شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

جبهة النصرة من أيقونة إلى عدوة الثورة

جبهة النصرة من أيقونة إلى عدوة الثورة
إنه تحول دراماتيكي مثير خلال فترة وجيزة من "كلنا مع جبهة النصرة"، إلى "كلنا ضد جبهة النصرة"، فهل تغيّر أنصار الثورة أم تغيّرت جبهة النصرة، لا شك بأن النصرة التي عرفتها الثورة السورية باتت كجزء من الذاكرة..

عقب مرور خمس سنوات على الثورة السورية تحولت صورة “جبهة النصرة” من أيقونة للشجاعة والتضحية والفداء والإخلاص والنقاء كنصير للثورة والمستضعفين، إلى عدو للثورة يتستر بالديانة والشريعة كذئب في ثياب حمل، ينتظر فرصة سانحة للانقضاض على الثورة والتنكيل بالخصوم وفرض رؤية ظلامية على الشعب تفتقر إلى الكفاءة والعدالة وتتلبس بالظلم والاستبداد، وفي سياق إدراك النصرة لتضرر صورتها وسمعتها، عمدت إلى إصدار سلسلة من الأفلام الوثائقية بعنوان “ورثة المجد” لتحسين صورتها كنصير للثورة السورية، وقد أصدرت مؤسسة “المنارة البيضاء”، التابعة لـ “جبهة النصرة”، حتى الآن إصدارين من السلسلة: “ورثة المجد 1″، و”ورثة المجد 2″، ركز الأول على مسار ثورات الربيع العربي عموما، والثاني على مسار الثورة السورية خصوصا، ودور التنظيم فيها، وقد ختمت الإصدارات بعبارة أثيرة لتكيّفات القاعدة بعد الربيع العربي الموسومة بأنصار الشريعة، وشعارها “نحن للشريعة فداء”.

“ورثة المجد” عنوان مثير يستبطن أزمة النصرة الراهنة، ويستدعي ذاكرة جميلة للنصرة باتت مشوشة ومهشمة في ذهن الثورة السورية، عندما كانت “جبهة النصرة” تحقق نجاحات كبيرة، وتستقطب مقاتلين محليين وأجانب، وتتمتع بدعم واسع النطاق من المجتمعات المحلية والقوى الثورية والجهادية العالمية، فقد تمكنت النصرة حتى ديسمبر 2012 من تنفيذ عمليات كبيرة، وأعلنت عن مسؤوليتها عن أكثر من 500 هجوم، منها سلسلة من الهجمات الانتحارية.

وبفضل تميزها عن جماعات الثوار العاملة في سوريا، فقد اكتسبت شرعية لدى أفضل المُنظرين الجهاديين في العالم، الذين دعوا المناصرين على المستويات الشعبية في جميع أنحاء العالم إلى المساعدة في تمويل الجماعة أو الانضمام إليها. وقتها لم تنتظر الولايات المتحدة طويلا على محاولة “جبهة النصرة” التعمية على هويتها وانتمائها، فقد أدرجتها على قائمة الإرهاب في 11 ديسمبر 2012، واعتبرتها امتدادا للفرع العراقي للقاعدة، والذي كان يعرف باسم “دولة العراق الإسلامية”، وبحسب هارون زيلين فإن إدارة أوباما كانت تحاول آنذاك وأد صعود “جبهة النصرة” في المهد من خلال تصنيفها الآن كمنظمة إرهابية، قبل قيامها بشن هجوم على المصالح الأميركيةأو الوطن الأم.

ميراث “مجد” النصرة تشكل خلال فترة وجيزة من فعاليات الثورة السورية، فقد حظيت جبهة النصرة باحترام كبير في أوساط السوريين نظرا لتفانيها وصلابة مقاتليها في مواجهة قوات النظام وعملياتها النوعية، وتعاونها وتنسيقها مع كافة الفصائل المسلحة، ولسلوكها المنضبط والإيجابي مع المجتمع المحلي وتقديمها خدمات إغاثية عديدة، وتأسيسها لمحاكم شرعية للفصل في النزاعات اليومية، الأمر الذي ظهر جليا من خلال موجة غضب من كافة أطياف الثورة السورية مدنية وعسكرية وسياسية وشعبية على القرار الأميركي، فقد دعا رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية آنذاك معاذ الخطيب، وجماعة الإخوان المسلمين الولايات المتحدة إلى مراجعة قرارها باعتبار جبهة النصرة لأهل الشام منظمة إرهابية، وتجلى رفض وضع جبهة النصرة على لوائح الإرهاب الأميركية شعبيا عبر الخروج في مظاهرات مؤيدة لجبهة النصرة ومنددة بالقرار الأميركي يوم الجمعة الموالية للقرار بتاريخ 14 ديسمبر 2012، وعنونت فعالياتها باسم: “لا للتدخل الأميركي: كلنا جبهة النصرة”.

إنه تحول دراماتيكي مثير خلال فترة وجيزة من “كلنا مع جبهة النصرة”، إلى “كلنا ضد جبهة النصرة”، فهل تغيّر أنصار الثورة أم تغيّرت جبهة النصرة، لا شك بأن النصرة التي عرفتها الثورة السورية باتت كجزء من الذاكرة، ولا يسعفها الادعاء بأن النصرة الحالية هي ورثة ذلك المجد، ولا ينجيها الادعاء بأن شقيقتها “الدولة الإسلامية” التي تنعتها بــ “الخوارج” سبب البلاء وتخريب الثورة، بل إن الدولة الإسلامية كانت واضحة منذ البداية بالكشف عن أهدافها وطبيعة منظومتها واستراتيجيتها بالسيطرة والتمكين، فهي لا تتوافر على أوهام بشأن الدولة والحرب، وتبدو متسقة مع استنتاجات تشارلز تيلي بأن “الحرب تنشئ الدولة، والدولة تنشئ الحرب”.

ففي الحالات التي درسها تيلي، كانت القاعدة أن الحدود تصنعها الحرب. والحرب هنا بمعنيين: الحروب الخارجية بين الدول المتنافسة، والحرب الداخلية حيث تفرض الحكومة هيمنتها ومركزيتها وحصريتها على مجتمعها ذاته، فتاريخ بلاد الجنوب والشمال يعجّ بأمثلة عن عملية “الاحتلال الداخلي” التي خاضتها المؤسسة السياسية حتى تصبح “دولة حديثة” من خلال تفكيك الكيانات المسلحة القائمة تقليديا في المجتمع، وانتزاع السيطرة على الجغرافيا والطرق الرئيسية، وإضعاف القبائل والقوى المحلية ومنعها من تطبيق قوانينها وحكامتها الخاصة.

أما النصرة فقد تحايلت وتخبطت وتذاكت دون جدوى، وتكشفت عن وجه ملتبس يحمل ذات أجندة تنظيم الدولة تارة وأجندة الثورة تارة أخرى، وهكذا مارست ذات العمل الذي أنكرته على جماعة الدولة بقتل الخصوم باعتبارهم خونة وعملاء وصحوات، وأنشأت إمارات ونكلت بالناشطين والإعلاميين والمتظاهرين، حيث خرجت مظاهرات سلمية مؤيدة للثورة وترفع علمها في معرة النعمان في أكتوبر 2015، لكن “اللجنة الأمنية” التابعة للنصرة، مزقت علم الثورة، واعتقلت خمسة نشطاء، ليتحول الاستياء إلى نضال علني يهدف لإسقاط النصرة، ضمن ردود فعل تباينت بين المظاهرات والكتابات على مواقع التواصل. ولم تكتف النصرة بالتصدي للمظاهرات، بل قامت بمداهمة مقرات الفرقة 13، التابعة للجيش الحر في معرة النعمان، في محاولة للسيطرة على المدينة، الأمر الذي يتطابق مع نهج تنظيم الدولة في السيطرة المكانية على المستوى العسكري، والاعتقالات على المستوى الأمني، وتطبيق أحكام الجلد والقتل على مستوى قوى الحسبة في إدلب.

لعل الانقلاب الثوري على جبهة النصرة هو وصولها إلى نقطة لم تعد فيها قادرة على التعمية على هويتها الإيديولوجية وأهدافها الاستراتيجية المختلفة عن هوية الثورة السورية وأهدافها بالحرية والديمقراطية والعدالة والكرامة الإنسانية، وهي مفاهيم تتناقض مع مفاهيم قاعدة الجهاد التي تنتمي إليها النصرة، فالتباس هوية جبهة النصرة ظهر جليا منذ الإعلان رسميا عن تأسيسها من خلال تسجيل مرئي بعنوان “شام الجهاد”، بتاريخ 24 يناير2012، على الرغم من وجود التنظيم منذ شهر يوليو 2011، دون تسمية، فالتسمية الأولية، التي ظهرت في شريط الإعلان عن التنظيم الجديد، تشير بوضوح إلى التباس هوية التنظيم، وانتمائه، وتردده بين المركز والفرع، فقد أطلق على نفسه “جبهة النصرة لأهل الشام: من مجاهدي الشام في ساحات الجهاد”، وحافظ في بياناته المتتالية على هذه التسمية الطويلة، ويبدو أنه كان يرغب في بداياته باستقطاب الجهاديين من بلاد “الشام” بصورة أساسية، وهو ما ظهر جليا من خلال اجتذاب جهاديي بلاد الشام، التي تضم سورية والأردن ولبنان وفلسطين.

في سياق محاولة التعميّة على هويتها أظهرت جبهة النصرة منذ تأسيسها المزيد من البراغماتية، وأخذت تبتعد أكثر عن الفرع العراقي للقاعدة وتقترب بصورة جلية من نهج القاعدة المركزي الجديد وتكيفاته الموسومة بـ”أنصار الشريعة”، وعلى مدى سنوات من تأسيسها حافظت جبهة النصرة على نهج يقوم على الحفاظ على علاقات ودية مع كافة فصائل الثورة السورية، وتجنبت الصدام مع كافة القوى المحلية والإقليمية والدولية، وقدمت تطمينات عديدة بعدم فرض رؤيتها حول مستقبل سوريا واعتماد منهج الشورى في تدبير الخلافات وإدارة المناطق المحررة، والحرص على تقديم الخدمات والإغاثة للجميع، وعدم الانفراد في تحديد شكل الحكم، وتأجيل موضوعة تطبيق الحدود وإقامة الشريعة، وقد برز تخبط النصرة عبر محطات عديدة، حيث تغيّر نهج النصرة تدريجيا بعد فشل التكيّفات الإيديولوجية، وبرزت مع الإعلان عن تأسيس “إمارة الشام الإسلامية” على لسان الجولاني زعيم جبهة النصرة في تسجيل صوتي مسجل في 11 يوليو 2014، لكنها نفت في اليوم التالي نيتها إعلان الإمارة.

ميراث مجد النصرة كان يتبخر ويتلاشى مع تطورات الثورة السورية، فعقب تشكل التحالف الدولي للتصدي لتنظيم الدولة الإسلامية، كانت جبهة النصرة هدفا مفضلا لغارات التحالف الجوية منذ 23 سبتمبر 2015، فبعد ستة أسابيع من بدء الضربات الجوية في سوريا حسمت جبهة النصرة أمرها بالتعامل مع بعض فصائل الجيش الحر باعتبارهم “عملاء” للولايات المتحدة، ودخلت في صدام مسلح في ريف إدلب مع “جبهة ثوار سوريا”، وحركة “حزم”، واستولت على معاقلهما، وفرضت سيطرتها وحكامتها.

هكذا فإن تحسين صورة النصرة تتطلب أكثر من بث سلسلة إصدارات “ورثة المجد”، باستدعاء الذاكرة، والحديث عن مسار الثورة السورية منذ انطلاقتها، ودور التنظيم فيها، فالظهور العلني الأول لثلاثة من أبرز قادة جبهة النصرة، لا يجدي نفعا، وحديث عبد الرحيم عطون، الملقب بـ”أبي عبد الله الشامي” الذي يشغل منصب عضو اللجنة الشرعية، عن المعطيات الحالية لثورات الربيع العربي، والثورة السورية بشكل خاص، وتدخل قوى غربية كبرى على رأسها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، للإجهاز على إرادة الشعوب المنتفضة ضد حكامها المستبدين، لا يقدم شيئا، والاستشهاد بالمفكر السياسي اليساري الأمريكي نعوم تشومسكي، كما كان يفعل أسامة بن لادن بأن الولايات المتحدة تعتمد على دعم الحكام المستبدين، لا يعتبر شهادة للنصرة، وظهور المصري أحمد سلامة مبروك “أبو الفرج المصري”، وهو من أبرز الشرعيين في جبهة النصرة، ومهاجمة دول الخليج والديمقراطية، لم يعد مجديا في التجنيد والاستقطاب، واستضافة الأكاديمي سمير الشيخ علي، أستاذ علم الاجتماع وعميد كلية التربية في جامعة إدلب، لإضفاء التسامح والتعايش مع المختلفين، يشير إلى مزيد من الالتباس، وأما الاستشهاد بخالد باطرفي، المتحدث باسم تنظيم القاعدة في اليمن، فلا يجلب التضامن، وبخصوص ظهور جمال حسين زينية، الملقب بأبي مالك الشامي (التلي)، أمير جبهة النصرة في القلمون، ودعوته للتمسك بالشرع، فإن ممارسات النصرة الانتقائية المشوهة للشريعة لا تعجب الأنصار، ولا تروق للأغيار، وخلاصة القول أن تحسين صورة النصرة مهمة مستحيلة.



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020