مسلمو أوروبا.. كبش فداء أم أصحاب خطايا؟!

تشير عدة إحصائيات إلى أن ظاهرة تنامي الكراهية في أوروبا في تزايد مستمر؛ خاصة في بريطانيا وفرنسا. وذكرت جريدة "إندبندنت" أن العاصمة البريطانية لندن شهدت ارتفاعًا كبيرًا لجرائم الكراهية في 2016 إلى نحو 800 جريمة بعدما كانت في 2015 نحو 250.

أما في فرنسا، تضاعفت جرائم الكراهية ثلاث مرات من 153 عام 2014 إلى 460 عام 2015. ورصدت إحصاءات ارتفاع منسوب العنف والعنصرية من الشرطة؛ الأمر الذي أعربت لجنة الأمم المتحدة ضد التعذيب مؤخرًا عن قلقها بشأنه.

ويواجه ما يقرب من 60 مليون مسلم يعيشون في أوروبا وروسيا تحديات كثيرة في ظل تنامي العنصرية والتطرف والتخويف منهم ومن الإسلام من قبل اليمين المتطرف.

ورغم أن أعدادهم في بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا تبلغ ما نسبته 10% من عدد السكان، فإن تأثير المسلمين في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في أوروبا يبقى هامشيًا مقارنة بأعدادهم.

إضافة إلى ذلك، فإن أغلب المسلمين في معظم الدول الأوروبية لا يسكنون إلا في الضواحي والأماكن المهمشة والفقيرة، إضافة إلى أن نسبة كبيرة من الذين يقضون أحكامًا في السجون الأوروبية هم من المسلمين.

ردع قانوني

ويوضح الإعلامي نور الدين بوزيان، متحدثًا من باريس، أن نسبة الاعتداءات زادت في فرنسا عقب الهجمات الإرهابية؛ لكن الشهور الأولى من 2017 شهدت احتواءً نسبيًا للعنصرية بسبب الردع القانوني الذي يجعل أي شخص يفكر مرتين قبل الإتيان بموقف عنصري.

ومع ذلك، يضيف بوزيان، اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان يشرعن للكراهية، وبات خطاب العنصرية حرًا؛ بعدما كان في السابق من يقل "عربيًا قذرًا" أو "أسود قذرًا" لا يواجه فقط قانونيًا، بل مجتمعيًا.

ويمضي قائلًا إن "الصورة الراهنة تعتبر الآخر المختلف في الدين واللون مشوهًا للهوية الفرنسية، ومع الأزمة الاقتصادية أصبح الآخر متهمًا بأنه يستولي على خبز الفرنسيين ورزقهم".

إثبات الذات

وتطرق بوزيان إلى نضال الجاليات الأجنبية من المسلمين في فرنسا لإثبات ذاتهم وأنهم مواطنون فرنسيون وأن قلة من الإرهابيين أو اللصوص لا يعبّرون عن سبعة ملايين مسلم.

ومع هذا النضال يذكّر بوزيان بضغط الصورة النمطية عن الآخر حتى لو كان مواطنًا؛ فهو يشعر بأنه درجة ثانية لا لشيء إلا لأن اسمه عربي مثلًا أو لونه أسود.

حصة بريطانيا الكبرى

ومن لندن، أشارت الإعلامية مينا حربلو في تصريحات تلفزيونية إلى مزيدًا من الأرقام في بريطانيا؛ إذ أثبت تقرير أوروبي أن 6800 جريمة كراهية في أوروبا في 2015، وكانت حصة بريطانيا وحدها 2580 جريمة شملت الاعتداء على المحجبات والمساجد.

ووفقًا لمينا حربلو، فإن جرائم الكراهية لم تعد مقتصرة على المسلمين، خصوصًا بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ بل أصبحت تطال البولنديين (وهم أكبر جالية أوروبية في بريطانيا) والأيرلنديين.

وأشارت إلى دور وسائل الإعلام في التحريض على الآخر في بريطانيا، لكن مقابل ذلك لفتت إلى وجود تيار يرى أن كراهية اليمين المتطرف بلغت حد قتل النائبة العمالية جو كوكس المدافعة عن بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.

نصف الكأس

أما رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، عبدالله بن منصور، فيعتبر أن وضع المسلمين في أوروبا يشبه "مستشفى"؛ ففي باب الدخول لا يرى الواقف إلا المريض والجريح والمحتضر، أما في باب الخروج فيرى من شُفي وجُبر كسره، وهكذا هي الصورة، بحسب وصفه.

وقال في تصريحات لتلفزيون الجزيرة: "لو نزعنا أخبار المسلمين من نشرات الأخبار الهامة في أهم القنوات التلفزيونية الأوروبية فلن يبقى فيها سوى النشرة الجوية، وكذلك الأمر في الصحف الهامة في الدول الأوروبية".

ردة الفعل

وقال إن أهم الحسنات التي تسفر عنها الحملات التي تهاجم الإسلام والمسلمين وتشوه صورتهم هي اهتمام الناس بالإسلام ورجوع عدد كبير من المسلمين إلى دينهم، مؤكدًا أن هذا الخوف من الإسلام لم يكن ليوجد لولا دور الإسلام في الحضارة الإنسانية.

وأوضح في هذا الإطار أن نحو 320 أوروبيًا يدخلون الإسلام يوميًا عبر المراكز الإسلامية التي يشرف عليها الاتحاد، وفي فرنسا وحدها يدخل الإسلام 80 شخصًا يوميًا؛ وهو ما يؤكد أن العدد يتضاعف عندما تكون هناك حملات ضد الإسلام إعلاميًا أو أمنيًا أو ثقافيًا.

ودلل على ذلك بأنه بعد إقرار قانون منع الحجاب في فرنسا، قال تقرير للمخابرات العامة الفرنسية إن عدد المحجبات زاد بنسبة أكبر من 30% غداة إصدار القانون.

هواجس مرضية!

من زاويته، يرى مدير مرصد الأديان في فرنسا، رافاييل ليوجيه، أن صعود اليمين المتطرف في أوروبا ضد المسلمين يعود إلى هواجس مرضية تؤدي غالبًا إلى العمى والذهاب إلى المسلم بوصفه كبش فداء.

وأضاف: الأوروبيون منذ عام 2003 يشعرون بأزمة نرجسية، أو ما يسميها "أزمة الإيغو الجماعية"؛ ففي هذا العام انفردت أميركا بالحرب على العراق وتعمق شعور أوروبا بأنها هامشية.

ويؤكد أن الأوروبيين منذ الحرب العالمية الأولى وهم يخسرون لصالح الولايات المتحدة، ومنذ الحرب العالمية الثانية أصبح الدولار العملة العالمية، وأخيرًا في احتلال العراق لم يؤخذ حتى رأيهم، وتبدو في المقابل دول مثل الهند والبرازيل أكثر قيمة من أوروبا.

العمى بعينه

ويربط "ليوجيه" بين هذا الواقع وموقف اليمين المتطرف من المسلمين فيقول إن اليمين يبني خطابه على محاربة العولمة والرأسمالية ويدافع عن الهوية الوطنية، لكن الأسهل أمامه أن يذهب إلى المواطن المسلم؛ لأنه قريب ومتوافر كل يوم بلحية وبحجاب، وهذا هو العمى بعينه، على حد تعبيره.

ويضيف أن الأحزاب المتطرفة ترتكز على اللعب بالعواطف ودغدغة قيم أوروبية عزيزة، داعيًا إلى تأمل أسماء هذه الأحزاب؛ ففي النمسا حزب "الحرية" وفي النرويج "التقدم" وفي بريطانيا "استقلال المملكة" وفي فرنسا "الجبهة الوطنية".

لكن الخطر العميق في رأيه هو أن الجمهوريين والاشتراكيين في بلاده فرنسا يشاركون في تغذية الجبهة الوطنية المتطرفة عبر انجرارهم إلى نفس لعبة الهواجس، وبالتالي سيخدم هذا رئيسة الجبهة مارين لوبان وقد تصبح فعلًا رئيسة لفرنسا.

أسلمة أوروبا

وعلى ذلك، أبدى ليوجيه تشاؤمه في بلاده التي تشهد تغييرات قانونية وتشريعية بدأت بمنع الحجاب العادي في المدارس 2004، وصولًا إلى إمكانية نزع الجنسية عن فرنسيين حتى لو ولدوا على التراب الفرنسي، كما جاء على لسان الرئيس فرانسوا هولاند.

وحول ما يثار عن أسلمة أوروبا، قال إن المسلمين في بلاده على سبيل المثال لم يصل منهم إلى النخبة إلا عدد قليل، ذلك أنهم قدموا من مستعمرات فرنسا القديمة وعملوا في مهن يرفضها الآخرون وسكنوا هوامش المدن.

تأصل العنصرية

من جانبه، يرى رئيس مؤتمر فلسطينيي أوروبا، ماجد الزير، أن النزعات العنصرية العدوانية متأصلة في مجتمعات أوروبا الرأسمالية التي غزت العالم، وأن دولة القانون هي التي تضبط هذه النزعات.

ويرى "الزير" أن مشاهد قطع الرؤوس وربطها بالإسلام تحتاج إلى ماكينة إعلامية لتخفيفها، أما إزالتها فتحتاج إلى جهد جبار، وهذه المشاهد تستخدم ورقة في يد اليمين المتطرف.

وأوضح أن الأداء العربي الرسمي والشعبي لا يرقى إلى مستوى التحديات مع وجود أكثر من 50 سفارة عربية تستطيع أن تلعب دورًا بالتعاون مع المراكز الإسلامية.

ودعا "الزير" إلى الاهتمام بالجيل الجديد من شباب العرب في أوروبا الذين يعرفون "لغة القوم" ويمكن أن يشكلوا حجر الزاوية في التعريف برواية الأحداث ومنع تغلغل الصور النمطية التي تختزل العرب والمسلمين وتقولبهم.

الأجيال الجديدة

بدوره، قال مدير المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، أحمد جاب الله، إنه في أوروبا، ورغم ما يطرأ من عنصرية على السطح، فإن اندماج الجاليات أمر لا ترفضه الأجيال الجديدة التي ترى أنها لا يمكن لها العيش خارج نطاق المجتمع.

كما يرى أنه علينا أن نرفض التعميم؛ لأن أوروبا رغم تنامي التيار العنصري تبقى أفضل الأنظمة في العالم للجوء.