شبكات الإنترنت تشكل وعي الجيل الجديد في السعودية

نشرت المتخصصة في السياسة السعودية، ميشيل يآري، مقالا لها على موقع صحيفة هآرتز الإسرائيلية يتناول موضوع الشباب السعودي الطامح للعيش بحرية بعيدا عن القيود التي تفرضها المؤسسة الدينية عليهم.

وقالت "يآري": "منذ الربيع العربي عام 2011، اتسعت رقعة الصراع بين السعودية وإيران، وخلاله تم استنزاف الموارد في المملكة. ومع ذلك، وعلى الرغم من أهمية التهديد الإيراني, فإن القليلون يتابعون عن قرب التحديات الداخلية التي تشهدها البلاد.

هناك فهم متزايد بين القيادة أن القضايا الاجتماعية والاقتصادية، مثل البطالة ونقص المساكن، التمييز ضد المرأة والأقليات وعدم الرضا الشخصي، تنخر بشكل غير مسبوق في أسس شرعية الحكم، وتشكل تحديا لنسيج المجتمع الحساس للمملكة، وتعميق أزمة الهوية تترصد المجتمع السعودي، فالمزيد والمزيد من المواطنين، وخاصة الشباب، يكافحون من أجل التوفيق بين التوتر بين الطريقة المتزمتة والتي لا هوادة فيها للحياة على أساس التفسير الوهابي للإسلام، والتعرض المستمر للملذات الغربية والحداثة.

كما اشتدت الصلابة الدينية، والتي كلفت ثمنا باهظا، حيث تحولت شبكة الإنترنت والفضاءات الخاصة عبره إلى ملجأ لأولئك الذين تخلوا أو يجدون صعوبة بسبب الحظر أو المراقبة الصارمة.

وقد أظهر مقطعا مصورا مؤخرا شابا سعوديا تحدى المعايير المقبولة على شبكة الإنترنت في البلاد، وتعدى بعض الحدود المسموحة هناك حينما تحدث مع فتاة أمريكية شابة، فالصبي يعلن حبه للفتاة بلغة انجليزية ركيكة ومع إثارة كبيرة، على الرغم من أن هذه هي المرة الأولى التي يتحدث إليها، ألقي القبض عليه في وقت لاحق لسلوكه غير الأخلاقي وأفرج عنه بعد أسبوعين، ومصير مماثل ربما ينتظر مجموعة من المراهقين السعوديين الذين تحولوا إلى نجوم الإنترنت بعد رقصهم في حفل خاص وهم يشربون الكحول ويرتدون اللباس غير المحتشم".

وترى "يآري" أنه من المنصف تماما أن نفترض أن هؤلاء الشباب الذين ظهروا في هذا الشريط  أو غيرها من أشرطة الفيديو لا يحملون لواء الثورة والتغيير الاجتماعي، بل يريدون فقط الحصول على المتعة مثل غيرهم من الشباب في جميع أنحاء العالم، ومن الممكن تماما أن البعض منهم يعيش في ظل حياة دينية مضطرين لتقبل عبء الإسلام الذي تقره عقيدتهم الوهابية، ولكن في نفس الوقت أعينهم على الأجواء المتحررة خارج هذه الأسوار.

 

وتقول "يآري" أنه حتى وقت قريب فإن مثل هذه الظواهر كانت تجلب ردا قاسيا من المؤسسة الدينية في المملكة عليها، ومع ذلك، بدأت ملامح تغيير كبير في عام 2015، من السابق لأوانه تخمين عواقبها، حيث أدت التغييرات في القيادة بعد وفاة المغفور له الملك عبد الله إلى تعيين محمد بن سلمان، ابن الملك سلمان الحاكم حاليا منصب ولي العهد الثاني والذي هو عمليا يعني إدارة شؤون المملكة.

محمد بن سلمان والذي يبلغ من العمر 31 عاما فقط. أدى صغر سنه و شخصيته المتمردة والكاريزما التي يملكها دفعه كل ذلك إلى التفكير على نحو مختلف عن الآخرين فيما يتعلق بهيمنة الدين في المملكة والسلطة الرئيسية (والمفرطة) من المؤسسة الدينية والشرطة الدينية "الهيئة"، وأصبح هذا الاتجاه واضحا في موقف النظام تجاه المرأة، إذ كانت في الماضي تعارض بشدة إدماج المرأة في مكان العمل - بسبب الموقف الديني والثقافي الذي يرى أن المرأة تنتمي إلى المنزل، ولكن اليوم، مع قيادة بن سلمان، فإن الأبواب التي منعت في وقت ما أمام النساء قد فتحت.

رجل سعودي يمشي أمام جدار مرسوم عليه صورة ليلى الشخصية المفترضة للمرأة القوية السعودية

فعلى سبيل المثال، يمكن للمرأة تمثيل موكليهم أمام المحكمة، والانخراط في المهن الطبية والصحفية، وسياسة التجديد المتعلقة بالمرأة هي أولا وقبل كل شيء كانت نتاج ضرورة وليس صادرة عن تغيير جذري في الوعي السعودي، بسبب الصعوبات المتزايدة للعائلات السعودية حيث أضحى من الصعب تلبية احتياجات الأسرة استنادا فقط على راتب الرجل - في أعقاب خفض الدعم الحكومي - وهناك حاجة متنامية إلى إدماج المرأة في سوق العمل لزيادة دخل الأسرة، ومع ذلك، فإن الطريق نحو هذا الهدف معبدة بالعقبات التي تبدو أحيانا عصية على الحل، لأن إدماج المرأة في القوى العاملة يستفز الهاجس الديني من قبل العديد من المواطنين السعوديين الذين يواجهونها هذه الظاهرة.

وحتى وقت قريب كان من الطبيعي بالنسبة لكثير من العائلات السعودية توظيف سائق خاص لإيصال المرأة إلى عملها، ومع ذلك، وبسبب الحاجة إلى خفض النفقات، اضطر العديد منهم للتخلي عن خدمات القيادة (أي تكلفة أكثر من 400 $ شهريا)، ونقل عبء قيادة السيارات للرجال. هذا الواقع يؤدي إلى زيادة الضغوط على القوى المحافظة في الحكومة لرفع الحظر على قيادة المرأة للسيارة. 

الثقل في الأماكن العامة السعودية على المعايير الثقافية الدينية في مواجهة الاحتياجات الاقتصادية هو ما سيحدد إلى حد كبير الطابع الجديد للمملكة السعودية في العقود المقبلة.

مشاهد يومية للسعوديون في الرياض

وباسم مبدأ الكفاءة وتخفيض الهدر في القطاع العام، قررت الحكومة خفض سلة الرعاية الخدماتية التي يتلقاها المواطنون في مقابل الهدوء السياسي، وتوقفت الحكومة أيضا تمويل بعض المشاريع باهظة التكاليف. ونتيجة لذلك، عانت الشركات السعودية من خسائر اقتصادية، وأفاد المواطنون السعوديون عدم قدرتهم على تسديد أقساط الرهن العقاري والنفقات العادية، وكثير منهم يتذمرون نتيجة لسياسة التقشف ويصرحون باحتجاجاتهم على الشبكات الاجتماعية.

ومن أجل تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على عائدات النفط، فلا بد من استحداث برنامج للدراسات الأساسية للتكيف مع نظام التعليم بالاستجابة لمطالب السوق الحديثة. ومع ذلك، فإن إدخال مثل هذه الدراسات ستكون إصابة قاتلة لاحتكار المؤسسة الدينية للمحتوى التعليمي، وبالتالي من شأنه أن يقوض التأييد الساحق الذي توفره هذه المؤسسة للمؤسسة السياسية.

المملكة العربية السعودية بلد صعب الهضم، حتى بالنسبة لبعض مواطنيها. هذا البلد مليء بالتناقضات التي وللمفارقة نظرا لجودتها نجحت في إبقاء الأيديولوجيا الخاصة بها والأمن رغم التحديات السياسية. ولكن الآن حان الوقت من أجل إعادة اكتشاف نفسها، لقد كان دمج الدين والحداثة دائما تحديا للنظام الحالي، ولكن الحكمة السياسية من مختلف الملوك والتفسير الصحيح لها من الأصوات المتنوعة على الأرض قد سمحت لهم بالتنقل خلال المياه الجارية.

إذًا وعندما تأخذ المملكة العربية السعودية خطوات لإعادة تعريف هويتها، فمن المشكوك فيه أن الغرب سوف يكون قادر على الكشف عن نطاق التغيير الذي أحدثته. المملكة العربية السعودية تتغير في كل وقت، ولكنها تفعل ذلك بطريقتها الخاصة و بالوتيرة التي تناسبها، بغض النظر عن ما يتوقعه الغرب منها.

سعوديات يحاولن الاختباء من المطر في جدة

إنه من الأسلم أن نفترض أن السنوات القادمة ستستمر السعودية تحت حكم ملكي مطلق وستدوس حقوق الإنسان وستستمر في انتهاك الموارد الوطنية لتوسيع رأس المال السياسي لآل سعود، ولكن هذا لا ينفي تيارات التغيير التي تجري تحت الرادار الغربي، فحملة للمرأة السعودية في وسائل الاعلام الاجتماعية ضد سيطرة الرجل على حياتهم، وقرار النظام بتقييد سلطة الشرطة الدينية والمؤسسة الدينية، وتنويع غير مسبوق في الاقتصاد كل هذه هي جزء من ثورة هادئة هناك.

وتختم "يآري" مقالها بقولها: "بعض من هذه الاتجاهات تبدأ على المستوى الشعبي، في كثير من الأحيان بطريقة غير منظمة، في حين أن البعض الآخر بمبادرة من النظام، وفي كلتا الحالتين، سوف تستمر المملكة العربية السعودية بكونها دولة فريدة من نوعها ومتعددة الأوجه التي تعمل وفقا للنظرة الخاصة، دون الاعتذار للغرب".