شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

قوة إسرائيل ما سرها؟ وما السبيل للظهور عليها؟ – أبو يعرب المرزوقي

قوة إسرائيل ما سرها؟ وما السبيل للظهور عليها؟ – أبو يعرب المرزوقي
سيقول البلهاء إن أبا يعرب أصبح يمتدح العدو اقتصارًا على نصف العنوان الأول: يرون...

سيقول البلهاء إن أبا يعرب أصبح يمتدح العدو اقتصارًا على نصف العنوان الأول:

يرون إقرار الخبر ويتجاهلون سؤال تجاوزه إلى فهمه. وسيشيع السفهاء بأن كلامي شهادة شاهد من أهلها استهانة بالنصف الثاني منه: فلا يرون ثمرة التجاوز للفهم مكتفين بسطحية الظن أن الاعتراف بقوة العدو تسليم بالضعف الذاتي وليس سعيا لتجاوزه. وما كنت لأكتب في الموضوع لو كان همي مقصورا على حصره في العلاقة الثنائية بين إسرائيل والعرب فضلا عن النظر إليها بدائيا وادعاء قوة إسرائيل كامنة في ضعف العرب لكأن العلاقة هي تناسب القوى العسكرية التناسب الذي تعين انخرامه في الهزائم الحربية.

وفي الحقيقة فإن الدافع لوضع السؤال ولعلاج العقبة الأخيرة أمام نجاح الثورة هو ما قد يعوق الوضع العربي الجديد الذي يقوده شباب فتياته وفتيته برهنوا على أن كل السياسات التي سعت لمحو شروط القوة العربية الحقيقية قد فشلت وأن الانحطاطين الذاتي والأجنبي كلاهما تشققت قلاعه وبدأ يتهاوى: فلا الانحطاط الذاتي ممثلا بالنكوص بأخلاق الأصالة على أخلاق الجاهليات العربية والانحطاط الأجنبي ممثلا بالنكوص بـأخلاق الحداثة إلى أخلاق الاستعمار.

فالربيع العربي يمثل بداية حقيقية للتخلص من علة الهزائم كلها أعني بهذين الانحطاطين ممثلين بأغلب النخب التقليدية التي تؤيد ممولي الثورة المضادة والنخب الحداثية التي ركبت دباباتها.ذلك أن الوضع الروحي والمعنوي المحدد لمنزلة الإنسان ودوره الذي يحرره من "فقدان معاني الإنسانية" بمعناها الإيجابي بلغة أبي زيد تغير تغيرا كيفيا في مناخ أشبه بالمناخ الذي بدأت به النشأة الأولى لهذه الأمة:

1- فالفروسية المتوحشة مرحلة مرت بها الثورة العربية الحالية فكانت لوحشيتها من علل التعثر إذ هي تحولت إلى فوضى داخلية أشبه بجاهلية العرب الأولى. لكنها كانت مرحلة ضرورية لإخراج شباب الأمة بجنسيه من الخمول الذي عاث في حيوية الأمة بصورة جعل أي عدو قادر على أن يجوس في ديارها. لكن هذه المرحلة يمكن اعتبارها جاهلية العرب الثانية لذلك فهي لم تبق منحصرة في الجزيرة العربية بل عمت العالم كله لأننا في المرحلة الثانية من تاريخنا أو في النشأة الثانية التي سبقها الاعتقاد في أن المعمورة كلها بل والكون كله معبد الإسلام.

2- والفروسية المتحضرة مرحلة دخلتها الثورة العربية منذ الربيع العربي فكانت أمام تحديين كلاهما محكوم بإشكال النقلة التي تعد الخاصية الأساسية للحظة التاريخية العربية والإسلامية الحالية. فالعرب والمسلمون يجدون أنفسهم مرة أخرى أمام وضع تاريحي كوني هم بؤرته المنفعلة مؤقتا والساعية إلى الفعل منذ الشروع في النهوض شروعا كان بزوغ وجهه الفاعل هو الثورة الحالية. ومعنى ذلك أن علاج أدواء الحضارة العربية الإسلامية بات مستحيلا من دون علاج الحضارة الإنسانية كلها تماما كما حصل عندما كانت وضعية الإمبراطوريتين المسيطرتين على العالم من حول الجزيرة العربية: ففارس سقطت بآخر ضربة وجهها إليها المسلمون وتبعتها بيزنطة التي كانت تحتل جل ما أصبح يسمى بالوطن العربي حول الأبيض المتوسط. وهذان التحديان هما:

1- التحدي الأول ذاتي وهو إشكال النقلة من الفروسية المتوحشة التي لم تتحرر بعد من الانحطاط الذاتي إلى الفروسية المتحضرة أي المؤمنة بقيم القرآن سلما أو حربا والساعية إلى تحقيق شرط القوة المادية المكملة لتحقق شرط القوة الروحية. ذلك أنه لو لم يكن زمان الشباب بجنسيه قد اتحد فعاد إلى ابنجاسته الأولى أعني معين النشأة الأولى لما أمكن للثورة أن تفعل بتجاوز الحدود التي تحول دون شرط القوة المادية.

2- والتحدي الثاني أجنبي وهو إشكال النقلة من حضارة الغزو الحضاري الذي لم يتحرر من الانحطاط الاستعماري إلى حضارة الأخوة البشرية ومن ثم الظهور على الاستكبار العالمي بالتوجه إلى شبابه بجنسيه حتى يسهم في الثورة على المافية العالمية: فكل شباب العالم وخاصة الغربي منه بدأ يدرك أنه أول المستعبدين بهذا الاستكبار متجاوزا بذلك شيوخ بلاده الذين ربوا على المركزية الغربية وكراهية الآخرين واحتقارهم. ذلك أنه لو كان الاستعمار والاستكبار مستثنيا غالبية شعبه لكان الظهور عليه مستحيلا بسبب ما تحقق له من أسباب القوة الحائلة دون غيره والحصول عليها. ومن ثم فقدم أخيل عنده هي طابعه الكلي الذي لا يستثني أهله.

طبيعة العلاج الذي نقترحه

فما دمنا نعالج الأمر وكأنه يقتصر علينا فنحن لم نفهم طبيعة المرض ولن نهتدي إلى الدواء الشافي. لذلك أعود إلى طبيعة الثورة التي تكون فاقدة لمعناها إذا لم يكن محركها رروح الإسلام: فهي بروحه لا يمكن أن تكون إلا ثورة كونية لأنها تنطلق من رسالة كونية تؤمن بالأخوة البشرية(الآية الأولى من سورة النساء) وتضع شروط حمايتها ورعايتها كما أسلفنا (الآية 13 من سروة الحجرات). أما الفهم البدائي الذي جعل الأغبياء يتصورون الحل متمثلا في تكديس الخردة للعلاج المباشر فإنها لم تصلح إلا لمقاتلة شعوبهم أو أجوارهم: ولو لم يكن الاستعمار يعلم أنها يمكن أن توجه إليه لما باعها لهم بل هو فعل لأنه يعلم أنها ستحقق غاياته بتمويل ممن توجه ضدهم. وأكبر الأدلة أنه لا أحد منهم يستطيع أن يحرك قطعة من السلاح الذي شراه بدم شعبه لحمايته كالحال في سوريا: كل من يدعي صداقة للشعب السوري ينتظر الإذن من أمريكا لمد الثوار حتى بالقوت فضلا عن السلام.

وظن من يعتقدون أنفسهم أذكياء أنهم بصنع قنبلة يهددون بها وهي في بدايات الحمل يمكن أن يدل على الدهاء فيخيف الأعداء في حين أن ذلك كله يتم بضوء أخضر منهم حتى يعطوا للخونة من خدمهم مصداقية المقاومة المزعومة بالعنتريات الموهومة. أما الأغبياء فسعوا إلى شرائها جاهزة أو شراء من يجهزها لهم ويحفظها حتى يحميهم بها عند الحاجة. وكل هذه الحلول يعلم القارئ مهما كان قليل المتابعة للأحداث من أصحابها ولمن أشير. وما كان الأمر يكون كذلك لولا الجهل بسر القوة أو بتجاهله. لذلك فالقضية تتجاوز العرب وعلاقتهم بإسرائيل لأن هذه القوة تسيطر تقريبا على جل نخب العالم الغربي وعلى كل المؤثرين منهم قبل الكلام على السيطرة العسكرية على الأنظمة العربية والرمزية على نخبها.

وفي الحقيقية فإنه يمكن أن أزعم أن تاريخ اليهود في علاقتهم بغيرهم لم يفهم سره إلا رجل واحد ولذلك فهو الوحيد الذي توجه مباشرة إلى سلاحهم لتجريدهم منه. لذلك فهو الوحيد الذي تمكن من تجاوزهم في أفضل ما لديهم ولم يحتج للعلاج البدائي في التعامل معهم كما حاول الفراعنة والبابليين والروس والألمان وكل الأوروبيين. علم سر قوتهم ما هو وعلم سر توظيفها في الشر ما علله فافتك منهم السر ووجهه نحو الخير. وهذا الرجل هو ا لرسول الأكرم ولعل ذلك من أهم عناصر المعجزة التي تتمثل في الاستعاضة عن الأعجاز التخويفي بالإعجاز التنويري كما يتبين من رده على مطالبيه بالمعجزات من معاجزيه.

ويمكن أن نلخص ذلك كله في أمثولة عبادة العجل الذهبي بشروط هذه العبادة غايات (حيازة سر السلطان على البشر) وأدوات (حيازة سر حماية هذا السلطان) بصورة تجعل القلة الكيفية تسيطر على الكثرة الكمية إذا كانت نخبها ذات أخلاق دنية كالحال في النخب التي تدير شؤون العالم حاليا والتي تخضع لابتزاز عبدة العجل. وسواء كان ذلك لعمل الخير أو لعمل الشر فإن السبيل واحدة لكن القصد هو المميز للخير عن الشر. لذلك كانت معركته معهم هي:

1- سلبا معركة تحرير الإنسان من هذا التحريف المؤسس للعبودية الروحية وذلك بإعادة قص تاريخ الإنسان الروحي قصا يلغي ما كان مآله عبادة العجل: ورمزه جواب ذي العزة على طلب إبراهيم لما طلب الإمامة لذريته: إنه لا ينال عهدي القوم الظالمون.

2- وإيجابا هي تحرير الإنسان من العبودية المادية التي تنتج عنه بسياسة الحكم والتربية والاقتصاد والثقافة والتأصيل الروحي: ورمزه الوصل الجوهري بين الدين واستعمار الإنسان في الأرض بما هو خليفة حر وليس بما هو عبد مضطر.

وهذه هي أم المعارك لأن حسمها يعيد للمسلمين دورهم التاريخي الكوني بما هما شهداء على العالمين عندما تكون نخبهم متحررة بهذين المعنيين وليس كما هي حالهم الآن إذ يغلب عليهم العبودية الروحية والعبودية المادية:

1- إما للحاكمين باسم الانحطاط الذاتي. وهذا هو الغالب على النخبة التقليدية التي تتكلم باسم الدين بتحريفه حصرا إياه في شكليات العبادات تلهيا عن فائدتها في المعاملات الخلقية الفردية والجماعية وخاصة في أسسها الجوهرية التي هي سياسة الشأن الإنساني بقيم القرآن الكريم لتحريره من هاتين التبعيتين: والتحرير لا يكون إلا إذا كان استعمار الإنسان في الأرض محققا العدل بين الجميع بقيم استخلافه فيها الذي هو كرامة كل فرد من الجماعة.

2- أو للحاكمين باسم الانحطاط الأجنبي. وهذا هو الغالب على النخبة الحداثية التي تتكلم باسم الفلسفة بتحريفها حصرا إياها في شكليات المعاملات تلهيا عن فائدتها في المعاملات الخلقية الفردية والجماعية وخاصة في معانيها الجوهرية التي هي تحرير الإنسان من عبودية الدنيا خلال استعماره فيها لأنه يسعى لتحقيق قيم الكرام ولا يقبل بأن يأكل كما تأكل الأنعام.

لكن الحائل دون هذين التحريرين الواردين في أمثال القرآن الروحية هو ما يحول دون فهم تعريفها الحقيقي في مثله الفلسفية. فالأول وظيفته التعبير الإشاري لذوي الوجدان النفاذ. ومن ثم فهو يمكن أن يبقى على السطحية التي يراها عليه الفكر العادي ويمضغها أصحاب الثقافة التقليدية لتبرير الإبقاء على الفساد والاستبداد بحجة تقديم الاستقرار على الكرامة والحرية وشرطيهما العدل والشرعية.

أما سذاجة أدعياء النقد الديني من سخفاء حداثيينا فدليلها أن أغلبهم من أجهل خلق الله. كالحال في جل التنويريين من نخب العرب والمسلمين وخاصة جماعة الحضارة في جامعات تونس من تلاميذ عركون والشرفي اللذين لا يعلمان من الفلسفة عامة والفلسفة الدينية خاصة فضلا عن العلوم الأدوات الضرورية لفهمهما إلا أسماءها. فهم في غفلة عن غفلتهم عن لطيف المعاني وحتى عن بين المباني من النص القرآني.

لذلك فهؤلاء وأولئك من النخب العربية والإسلامية هما السر الحقيقي في سلطان العدو الذي جعل الطابع الجزئي الجوهري في عقيدته يصبح كليا وجعل الطابع الكلي في عقيدتنا يصبح جزئيا بحيث باتت اليهودية التي هي دين قبيلة بتعميم العبوديتين اللتين ذكرنادين العالمين وبات الإسلام الذي هو دين البشرية بتعميم التحريرين اللذين ذكرنا دين المستضعفين. لذلك فالثورة الحالية من حيث هي عودة المسلمين إلى دورهم التاريخي واستئناف الرسالة تعني تغيير هذه المعادلة من جديد تماما كما فعل الرسول الأكرم. فقيم الإسلام ليست قيم المسلمين وحدهم بل هي تحرير للبشرية من العبوديتين ومن ثم فخطاب الثورة ينبغي أن يتوجه إلى كل شباب العالم باعتباره السهم الحاملية للمثل العليا والقيم:

التحرر من العبودية الروحية:

ويعني بناء التربية والثقافة على قيم القرآن الكريم بمعنى تحقيق شروط التكليف التي هي الحرية والشعور بالكرامة الإنسانية. ولا يكون ذلك إلا بما يمكن أن يسمى أخلاق القرآن التي تقبل التلخيص في ما يريد الإنسان أن يتصف به ليكون جديرا بالخلافة: أي الإرادة الحرة والعلم المستنير والقدرة العادلة والحياة الراضية حتى يكون موجودا بحق له قيامه الذاتي المستقل وعلامته ألا يكون له معبود غير الله.

التحرر من العبودية المادية:

ويعني ذلك بناء السياسة والاقتصاد على قيم القرآن الكريم بمعنى تحقيق شروط استعمار الإنسان في الأرض حتى يكون للحرية والشعور بالكرامة اساسهما المادي المحرر من كل تبعية لمن يسود عليهما سواء كان سلطان الحاكم المستبد والفاسد داخليا أو المستعمر المستغل خارجيا وغالبا ما يكون هذان متحالفين على الشعوب.

تلك هي معاني الثورة التي بدأت على الأقل في الأذهان تحرر شعوبنا من سر قوة إسرائيل التي زرعت في بلادنا حتى تكون شرطيا يحمي أنظمة الاستبداد والفساد ليحولوا دوننا وتحقيق شروط الحرية والكرامة بأسبابهما أعني باستعادة وحدة الجغرافيا سر القوة المادية لأنها شرط الاقتصاد القادر ووحدة التاريخ سر القوة الروحية لأنها شرط الثقافة المستقلة وسر الأسرار أعني الحصانة الروحية التي هي الإسلام وتلك هي علة الحرب عليه وعلى قلبه المحرك رمزيا وكليا (القرآن) وماديا وعينيا (محمد). وذلك ما كان علينا بيانه.C.Q.F.D.



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية