شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

الإعلام المصري وصناعة الديكتاتور

الإعلام المصري وصناعة الديكتاتور
فقدت مصر هويتها السياسية، وكذلك مقومات بناء أهميتها في الشرق الأوسط والحفاظ عليها، في خضم معركة توازن القوى بين إيران والمملكة العربية السعودية

فقدت مصر هويتها السياسية، وكذلك مقومات بناء أهميتها في الشرق الأوسط والحفاظ عليها، في خضم معركة توازن القوى بين إيران والمملكة العربية السعودية، والآن أصبحت المؤسستان اللتان من شأنهما ضمان الحرية والعدالة في الدولة -وهما الإعلام والقضاء- الأكثر موالاة للنظام. 

عندما أطاح عبدالفتاح السيسي بالرئيس المنتخب ديموقراطيا، محمد مرسي، بانقلاب عام ٢٠١٣، كان الإعلام هو المنتصر، فقد نسي الصحفيون، الذين قاموا بتحقير كل ما فعله مرسي، مع قدر غير معقول من الجهل فى تجربتهم السابقة مع الديكتاتوريين العسكريين، وقاموا في الحال برسم صورة لعبدالفتاح السيسي على أنه “البطل القومي المنقذ”، كما كانت هناك حملة إعلامية ضخمة لتبرير وشرعنة الانقلاب العسكري الذي قام به الديكتاتور، فأصبحت الثورة المصرية شيئا من الماضي. 

اعتاد المصريون على الحياة غير الكريمة تحت حكم الأنظمة الديكتاتورية، فبعدما انتهى الاحتفاء بالانقلاب العسكري الذي أطاح بالإخوان المسلمين، افتقدت وسائل الإعلام المصرية الحرية التي تمتعوا بها تحت حكم الجماعة، أما بالنسبة للسيسي فكان الأمر بمثابة نعمة، فقد امتدح دور الإعلام في “تحسين المجتمع”، لقد كان هناك تحسينا بالفعل، لكن ليس للمجتمع، لقد كان لصالح عبدالفتاح السيسي نفسه. 

لم يدم الأمر طويلا للسيسي أو حتى للإعلام، فكانت الضربة الأولى لصورته المثالية في الانتخابات الرئاسية، فقد هدأت المشاعر الثورية، وأدرك المصريون أن رئيسهم قد تم اختياره بالفعل، وأن الانتخابات لم تكن إلا مسرحية من أجل الاتيان بالديكتاتور إلى السلطة، لم يكن هناك فرصة للاختيار فأولئك الفاعلين في المجتمع والذين يشاركون معظم أبناء الشعب المصري آراءهم السياسية قد وضعوا خلف القضبان، كما لم يكن هناك أيضا فرصة للاختيار بالنسبة لليبراليين الذين عارضوا سياسات الجماعة بشدة، كما أن الانتخابات لم تكن للمصريين فقط، بل كانت من أجل “التوسع الاستعماري” للمملكة العربية السعودية في محاولة لتغيير موازين القوى في المنطقة، لم يذهب معظم المصريين للإدلاء بأصواتهم، واحتفل الإعلام بانتصار الديكتاتور العسكري. 

الثورة رمز الأمل، ومن المفترض أن تقوم بتغيير البلاد إلى مكان أفضل، مكان يضمن لمواطنيه الحرية والأمن الإجتماعي والاقتصادي؛ وإلا فلماذا يضحي الناس بدمائهم؟ عندما ننظر إلى الانتفاضة المصرية -والتي لا يزال البعض يسميها ثورة- ترى يأسا مطلقا، فمصر الآن واحدة من الدول التي تعاني تدهورا شديدا، على المستويين السياسي والاقتصادي بعد الثورة. لقد قتل العديد من الناس قبل وأثناء الثورة؛ وقد قتلت الشرطة المصرية بالفعل مئات من المتظاهرين السلميين، معظمهم من أنصار جماعة الإخوان المسلمين، ولا يزال الناس يقتلون، ولا تزال الاحتجاجات يتم قمعها. 

وتتحدث تقارير مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف عن ٢٧٢ قضية “قتل خارج إطار القانون”، و٢٨٩ قضية تعذيب، و١١٩ قضية اختفاء قسري، بالإضافة إلى إصابات لا حصر لها تسبب فيها الاستخدام المفرط للقوة من قبل الشرطة خلال السنة الأولى من حكم السيسي، كما تم فصل العشرات من الطلاب المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين من الجامعات؛ كما يشعر حاملو الجنسيات الأجنبية بعدم الأمان، وبخاصة بعد مقتل الإيطالي جوليو ريجيني. 

وإذا كان هناك أمر جيد في مصر خلال السنة التي حكمت فيها جماعة الإخوان المسلمين، فيمكننا أن نقول أنه كان، على الأقل، توقف الجرائم الوحشية للشرطة، فلم يكن هناك شرطي يمكنه ارتكاب جريمة والإفلات من العقاب، وتمتع المصريون بحرية التعبير عن معارضتهم للإخوان سياسيا؛ كما تم الإفراج عن المعتقلين السياسيين دون قيد أو شرط، ربما لم تتمكن الجماعة من تحقيق رخاء إقتصادي، لكن، ولأول مرة في التاريخ، عرفت مصر شيئا اسمه كرامة. 

مأساة أخرى من مآسي الثورة المصرية

 الليبراليون الذين كانوا جزءا من الحملة الشعواء ضد الإخوان المسلمين، فقد كانوا يقولون إن الجماعة لم تحقق الحرية التي كانوا يطمحون إليها، وقد كانوا يجادلون بشكل مسبق في أشياء لم تحدث: ” قد استحوذت الجماعة على مصر ولكن يكون هناك حرية، سوف يتم حرمان المرأة من حقوقها، سوف تتحول مصر إلى دكتاتورية إسلامية”، هذا ما كانوا يرددونه غالبا، ولم يحدث أيا من هذا. فخلال الفترة التي كان فيها محمد مرسي رئيسا، تمتع العلمانيون بالحرية المطلقة للتعبير عن رأيهم المعارض، أما الآن وقد تولى الديكتاتور العسكري السلطة، يقبع عشرات من “الديموقراطيون الليبراليون والعلمانيون” ونشطاء حقوق الإنسان وأفراد المجتمع المدني في السجن. 

وأصبحت مصر اليوم مكانا أكثر اختناقا كما لم تكن في عهد الحكومة المدنية المنتخبة، فماذا حدث لأولئك اللليبراليين والعلمانيين؟ أين “نشطاء الحرية”؟ لماذا لا نسمع كلمة اعتراض واحدة على السياسات القمعية للنظام؟ عندما قتل بائع الشاي بمنتهى الوحشية، لماذا لم تخرج أي مظاهرة تطالب بحق الضحية؟ وأصبحت التظاهرات تخرج في فقط في الأمكان المسموح بالتظاهر فيها، فقد أصبحت المظاهرات اليوم في مصر تعني الموت أو السجن؛ او ربما الاثنان معا. 

في دولة مثل مصر، تتضح عظمة النظام من خلال المرونة التي يبديها، أي المساحة التي يمنحها للتعبير عن الاعتراض، لكن عندما يفشل الإعلام في التفريق بين الجيد والسيئ في الحاكم – وعندما يمتنع عن تسليط الضوء على ما يضر المجتمع – يصبح الإذلال المستمر هو السمة السائدة، والإعلام المصري يقوم بهذا بالفعل؛ حيث يتجاهل معاناة الناس، فقد عادت مصر إلى ما كانت عليه في عهد مبارك، ولكي تتغير الأمور مرة أخرى، يجب أن تكون هناك انتفاضة اخرى، لكن الثمن هذه المرة سيكون باهظا جدا. 

 



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020