شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

انحطاط الأمم ماعلته وماصلته بالهوية الروحية للجماعة ؟

انحطاط الأمم ماعلته وماصلته بالهوية الروحية للجماعة ؟
تنبيه: هذا ملخص الأسس التي تنبني عليها تحليلات أحداث الثورة...
تنبيه:

هذا ملخص الأسس التي تنبني عليها تحليلات أحداث الثورة أعرضها بصورة نسقية من منطق هدفين نذكره سريعًا في إشارات أملنا أن يتفكر فيها الشباب وأن يتدبروها رغم أنها ليست من مجال هذا النوع من وسائل التواصل. لكن الكتابات النظرية ذات الشكل الأكاديمي متقدمة عليها ويمكن للشباب الرجوع إليها عندما يفرغ لذلك أو إذا كان من جنس القلة التي طلب القرآن أن تفرغ للعلم والتفقه حتى خلال الجهاد:

الهدف الأول: 
 

وصل الثورة بتاريخ الأمة حتى يدرك من يؤمن بقيمها أنها ليست كما يراد لها مجرد فزات قطرية بل هي وعي الشباب بأن التحرر من الحدود المكانية التي وضعها المستعمر هو شرط القوة المادية وأن التحرر من الحدود الزمانية التي وضعها وكلاؤه لتأسيس دويلات الطوائف هو شرط القوة الروحية وأن شرط الشروط هو عودة الأمة إلى دورها التاريخي الكوني. ولا يكون ذلك ممكنا من دون الوعي الحاد بشروط قيام الهوية الروحية المستقلة أو ذاتية التشريع من خلال صلتها بالمشرع المطلق: الله. والمستعمر يدرك ذلك. لذلك فهو يحارب علاقة الثورة بهذه الشروط أي باستئناف الأمة دورها الكوني وبهذا الوعي بالهوية الروحية للأمة كما تحددت في الآية الأولى من سورة النساء: كونية القيم القرآنية.

الهدف الثاني: 
 

جعل الشباب بجنسيه يدرك أن شروط مطالبه سبقه إليها من حيث التأسيس المعرفي ابن خلدون عندما تكلم على العلل التي تفقد الإنسان معاني الإنسانية أي ما طلبت الثورة العلل المقابلة إيجابا لوعيها بهذا الفقدان: الحرية والكرامة. وليست الثورة إلا الإدراك الفعلي بأنه لا يمكن تحقيق الكرامة والحرية من دون استرجاع شروطما أي جعل الثورة شاملة لكل ما وصفه ابن خلدون في تأسيسه لعلوم الإنسان فسماه: ينبغي أن تشمل صورة العمران (الحكم والتربية) ومادته (الاقتصاد والثقافة) وأصل العلاقة بينهما (الحصانة الروحية).

الإشـــارة الأولــــى
 

لم أعد بحاجة إلى الاعتذار للقارئ. فلست بغافل عما يعاب على ما أكتب: التعقيد والعسر. وأعلم أن الكثير يتصور ذلك تعملا من الكاتب وتحكما. ولعل أصحاب كثرة النكير على طلب البعائد سببه الغفلة عن التناسب بين حقائق الأشياء التي يدور عليها الكلام ومستويات الخطاب. وأعلم أخيرا أني لو كنت أسعى للانتشار والنجومية لملت إلى التبسيط: فهو الطريق السيارة لأصحاب نار الهشيم. لكن شرط ذلك تجنب علاج البعائد فضلا عن الأعماق. لكني آليت على نفسي ألا أتجنب علاج الأمور إلا بمقتضى ما يتطلبه علاجها دون غش وملاطفة للأهواء. لذلك فخطابي لا يتوجه إلى من يطلب النجاح السريع. ومع ذلك فالمساهمة في العمل المباشر فرضت خلال إسهامي في الثورة الفصل بين الكتابة الظرفية التي تقترب من الخطاب المباشر الخالي من التعقيد النظري والكتابة النسقية التي لا يمكن أن تنحط إلى الخطاب المباشر ليس بإرادة صاحبها بل بمقتضى طبعها النظري ذاته. والانحطاط هو الذي جعل فكرنا كسولا وميالا للأكلات السريعة: انظروا إلى الحكام سواء كانوا من القبائل أو من العسكر أميون فالقليل منك يكاد يتهجأ ما لو سمعه الخليل لانتحر.

إن ما لا ينبغي أن ينساه القارئ هو أن ثقافة عصر الانحطاط هي ثمرة الانقلاب الذي جعل وظائف التربية والفكر خاضعة لمبدأ التوريث في المؤسسات التعليمية والفقهية والصوفية. لذلك آلت المؤسسات التربوية والعلمية إلى ما آل إليه مبدأ التوريث في الحكم. فانعكست العلاقة بين المعرفة والسلطة: صار صاحب السلطة يقبل منه ما يقدمه فلا يحتاج إلى المعرفة لأن السيف يغني عن القلم فأصبح الجهل والأمية هما المسيطران. وباتت العادة الفكرية تقاس بالبساطة والسذاجة لغياب جهد التجريد النظري وسيطرة الانزلاق على سطح المعاني المبتذلة. ولم يكن ذلك تيسيرا لأفهام المخاطبين الذين جعلوهم عامة بل هو غيبوبة الفهم عند أصحاب السلطان الموروث في مؤسسات الحكم ومؤسسات التربية.

 

بات التلاعب بمبتذلات التنكيت العامي بين الحكام والفقهاء والمتصوفة والشعراء والأدباء أشبه بما نراه اليوم في الفنون العربية الحديثة. ففيها لا يتجاوز مستوى الفكر والإبداع ما نشاهده في سخافات السينما والمسرح العربيين وحتى في سطحيات حكماء الشعر والرواية بعد أن أصبحا من صناعة مرتادي الحانات. لن تجد بين الفلاسفة الغزالي أو ابن سينا وبين الشعراء المعري أو المتنبي. وما كانت أوروبا تصل إلى ما وصلت إليه لو لم يصبح الشعر فيها معياره جوتة شكسبير فضلا عن كبار المبدعين اليونان والعلم ديكارت ولايبنتز والقيادة نابلوين وموحد ألمانيا والسياسة موحدا أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

الإشــــارة الثانيــــــة
 

لذلك فقد حاولت في كتاب الموازنة بين الفلسفة النقدية العربية والفلسفة النقدية الألمانية (الجزء الثالث ضميمة لترجمة كتاب المثالية الألمانية الذي ترجمت ثلثيه وترجم زميلان الثلث الباقي وكان ذلك بمراجعتي) البحث في العلل العميقة التي يمكن أن تفسر الانطاط الذي آل إليه أمر الحضارة العربية الإسلامية بأبعاد زمانها وبأهم فنون معرفتها (الكلام والفلسفة نظريا والفقه والتصوف عمليا والتفسير علما للنص وللوجود أصلا لها جميعا): فللماضي الإنساني بعدان هما حدثه الذي مضى وانقضى وحديثه المتواصل الذي يفضل تأثيره تأثير الحدث لأنه شرط بقائه حيا بالوصل بين لحظاته ومنطلق كل تأويلاته بالموازاة التي يحدثها بين الوجود في الأعيان والوجود في الأذهان: من هنا أهمية درس التاريخ في بناء الهويات وبالمقابل حرب الأعداء عليه لهدمها.

وللمستقل الإنساني بعدان هما حديثة الذي يمضي وينقضي ليتواصل في حدثه الفاضل عليه بالتأثير لأنه شرط انتقاله من الأذهان إلى الأعيان الانتقال المتناسق الخاضع لخطة استراتيجية والمتحرر من التوالي الفوضوي الخاضع للصدفة: ومن هنا أهمية درس الاستراتيجية المستقبلية لفتح الآفاق وسعي الأعداء لسدها.

أما الحاضر فهو مسرح الصراع بين الحدثين اللذين يكون أحدهما بصدد الفساد وثانيها بصدد الكون ومن ثم فالحاضر هو بؤرة حيوية الأمة إذ يكون قيامها الحضاري من جنس التجدد الدائم لخلايا الكائن الحي حتى وإن كان من مستوى وجودي أسمى من العضوي لأنه يضيف إليه المستوى الرمزي. ودور الحديثين من جنس دور الوظيفة المتحكمة في هذا التجدد لأنهما هما عين ما في الحضارات البشرية من حقيقة الفاعلية الفكرية في الأذهان والرمزية في الأعية سواء كانت واعية أو غير واعية والتي يمكن أن نفهم بها علل الترقي وعلل الانحطاط الثقافيين والطبيعيين على حد سواء.

الإشـــــارة الثالثـــــــة

وذلك هو موضوع بحثنا هنا لفهم مجريات الثورة في مستوى أرقى من متابعة الأحداث والتعليق عليها بهذين المعنيين لتخلينا فيه عن الكثير من التبسيط الذي غلب على ما نشرناه يوميا تقريبا بخصوصها هادفين إلى الوصول إلى الشباب فيتيات وفتية وهم في معترك النزال محرومين من الوقت الكافي للتدبر والتفكر العميقين مع عدم التخلي عن تدريبهم عليهما حتى وهم في هذا المعترك لأن الشعوب التي تبقى على الغفلة لا يمكن أن تؤسس للمنازل المعقدة من البناء الحضاري: والقياس هنا بين فشتان بين معماري الناطحات وناصب الخيام وبين تخطيط الأمصار وفوضويات المعمار.

 

فكيف نفهم هذه العلاقة العجيبة بين أحداث التاريخ وأحاديثه (بعدا كل تاريخ) العلاقة التي تقلب التعليل فتجعل الرمزي (الأحاديث) أكثر تأثيرا من الفعلي (الأحداث) وتعتبر ذلك مميزا للإنسان عن كل ماعداه من الكائنات الحية؟ وإني واثق من أن بعض الشباب فتيات وفتية يمكن أن يتجاوزوا الغرق في الحدث تفاعلا معه إلى الحديث فهما لدوره فيكون الجمع بين الأمرين محددا للتلازم بين سعة الأثر في المكان وعمقه في الزمان ومن ثم يصبح الشباب في سلوكه حائزا في نفس الوقت على معنى القوة المادية في السلطان على المكان مجال الأحداث وعلى القوة الرمزية في السلطان على الزمان مجال الأحاديث.

فهم ليسوا بغافلين عن دور الدعاية ودور الإعلام وشائعات المخابرات والعلم الزائف بوصفها من أهم أدوات الفعل للقوى الاستعمارية في حربها النفسية عليهم من خلال تزييف التاريخ وتشويه الصورة وحط كل القيم إلى حد الكاريكاتور بتوظيف كاريكاتور النخب التي هي من جنس "الكشبور= نبات له سوق خاوية يسيرة الكسر رغم أنها تبدو متينة" أعني خالية من كل مضمون حقيقي لكأنها أجذاع نخل خاوية.

وهم لا يخفى عنهم أنه ما من ثورة بقادرة على النجاح إذا غرق جميع أبطالها في مجرياتها الحدثية وغابت عنهم دلالات الأحاديث التي أبقت عليها مؤثرة أو الأحاديث التي تريد محو أثرها إذ حينها تتحول أحداثها إلى فوضى التعفن الجاري بمقتضى الصدف فلا تكون ثمرات استراتيجية أصحابها دارين بغاياتها وأدواتها وساعين إلى تحقيق استرتيجية مرتبة للغايات ومعدة للأدوات.

الإشـــارة الرابعـــــــة

لن يفهم أحد عمق النظرية الخلدونية التي يظن الكثير أن الزمن تجاوزها ما لم يلج إلى ما تضمنته من جمع بين مستويين لتحليل قوانين التاريخ الإنساني من منطلق هذه العلاقة بين الحدث والحديث عند الالتفات إلى المادي ثم بين الحديث والحدث عند الالتفات إلى المستقبل من منطلق البؤرة الحاضرة الجامعة بين هذه الأبعاد الأربعة في أصلها الموحد لتلاقيها أعني حيوية الحصانة الروحية التي تبحث عن شروط التكيف الدائم شرطا للبقاء المستقل وغير التابع:

المستوى العمراني والمستوى الاجتماعي

اللذين سمى بهما علمه (علم العمران البشري والاجتماع الإنساني) إلا بعد ربطها بما يسميه "معاني الإنسانية" في كلامه على علل العبودية في ا لتربية والسياسة ومن ثم على شروط التحرر منها بهما عند تصورهما بمقتضى ما توصل إليه من فهم لطبيعة الإنسان من منطلق نظره العقلي ولفطرته من منطلق عقده النقلي. عندئذ اكتشفت سر فلسفته التاريخية وتأسيسها على الوصل بين هذين المستويين فتساءلت عن علاقة ما سماه بصورة العمران بما سماه بمادة العمران وصلة الصورة ببعديها (الحكم والتربية) والمادة ببعديها (الاقتصاد والثقافة) بأصله جميعا أصلها الذي هو نظرية الإنسان الرئيس بالطبع (صوغ فلسفي) والخليفة بالتكليف (صوغ ديني) وهو ما يمكن أن نعتبر أصل الحصانة الروحية للفرد والجماعة.

فسر تفرع الصورة والمادة كليتهما إلى بعدين وربطهما بأساس المناعة الروحية العضوي (الفطرة الموروثة أو الرئاسة بالطبع) التابع لأساسها غير العضوي (التربية والسياسية المحافظة عليها بالحرية التي تحول دون تدجين الإنسان فتحافظ على معاني الإنسانية لديه أو القاتلة لها بالتدجين الذي يفقده معاني الإنسانية) في الجماعات البشرية. فلو كانت فطرة الإنسان وغريزته تتضمن انتقال الخبرة المكتسبة عن طريق الوارثة كالحال في انتقال الصفات العضوية عن طريقها لكان الإنسان غنيا عما ليس بعضوي فيه ولما كان له دور في هذه الوظائف التي سماها ابن خلدون صورة العمران ومادته: ومعنى ذلك أن هذه الوظائف الخمس التي ذكرها ابن خلدون أعني الحكم والتربية والاقتصاد والثقافة والحصانة الروحية أو المحافظة على روح الجماعة (أو ما يسميه بالعصبية بمعناها غير العضوي أو القوة الشرعية التي تجعل الجماعة تحمي ذاتها وترعاها) كلها توريث صناعي وليس عضويا ومن ثم فهي نابعة من الحديث عن الحدث تأويلا للحادث وإحداثا للتأويل وتلك هي وظيفة التاريخ ودوره في بقاء الأمم.

ولعل بقاء فلسفة ابن خلدون العمرانية حبرا على ورق لم تفهم ولم تستعمل ليس بسبب عدم القدرة على القراءة أو بسبب عسر فكره بل لأن الفروق التي عرف بها ابن خلدون خصائص الإنسان بالقياس إلى الحيوان فاضلها وناقصها هو الذي أهمل التفطن إلى أنه أساس كل إبداعه الذي مكن من بناء نظرية الإنسان عنده على مدلولين للفطرة بالمعنى النقلي وللطبيعة بالمعنى العقلي المعنيين المتلازمين في المقدمة كما بين ذلك تلميذه غير المباشر صاحب بدائع السلك في طبائع الملك:


أحدهما يؤسس للعمران
والثاني يؤسس للاجتماع

أعني لمستويي موضوع علمه الجديد كما هو بين من عنوان المقدمة: علم العمران البشري (المستوى الأول) والاجتماع الإنساني (المستوى الثاني). والثاني مقدم على الأول لأنه هو الذي يوفر شروط الأول أعني أنه يتلكم على الفضل (الناطقية) الذي يسد النقص (الحيوانية). فالفضل من وجه والنقص من وجه ثان هما علتا المقوم الثقافي علتاه الموجبة والسالبة لسد نقص المقوم الطبيعي بالقياس إلى الحيوان بفضله بنفس المقياس. فحياة الإنسان فردا وجماعة إذا قيست بحياة الحيوان عضويا نجدها ناقصة حماية للذات ورعاية لها وإذا قيست نفسيا نجدها فاضلة وقادرة على تحقيق الحماية والرعاية بتنظيم الجماعة للتعاون الساد للحاجات والحامي للأفراد والجماعات. والفضل هو الذي يسد النقص فيضيف إلى أبعاد الإنسان الطبيعية وتاريخه الطبيعي أبعاده الثقافية والتاريخ الحضاري. وذلك ما علينا تحليله لبيان دوره في تقدم الأفراد والجماعات وفي تأخرهما:

فالنقص العضوي وهو مجال مادة العمران التي هي ثمرة عمل الإنسان لسد هذا النقص العضوي: فهو بالنقص يفسر الحاجة إلى العمران لحل مشكل مادته بحيث إن العمران هو ثمرة الفعل الإنساني للتعويض عن هذا النقص: عجز الفرد عن إعالة نفسه وحمايتها من هنا الحاجة إلى الجماعة. لكن الوجود في الجماعة يولد بين أفرادها العدوان المتبادل والتظالم في التعاون وفي التعاوض.

والفضل النفسي وهو مجال صورة العمران التي هي ثمرة نظر الإنسان لعلاج ما يترتب على النقص من إشكالات: فضل خلقي(الرئاسة بالطبع والعلاقة العدلية) وفضل عقلي (القدرة على تأليف المدارك الحسية والعلاقة العلية). وهو يفسر إمكانية تنظيم الاجتماع (لاالاجتماع الذي هو خاصية عضوية لكل الكائنات الحية) بهذا الفضل الخلقي والعقلي لحل مشكل صورته.

الإشــــارة الأخيـــــــرة

وأهم أدوات العلاج التي تمكن الجماعة من التنظيم العقلي الممكن من علاج هذين العجزين هما أهم اختراع للعقل الإنساني: اللغة حملا للمعاني الفكرية والعملة حملا للقيم المادية. إنهما الأداتان الرمزيتان المعبرتان عن النظر وعن العمل الضروريين في المستوى العمراني وفي المستوى الاجتماعي شرطي قيام الإنسان التاريخي لأنهما شرطا التبادل (الرمزي والمادي) والتعاوض(المعنوي والقيمي) أعني الأداة التي تمكن من التواصل المتساوق (بين المتعاصرين) والمتوالي (بين الأجيال المتوالية) وأداة التعاوض المتساوق (بين المتبادلين حضوريا) والمتوالي (بين المتبادلين غيابيا). والمعلوم أن الأداة الأولى (أداة التواصل: اللغة) شارطة للأداة الثانية (أداة التبادل: العملة) لأنها شارطة للقياس العقلي الذي يجعل العملة بالنسبة إلى المضمون المتبادل اقتصاديا من جنس الكلمة وظيفيا بالنسبة إلى المضمون المتبادل معرفيا.

أداة للتواصل: اللغة وبأهم أبعادها ميز القرآن الإنسان على الملائكة (التسمية والقرآن).

أداة للتبادل: العملة وبأهم ابعادها ميز القرآن الإنسان على الملائكة (التقويم والميزان).

ولما كان حل النقص بالتعاون بين أفراد الجماعة للحماية والرعاية لا يحل مشكل الأمن الداخلي بين الأفراد في خلال تبادلهم وتعاوضهم ولا يحقق بصورة تامة أدوات الأمن الخارجي بين الجماعات المتجاورة في تبادلها وتعاوضها جاءت الحاجة إلى صورة العمران بفرعيها أعني بعدي الدولة حكما (التأثير بالفعل) وتربية (التأثير بالرمز) لتحقق افضل الشروط التي تمكن الجماعة من الحماية والرعاية: فتكون الدولة جملة المؤسسات التي تحقق وظائف الحماية أولا والرعاية ثانيا ماديا ورمزيا بالمقابل مع العدوان في ا لتبادل والتعاوض بين الأفراد في نفس المجموعة وبين المجموعات المتجاورة والمتنافسة على شروط البقاء. ومن ثم فالتاريخ الإنساني عالمي بالجوهر. وهو بحاجة إلى الترجمة اللغوية (بين الثقافات) وإلى الترجمة العملوية (بين الاقتصادات) خلال التبادل والتعاوض سلما خلال الافتكاك والاسترداد حربا: ومعنى ذلك أن نسب القوة بين الأمم والشعبو يمكن أن يقاس بالتناسب بين لغتها وعملتها أي بين أداتيها الرمزيتين الحاملتين:

1- لمعاني التواصل العقلية وأساسها وحدة اللغة والثقافة. 

2- ولقيم التبادل المادية وأساسها وحدة العملة والاقتصاد.
3- ولعلاقة الأولى بالثانية أو لدور المعرفة في سلطة الحماية والرعاية أو دور البحث العلمي في الدفاع والاقتصاد.
4- ولعلاقة الثانية بالأولى أو لدور سلطة الحماية والرعاية في المعرفة أو دور الدفاع والاقتصاد في البحث العلمي.
5- ولأساس ذلك كله أعني علاقة الفضل الفكري بالنقص العضوي الذي يعلل به ابن خلدون خصائص موضوع علمه الجديد: ورمزه سفينة نوح أو الشريعة التي تعوض استمداد الإنسان قيامه المادي والروحي من هبات الطبيعة باستمدادهما من النشأة الثانية التي بمقتضاها يصبح ما يحتاجه الإنسان من الطبيعة من ثمرات عمله خاصة بما في ذلك إعادة تكوين كل ما فيها كما يرمز إلى ذلك أخذ نوح من كل زوجين إثنين: وذلك هو معنى استعمار الإنسان في الأرض واستخلافه فيها.

ثمرة الإشارات الخمس

كل الأمراض البشرية التي ليست من طبيعة عضوية ترد إلى ما شاب هذين المبدأين من فساد: أي إن أمراض مادة العمران علتها أمراض صورته:

فأغلب الأمراض العضوية سببها مادة العمران: أي الاقتصاد الذي يسد الحاجات والثقافة التي تحدد أخلاق التبادل والتعاوض.

وكل الأمراض الروحية سببها صورة العمران: أي الحكم الذي يحمي الأفراد داخليا والجماعة خارجيا والتربية التي ترعى معاني الإنسانية فتكون الفرد الحر والكريم القادر على الإبداع شرطا لاختراع أدوات الرعاية والحماية.

ومن ثم فإنه يمكن أن تكون الأمراض العضوية صادرة في الغاية عن الأمراض الروحية: وأخطر هذه الأمراض هو المرض الذي يصيب المستوى الخامس أعني سفينة نوح أو الشريعة أو ما يعتبره ابن خلدون مفقدا للإنسان معاني الإنسانية وعلة فساد كل عمران أي فساد العدل شرط الرعاية بتوسط التعاوض الشارط للتبادل والحماية بتسوط التآخي الشارط للتواصل وهذه هي مقومات لحمة العصبية الشرعية التي هي بالأساس حصانة روحية وليست قرابة عضوية.



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية