شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

وزير الثقافة الأسبق يروي قصة تنازل المماليك عن جزيرة قبرص

وزير الثقافة الأسبق يروي قصة تنازل المماليك عن جزيرة قبرص
حكى عماد أبو غازي، وزير الثقافة السابق، عبر منشور له على "فيسبوك" قصة تنازل المماليك عن جزيرة قبرص، بمعاهدة بعد ان استمرت تحت الحكم المصري طيلة 65 عاما.

حكى عماد أبو غازي، وزير الثقافة الأسبق، قصة تنازل المماليك عن جزيرة قبرص، بمعاهدة بعد أن استمرت تحت الحكم المصري طيلة 65 عاما.

وقال -في منشور عبر “فيسبوك”-: “في القرن الخامس عشر الميلادي كانت مصر تتعرض لأخطار خارجية متعاظمة، كما كان اقتصادها يعاني من أزمة طويلة ممتدة، وكان المماليك الجراكسة يحكمون مصر منذ أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، عندما استولى الأمير سيف الدين برقوق بن أنص على الحكم وأصبح سلطانًا للبلاد، وقد حاول برقوق بعد أن أصبح سلطانًا إعادة تنظيم أمور البلاد لإخراجها من حالة الفوضى والاضطراب التي سادت في أواخر عصر سلاطين أسرة قلاوون؛ حيث تولى بعض هؤلاء السلاطين الحكم وهم أطفال صغار، وعاشت البلاد في ظل حكمهم صراعات طاحنة بين الأمراء، انتهت بها إلى حالة من الفوضى والاضطراب.

وأضاف “أبوغازي”: “رغم أن جهود برقوق قد أعادت إلى مصر بعض الاستقرار والحيوية فإن الأحوال سرعان ما تدهورت مرة أخرى وبسرعة، فتعرضت دولة المماليك لموجه جديدة من الهجمات التترية بقيادة تيمور لنك الذي نجح في احتلال جزء كبير من الشام، كما مرت البلاد بمجاعة طاحنة بسبب القحط ونقص الفيضان وتزامنت تلك المجاعة مع الفساد السياسي والإداري والمالي، فأدخلت المجتمع في أزمة شاملة لا فكاك منها استمرت حتى سقطت دولة المماليك الجراكسة على يد العثمانيين”.

وتابع: “وإذا كان المماليك قد نجحوا في هزيمة تيمور لنك وتحرير الشام من سيطرته، فإن أخطارًا جديدة تتابعت على البلاد، فقد دفع التنافس التجاري بين الشرق والغرب الأوروبيين إلى تصعيد غاراتهم على الموانئ المصرية والسورية لضرب سيطرة المماليك على تجارة الشرق، وكانت رودس بفرسانها وقبرص بأسرتها الحاكمة الفرنسية الأصل والتي تدعي ملكية بيت المقدس، هما مكمن الخطر على السواحل المصرية والشامية، وقد تلقى المحاربون والقراصنة في رودس وقبرص دعمًا ماديًا ومعنويًا من فرنسا والبابوية في روما”.

واستطرد “أبوغازي”: “ولم يكن لمصر حلفاء في أوروبا سوى جمهورية البندقية (فينسيا) التي كانت تربطها بمصر علاقات وثيقة، على الصعيدين السياسي والاقتصادي؛ حيث قام حلف تجاري بين مصر والبندقية حيث سيطرت الدولتان معًا على طرق تجارة الشرق، وتحكمتا في جزء كبير من التجارة الدولية، ولم تستطع كل محاولات الدول الأوروبية المعادية لسلطنة المماليك فصم عرى هذا التحالف”.

وأكمل: “ظلت قبرص هي مصدر القلق الأساسي لسلاطين مصر، فقد كان حكامها يعتبرون مصر العدو الأساسي لهم، وعندما ازدادت اعتداءات القبارصة على السواحل المصرية والسورية، قرر سلطان مصر الأشرف برسباي استئصال الخطر من جذوره؛ فقامت أساطيل المماليك بحملة بحرية على جزيرة قبرص انتهت بالاستيلاء على الجزيرة في عام 1426 ميلادية وأسر ملكها يانوس وفرض الجزية عليه، ورغم خضوع حكام قبرص للسيادة المصرية، فقد ظل الأمل يراودهم في التخلص من سيطرة المماليك، ولم يجد القبارصة قوة أوروبية يمكن أن تساندهم سوى البندقية، فتوجهوا إليها طلبًا للدعم المالي لمحاربة مصر، لكن البنادقة رفضوا التخلي عن حلفائهم المماليك ولم يقدموا لقبرص الدعم المطلوب، واتجه ملوك قبرص إلى التفكير في أسلوب جديد لكسب تأييد جمهورية البندقية؛ حيث تزوج جاك لوزينان الثاني ملك قبرص من نبيلة البندقية، وفي سنة 1469 ميلادية وضع الملك القبرصي جزيرته تحت حماية البندقية بمقتضى معاهدة سياسية، وبمقتضى ذلك الاتفاق تعهدت جمهورية البندقية بحماية ملك قبرص ضد أعدائه، لكنها استثنت منهم سلطان مصر، وبذلك استمرت سيادة مصر من الناحية الرسمية على قبرص، فقد أعطت البندقية الأولوية لمصالحها التجارية الإقتصادية، وقدمتها على الانتماء الديني”.

ويواصل أبو غازي سرده التاريخي: “استمر الحال على ذلك لسنوات، لكن سلطنة المماليك في مصر كانت تسير من سيئ إلى أسوأ، وأوضاعها العسكرية والاقتصادية في تراجع مستمر، وكان ظهور الأتراك العثمانيين على ساحة الصراع السياسي والعسكري في عالم البحر المتوسط عنصر تحول في موازين القوة في المنطقة، فقد حقق العثمانيون ما فشل التحالف الأوروبي فيه من قطع طرق إمداد مصر بالمماليك والأخشاب فأخذت سلطنة المماليك تختنق رويدًا رويدًا، ومن ناحية أخرى أدى دخول التحالف الأوروبي في حروب متوالية ضد الأتراك العثمانيين، إلى تراجع الهجمات الأوروبية على مصر، كما أدى أيضًا إلى خفوت المطالب القبرصية بالتخلص من السيادة المصرية، حيث سعى الجميع إلى إرضاء مصر ليتفرغوا لمواجهة الخطر العثماني”.

وأردف: “في أواخر السبعينيات من القرن الخامس عشر طلبت البندقية من أرملة جاك لوزينيان الثاني ملك قبرص دفع الجزية لسلطان مصر والعمل على إرضائه بكل الوسائل، لكن العقد التاسع من ذلك القرن شهد تحولات خطيرة في المنطقة؛ حيث توالت انتصارات الأتراك في أوروبا من ناحية، واتجهوا إلى محاربة سلطنة المماليك في مصر والشام من ناحية أخرى، وأعاد البنادقة حساباتهم في ضوء الأوضاع الجديدة فقرروا الاستفادة من الصراع المملوكي العثماني لصالحهم، فوضع البنادقة سيادتهم على قبرص ورفعوا أعلامهم عليها، وأرسلوا في نفس الوقت سفيرًا لمقابلة سلطان مصر الأشرف قايتباي لتبرير عملهم، وأعطى دوق البندقية أغسطينوس بارباديجو تعليمات واضحة لسفيره إلى مصر حدد له فيها؛ ما ينبغي أن يقوله للسلطان، وقد احتفظ أرشيف فينسيا بهذه التعليمات ضمن وثائقه، وقام بنشرها وترجمتها إلى العربية المؤرخ الراحل توفيق إسكندر.

وأشار “أبوغازي” إلى أنه “بغض النظر عن مدى اقتناع السلطان قايتباي بالدوافع والمبررات التي قدمها له بييروديبدو سفير البندقية إليه، فإنه أدار المعركة الدبلوماسية بحكمة بالغة، فقد كانت مصر في تلك اللحظات في صراع عسكري عنيف مع الأتراك العثمانيين، ولا تملك القدرة على دفع جزء من جيشها إلى قبرص لفرض السيطرة عليها مرة أخرى، كما كانت جمهورية البندقية الحليف التاريخي لمصر في أوروبا، ومن هنا فإن الصدام معها كان سيسبب خسارة فادحة للمصالح المصرية، فوصل السلطان قايتباي إلى اتفاق يقضي بتنازل مصر عن قبرص مع استمرار الأخيرة في دفع جزية سنوية لمصر، وقد تم توقيع المعاهدة في 9 مارس سنة 1490م ، وللأسف فقد نصها العربي، وبقي فقط النص اللاتيني المحفوظ في أرشيف فنيسيا”

تقول نصوص معاهدة تنازل مصر عن جزيرة قبرص: يدفع إلى خزينة السلطان المعظم مما تدين به قبرص مبلغ أربعة آلاف دوقة، وتدفع جماعة التجار البنادقة بدمشق لأمر السلطان 6 آلاف دوقة، ويرسل في هذا العام من البندقية سلعا مختلفة بمبلغ ستة آلاف دوقة، ويراجع حساب الدفعات المتأخرة، ويرسل منه في كل عام دفعة من قبرص مع الدفعة الجديدة، وفي مقابل ذلك يوافق عظمة السلطان على أن دولة البندقية تؤمن وتحكم بالخير والعدل جزيرة قبرص ومدنها وسكانها وأهلها دون أن تظلم أحدًا منهم، كما أن السلطان يرغب أن يعطى الحرية للدولة البندقية إلى الأبد في أن ترسل حكامًا يحكمون ويأمرون في قبرص، وعملاء حسب المتبع مع الملوك السابقين…”




X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020