، فلا تسهم في سد احتياجات المتطوعين الذين يجوبون الشوارع طوال الليل.