شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

سر الاستهداف الصهـ ـيوني المستمر للحرم الشريف

علم الإحتلال في مدينة القدس

الباحث-جوزيف مسعد يكتب:

أعلنت هذا الأسبوع الجماعة الأصولية الاستيطانيـ ـة اليهودية الإسرائيلية “العودة إلى الجبل”، التي تدعو إلى بناء “الهيكل اليهودي الثالث” في موقع الحرم القدسي الشريف، والمرتبطة بجماعة كاخ العنصرية، أنها تخطط لإقامة طقوس التضحية بالحيوانات كقرابين في موقع الحرم كجزء من طقوس عيد الفصح اليهودي الذي يبدأ يوم الجمعة ويستمر لمدة أسبوع. رداً على ذلك، أعلنت حركة “حماس” أنها لن تسمح بمثل هذه الطقوس وستمنعها “بأي ثمن”، كما أدانتها السلطة الفلسطينية والحكومة الأردنية.

وفي فبراير الماضي، دخل أعضاء من هذه الجماعة الحرم، حيث تظاهروا بأنهم مسلمون وصلّوا فيه. وفي ضوء الإعلان عن هذه الطقوس المزمع إقامتها، أصدر مدير المسجد الذي يُعَيِنه النظام الأردني قرارًا بمنع المصلين المسلمين من الاعتكاف في المسجد قبل العشر الأواخر من رمضان، أي بعد انتهاء عيد الفصح اليهودي. رغم ذلك، أصر المصلون الفلسطينيون على البقاء في المسجد ليلة الجمعة لمنع المجموعة اليهودية من دخول الحرم، وتعرضوا صباح اليوم للاعتداء من قبل الأمن الإسرائيلي مما أدى إلى إصابة أكثر من مائة وخمسين مصليا.

بعد قيام إسرائيل باحتلال القدس الشرقية عام 1967، قرر وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان السماح للأوقاف الفلسطينية ـ الأردنية والتي كانت دائمًا تدير الحرم الشريف، أو ما يسميه اليهود بـ “جبل الهيكل”، الاستمرار في إدارته. وأصدر كبار حاخامات إسرائيل، الأشكنازي والسفاردي على حد سواء، وبمعيتهم مئات الحاخامات الآخرين، حكماً شرعيا أو “هالاخياً” بمنع اليهود من دخول المنطقة، ناهيك عن الصلاة فيها، لأن ذلك من شأنه أن ينتهك الشرع الديني اليهودي، أو الهالاخه، بسبب قدسية المكان وطهارته و”نجاسة” جميع اليهود بعد تدمير الهيكل الثاني والتي لا يمكنهم التطهر منها لحين مجيء المسيح المنتظر بحسب الحاخامات. وحتى الحاخامات الأصوليون، من أتباع الحاخام المتعصب تصبي يهودا كوك، الذي أصبح العديد من أتباعه مستوطنين أصوليين في الضفة الغربية والقدس الشرقية بعد عام 1967، وافقوا على الحظر الديني.

لكن بعض الجماعات الصهيونية المتطرفة غير المتدينة، وخاصة تلك المرتبطة بجماعة “ليحي” الإرهابية التي نشطت قبل إقامة الدولة، جادلت بأن الحاخامات مخطئون وأن على اليهود بناء كنيس يهودي في موقع الحرم. وفي عام 1969، أضرم متطرف مسيحي أسترالي النار في المسجد الأقصى بناء على معتقداته، وقام الإسرائيليون باعتقاله وزعموا أنه يعاني من مرض عقلي، وتم ترحيله بعد سنوات. وقد كان التأثير الأكبر في هذه المداولات الدينية من نصيب حاخام الجيش الإسرائيلي، شلومو غورين، الذي أصبح في عام 1973 الحاخام الأشكنازي الرئيسي لإسرائيل. جادل غورين بأنه بإمكان اليهود الزيارة والصلاة في تلك المناطق من الهيكل القديم التي كان قد تم توسيعها في نهاية عصر الهيكل الثاني، وأن هذا لن يكون انتهاكًا لشريعة الهالاخه. وجادل بأن هنالك أدلة على أن اليهود كانوا قد بنوا موقعًا دائما للصلاة على “الجبل” حتى القرن السادس عشر، وهو زعم غير مثبت ويعارضه المؤرخون.
وفي سياق حماسه للسماح لليهود بالوصول إلى داخل الحرم، ادعى غورين، وهو على حق، بأن الحائط الغربي أو “حائط المبكى” لم يكن موقعًا يهوديًا للصلاة حتى القرن السابع عشر وحتى عندما تحول إلى موقع للصلاة، كان ذلك نتيجة القيود التي وضعتها السلطات العثمانية على العبادة اليهودية في مواقع أخرى من منطقة الحرم الشريف. وقد كتب غورين في عام 1994 لرئيس الوزراء يتسحاق رابين أنه “لا يمكننا المطالبة بأي حقوق في حائط المبكى” لكن يجب السماح لليهود بالصلاة في جميع أرجاء منطقة “جبل الهيكل”. وقد بدأ كبار الحاخامات في إسرائيل في الثمانينيات من القرن الماضي يجدون الفكرة مقبولة جزئيًا واقترح حاخاماتها من السفارديم والأشكنازيم بناء كنيس يهودي في الزاوية الجنوبية الشرقية للمنطقة، خلف المسجد الأقصى، أي خارج منطقة الحرم، على الرغم من إصرار الحاخام السفاردي بأن يكون الكنيس أعلى من المسجد.

في الواقع، لم يكن لجدار البراق، ناهيك عن الحرم الشريف، أهمية دينية كموقع للصلاة لليهود قبل ظهور الحركة الصهيونية. في حين سُمح لليهود الفلسطينيين بالصلاة هناك في العهد العثماني، كان المستعمرون الصهاينة والمتطرفون هم الذين بدأوا يطالبون بالحائط بعد الاحتلال البريطاني، مما تسبب في عدد من المواجهات العنيفة بينهم وبين المسلمين الفلسطينيين في عشرينيات القرن الماضي بلغت ذروتها في أحداث عام 1929 أو ما يعرف بـ “ثورة البراق” التي اجتاحت البلاد وقتل فيها أكثر من مائتي يهودي وفلسطيني.

وفي عام 1986، أصدر سبعون حاخامًا، في اجتماع دعا له غورين، فتوى شرعية جديدة للسماح لليهود “بالدخول والصلاة في معظم أرجاء الحرم القدسي”، وأنه يمكن بالفعل بناء كنيس في الموقع. وبحلول عام 1990، أمر حاخام طائفة لوبافيتشر مناحيم شنيرسون أتباعه بإقامة احتفالات دينية في الحرم، بينما في تلك الأثناء، كانت جماعة “مؤمنو جبل الهيكل” اليهودية، التي تأسست عام 1967 بقيادة غيرشون سالومون، تخطط لوضع حجر الأساس لبناء “الهيكل الثالث” على أرض الحرم الشريف. لم يكن سالومون، وهو قومي إسرائيلي، يهوديًا متدينًا في ذلك الوقت على الرغم من أنه يبدو أنه أصبح كذلك بحلول منتصف التسعينيات، وهو ما ينعكس في الأدبيات القومية الدينية المتزايدة التي تنشرها حركته عدا عن علاقاته المالية بالجماعات الأصولية المسيحية الغربية.

قام الفلسطينيون بالتظاهر ضد مخططات مجموعة “مؤمنو جبل الهيكل”. وفي 8 ت أكتوبر، قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 20 محتجًا فلسطينيًا وأصابت أكثر من 150 بطلقات نارية، مما أدى إلى صدور قرارين دوليين أصدرتهما الأمم المتحدة أدانت فيهما استخدام الحكومة الإسرائيلية للقوة ورفضها السماح للأمين العام للأمم المتحدة بزيارة الحرم الشريف. ونتيجة المذبحة وما تلاها من ضجة دولية أجهضت مخططات الحاخام شنيرسون.

أما حركة “حي وقيام”، وهي جماعة صهيونية أكثر تطرفا من “مؤمنو جبل الهيكل،” فتطالب بـ “الحق” اليهودي المزعوم في احتلال الحرم الشريف والصلاة فيه، وهي حركة يقودها يهودا عتصيون الذي كان والده عضوا في جماعة ليحي الإرهابية. أمضى عتصيون 7 سنوات في السجون الإسرائيلية لعضويته في منظمة إرهابية يهودية في الثمانينيات سعت إلى تفجير قبة الصخرة. كان هو وجماعته يصرون على الصلاة في الحرم، الأمر الذي أجبر الشرطة الإسرائيلية على طردهم منه بالقوة، وهو ما غطته أجهزة الإعلام الإسرائيلية.

وقد أدت مشاهد طردهم من الحرم إلى استفزاز المجتمع اليهودي الإسرائيلي المستعمر، من متدينين وعلمانيين على حد سواء، وزاد من دعمهم للحركة. ومن المجموعات الأخرى التي تقدم مزاعم مماثلة جماعة “يمين إسرائيل” و”كاخ” و”كاهانا حي” و”معهد المعبد” و”حركة إنشاء الهيكل” و”عطيرت كوهانيم” من بين مجموعات أخرى.

لقد تم حشد العديد من هذه المجموعات بعد اتفاقيات أوسلو نتيجة خوفها من منح السلطة الفلسطينية حق السيطرة على الحرم، لا سيما أيضًا بعد اتفاقيات السلام الإسرائيلية الأردنية في عام 1994 التي “تحترم” إسرائيل في نصها “الدور الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس”. وفي فبراير 1997، أصدرت “لجنة حاخامات يشع” أي لجنة حاخامات المستوطنين في الضفة وغزة، وهي مكون مركزي داخل الحركة الاستيطانية والدينية القومية الصهيونية، فتوى يسمح بموجبها للحاخامات الذين يؤمنون بأن على اليهود الصلاة داخل الحرم أن يقوموا هم وأتباعم بذلك.

في غضون ذلك، بدأ العديد من قضاة المحكمة العليا الإسرائيلية وغيرهم من الساسة الإسرائيليين في دعوة الحكومة والحاخامية الرئيسية في إسرائيل لرفع الحظر عن صلاة اليهود داخل الحرم. وبلغت هذه الجهود ذروتها في الزيارة التي قام بها زعيم حزب الليكود، أرييل شارون، إلى الحرم الشريف في سبتمبر 2000 برفقة شرطة مكافحة الشغب الإسرائيلية. وتلا ذلك احتجاجات فلسطينية قُتل خلالها أربعة فلسطينيين وجُرح العشرات. وقد أدت زيارة شارون لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية. وفي الأسبوع التالي لزيارته قتلت إسرائيل 70 فلسطينيا. وقد تم انتخاب شارون رئيسا للوزراء بعد خمسة أشهر من اقتحامه للحرم.

قبل عام 2003، كانت الحكومة الإسرائيلية لا تسمح لأكثر من 3 يهود من المتدينين بزيارة الحرم في وقت واحد، لكنها منذ ذلك الحين زادت هذا العدد بشكل مطرد إلى أن وصل لأكثر من 50، وهي تقوم بذلك دون موافقة سلطات الأوقاف الإسلامية. وفي عام 2009، وبعد إدلائه بتصريحات عنصرية ضد الفلسطينيين، قام وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي يتسحاق أهارونفيتش من حزب” إسرائيل بيتنا” اليميني بزيارة أخرى للحرم. وقد استمرت منذ ذلك الحين الاستفزازات والانتهاكات اليهودية الصهيونية. وفي سبتمبر 2015، منعت الحكومة الإسرائيلية الفلسطينيين من دخول الحرم لإفساح المجال لليهود للذهاب للصلاة هناك. فاندلعت انتفاضة فلسطينية أطلقت خلالها الشرطة الإسرائيلية النار على عشرات الفلسطينيين.

وفي حين منعت الحكومة الإسرائيلية أعضاء الكنيست من زيارة الحرم بعد أحداث 2015، رفع بنيامين نتنياهو الحظر في عام 2018. وفي الواقع، لا تزال مسألة السماح لليهود بالدخول إلى الحرم الشريف، ناهيك عن الصلاة داخله، قضية رئيسة ونقطة خلاف في الأوساط الدينية اليهودية في إسرائيل لدرجة أنه في عام 2021 أشيع أن بنيامين نتنياهو أبرم صفقة مع حاخام محافظ ورئيس حزب سياسي لمنع اليهود مؤقتًا من دخول الحرم مقابل الانضمام إلى حكومته الائتلافية.

لقد وصلت المقاومة الفلسطينية ضد الاستعمار ـ الاستيطاني الإسرائيلي اليهودي خلال الأسابيع القليلة الماضية، سواء في إسرائيل أو في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى ذروتها مع قيام إسرائيل بقتل فلسطينيين في جميع أنحاء الضفة الغربية في الأسبوعين الماضيين، لا سيما في جنين. وبينما يدرك الفلسطينيون أن الاستعمار الاستيطاني اليهودي قد استهدف وما زال يستهدف أرض فلسطين بأكملها، فإن المحاولات المستمرة للسيطرة على الأماكن الإسلامية المقدسة، سواء في القدس أو الخليل أو في مقام يوسف الدويك في نابلس (وهو قبر ولي محلي لكن الصهاينة المتعصبين يزعمون أنه “قبر يوسف،” النبي التوراتي)، مستمرة على قدم وساق، وكذلك المقاومة الفلسطينية الباسلة لها.

وبينما كان الإسرائيليون يحشدون مؤيديهم من بين القادة العرب في الشهر الماضي، سواء النظام الأردني للضغط على السلطة الفلسطينية لقمع أي انتفاضة محتملة خلال شهر رمضان الحالي، أو النظام المصري لتحذير “حماس” من أي عمل عسكري ضد إسرائيل أثناء قيام الأخيرة بقمع فلسطينيي الضفة الغربية والقدس الشرقية، قد يشهد الأسبوعان المقبلان تعثر مثل هذه المخططات. فلم تتوقف المقاومة والانتفاضات الفلسطينية ضد المستعمرة ـ الاستيطانية اليهودية منذ وصول المستعمرين اليهود لأول مرة في ثمانينيات القرن التاسع عشر. بإمكان إسرائيل دعوة كل القادة العرب لمساعدتها في مساعيها لقمع المقاومة الفلسطينية، لكن ليس هنالك ما يعزز الاعتقاد بأن الفلسطينيين سيتوقفون عن المقاومة طالما بقي الاستعمار الاستيطاني الصهيوني جاثما على صدورهم.



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020