شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

هل السلمية حقا من ثوابت الإخوان؟

هل السلمية حقا من ثوابت الإخوان؟
نناقش في هذا المقال تأصيل استخدام القوة عند الإخوان المسلمين، من خلال مناقشة ما جاء في كلام مؤسسها الإمام حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس تحت عنوان: الإخوان والقوة والثورة.

نناقش في هذا المقال تأصيل استخدام القوة عند الإخوان المسلمين، من خلال مناقشة ما جاء في كلام مؤسسها الإمام حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس تحت عنوان: الإخوان والقوة والثورة.

سيبدو جليا من كلام الإمام المؤسس أنه وضع ضوابط لاستخدام القوة ولم ينفها، بل وصف القوة أنها شعار الإسلام، مع تأكيده أنه سيأتي وقت يستخدم فيه الإخوان القوة حيث لا يجدي غيرها.. هكذا بكل وضوح!

المشكلة فقط في قيادات تجاوزت الظرف التاريخي زمنيا أو مكانيا، فصارت تقول كلاما ليس من ثوابت الإخوان في شيء!

بين السياسة و الأيديولوجيا:

تعودت أن أكتب في التحليل السياسي للشأن المحلي والإقليمي، ولعل هذا من المقالات القليلة التي تتحدث في الفكر والأيديولوجيا، لذا فهو موجه بالأساس للإخوان المسلمين وأنصارهم.

فبعد عام من الانقلاب العسكري في مصر؛ ومع تيقن الغالبية العظمى من الثوار على الأرض أن السلمية “البحتة” لا تسقط نظاما، فقد بدأ التنظير لاستخدام القوة – ولو في حالات معينة – لإسقاط الانقلاب العسكري أو كف أذاه عن المواطنين الأبرياء.

ومع تعيين متحدث رسمي جديد للجماعة من جيل الشباب “محمد منتصر “، ومع تغير لهجة الخطاب من “سلميتنا أقوى من الرصاص” إلى “ثورة تجتذ الرؤوس” و “أخذ كل أسباب القوة لإسقاط الانقلاب العسكري” ، بدأت حركات كالعقاب الثوري تلجأ للقوة لكسر الانقلاب العسكري.

وكان لزاما هنا البحث في منهج الإخوان المسلمين الذي وضعه مؤسسه الإمام حسن البنا وفق القرآن والسنة (114 سورة من القرآن، وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث) والموجود في كتاب “الرسائل” عن إجابة لهذا السؤال المحوري: هل السلمية من ثوابت الجماعة؟؟

أنقل هنا كلام الإمام المؤسس حسن البنا رحمه الله، مع بعض التعليقات على جاء في كلامه لاحقا.
ولا أريد أن أدع هؤلاء المتسائلين في حيرة ، بل إني أنتهز هذه الفرصة فأكشف اللثام عن الجواب السافر لهذا في وضوح وفي جلاء ، فليسمع من يشاء .

أما القوة فشعار الإسلام في كل نظمه و تشريعاته , فالقرآن الكريم ينادي في وضوح و جلاء: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال:60).

والنبي يقول (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف) , بل إن القوة شعار الإسلام حتى في الدعاء و هو مظهر الخشوع و المسكنة واسمع ما كان يدعو به النبي في خاصة نفسه و يعلمه أصحابه و يناجي به ربه : (اللّهُمّ إِنّي أَعوذُ بِكَ مِنَ الْهَمّ وَالْحَزَنِ، وَأَعوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأعوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ والْبُخْلِ وَأعوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدّيْنِ وَقَهْرِ الرّجَال).

ألا ترى في هذه الأدعية أنه قد استعاذ بالله من كل مظهر من مظاهر الضعف : ضعف الإرادة بالهم و الحزن , و ضعف الإنتاج بالعجز و الكسل , و ضعف الجيب و المال بالجبن و البخل , و ضعف العزة و الكرامة بالدين و القهر ؟ .. فماذا تريد من إنسان يتبع هذا الدين إلا أن يكون قويا في كل شيء , شعاره القوة في كل شيء ؟.. فالإخوان المسلمون لابد أن يكونوا أقوياء , و لابد أن يعملوا في قوة .

ولكن الإخوان المسلمين أعمق فكرا و أبعد نظرا من أن تستهويهم سطحية الأعمال و الفكر , فلا يغوصوا في أعماقها و لا يزنوا نتائجها و ما يقصد منها و ما يراد بها , فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة و الإيمان , ثم يلي ذلك قوة الوحدة و الارتباط , ثم بعدهما قوة الساعد و السلاح , و لا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعا , و أنها إذا استخدمت قوة الساعد و السلاح و هي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان فسيكون مصيرها الفناء و الهلاك .

هذه نظرة , و نظرة أخرى : هل أوصى الإسلام ـ و القوة شعاره ـ باستخدام القوة في كل الظروف و الأحوال ؟ أم حدد لذلك حدودا و اشترط شروطا و وجه القوة توجيها محدودا ؟

و نظرة ثالثة : هل تكون القوة أول علاج أم أن آخر الدواء الكي ؟ و هل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة و نتائجها الضارة و ما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف ؟ أم من واجبه أن يستخدم القوة و ليكن بعد ذلك ما يكون ؟
هذه نظرات يلقيها الإخوان المسلمون على أسلوب استخدام القوة قبل أن يقدموا عليه , و الثورة أعنف مظاهر القوة , فنظر الإخوان المسلمون إليها أدق و أعمق , و بخاصة في وطن كمصر جرب حظه من الثورات فلم يجن من ورائها إلا ما تعلمون .

و بعد كل هذه النظرات و التقديرات أقول لهؤلاء المتسائلين : إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها ، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة ، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولاً، وينتظرون بعد ذلك ثم يقدمون في كرامة وعزة ، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح.

وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها , ولا يعتمدون عليها ، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها ، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت علي هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذا المشاكل ، فسيؤدي ذلك حتما إلي ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم ، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال ، وإهمال مرافق الإصلاح , وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن و يستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيراً من هذه النذر ، فليسرع المنقذون بالأعمال .

رسالة المؤتمر الخامس
الإخوان والقوة والثورة

تعليقا على كلام الإمام:
وفي هذا المقطع الذي نقلناه كاملا دون تصرف أو اختزال؛ لنا عدة تعليقات توضح منهاج الإخوان المسلمين كما وضعه الإمام المؤسس، نوجزها فيما يلي:

1- الإمام حسن البنا أقر من حيث المبدأ أن القوة من أدوات الإسلام، بل وشعاره في كل نظمه و تشريعاته.

2- الإمام حسن البنا وضع ضوابط فقط لاستخدام القوة، ولم يمنعها أو يقل أن السلمية من ثوابت الجماعة، وهذه الضوابط تتلخص في قوله:

“فهم – أي الإخوان – يعلمون أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة و الإيمان , ثم يلي ذلك قوة الوحدة و الارتباط , ثم بعدهما قوة الساعد و السلاح , و لا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعا.”

3- يعود الإمام البنا ليؤكد أن استخدام قوة الساعد والسلاح يكون خطأ فقط إذا استخدم قبل غيرها من أنواع القوة، ويبدو هذا جليا في قوله: “وأنها – أي جماعة الإخوان – إذا استخدمت قوة الساعد و السلاح و هي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان فسيكون مصيرها الفناء و الهلاك.”

مما يعني لكل عاقل أن استخدامها بعد ذلك مقبول بل ويحقق النتائج المرجوة.

4- يؤكد الإمام البنا مجددا على فكرة “الترتيب والتدريج” في استخدام القوة، وليس المنع والإلغاء بدعوى أن السلمية من ثوابت الإخوان. لهؤلاء يقول الإمام البنا:

“هل أوصى الإسلام ـ و القوة شعاره ـ باستخدام القوة في كل الظروف و الأحوال ؟ أم حدد لذلك حدودا و اشترط شروطا و وجه القوة توجيها محدودا ؟
و نظرة ثالثة : هل تكون القوة أول علاج أم أن آخر الدواء الكي ؟ و هل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة و نتائجها الضارة و ما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف ؟ أم من واجبه أن يستخدم القوة و ليكن بعد ذلك ما يكون ؟”

فالقوة عند البنا لا تكون أو الخيارات، وهذا صحيح ومنطقي، ولم ينادي أحد أن تكون القوة أول الخيارات، وإلا فماذا كان يفعل الإخوان في البرلمان، ثم في الفترة الانتقالية عقب تنحي مبارك، ثم في فترة تولي الرئيس مرسي ، وحتى العام الأول للانقلاب!

الإمام البنا يعترض فقط على أن تكون القوة أول الحلول، ولا يقدح فيها إذ يؤكد أنها شعار الإسلام.

5- حديث الإمام البنا عن الثورة يختلف عن حديثه عن القوة، فحديثه عن القوة حديث عام لكل الإخوان في كل مصر وعصر، أما حديثه عن الثورة فيبدو من كلامه واضحا أنه كان رحمة الله عليه متأثرا بالتجربة المصرية ويحصر كلامه فيها، إذ مال بعض الشباب المتحمسين لتغيير أوضاع مصر بالثورة “ثورة عرابي” فكان نتيجة ذلك احتلال الإنجليز لمصر، مما ترك مشاعر سيئة تجاه الحلول الثورية في ذلك الوقت.

هذا واضح للغاية في قوله: “و الثورة أعنف مظاهر القوة , فنظر الإخوان المسلمون إليها أدق و أعمق , و بخاصة في وطن كمصر جرب حظه من الثورات فلم يجن من ورائها إلا ما تعلمون.”

وإذا كان الإخوان اشتركوا في “أعنف مظاهر القوة” حين شاركوا في الثورة المصرية 20111، فهل من المعقول أن يتبرؤوا مما هو دونها؟؟

6- يعود الإمام البنا ليؤكد للمرة الخامسة في هذا المقطع، بكل صراحة هذه المرة، أن الإخوان سيستخدمون القوة، ليكسر بذلك صنم السلمية البحتة لكل من لم يفهم بعد، إذ يقول:

“و بعد كل هذه النظرات و التقديرات أقول لهؤلاء المتسائلين : إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها ، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة ، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولاً، وينتظرون بعد ذلك ثم يقدمون في كرامة وعزة ، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح.”

فإذا كان هناك بعض الإخوان – وبعض القيادات للأسف- ترى عكس ما يرى الإمام المؤسس فعليهم أن يلتزموا بالمنهج الذي اتبعوه، وإن كانوا يؤمنون بذلك وينكرون خوفا من النقد، فعليهم أيضا باتباع كلام الإمام المؤسس بأن يكونوا شرفاء صرحاء وأن يتحملوا نتائج هذا الموقف برضا وارتياح.

المشكلة تتجلى إذن ليس في منهج الإخوان الذي يتمسح ببه القاصي والداني، وإنما في بعض القيادات التي تجاوزت المرحلة والظرف التاريخي مكانيا بوجودها خارج البلاد وليست على اطلاع كاف بمجريات وتطورات الأوضاع، أو تجاوزته زمنيا بأن صارت طاعنة في السن، تجاوزوا المرحلة وتجاوزتهم المرحلة، وعليهم أن يقتدوا بسنة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بأن يعطوا الراية للشباب.

الوسطية في استخدام القوة:
نعم هناك وسطية حتى في استخدام القوة؛ فشعار “سلميتنا أقوى من الرصاص” حمى مصر والمصريين من فوضى السلاح، وليس أسوأ من السلمية البحتة إلا فوضى السلاح!

المراقب لحال الثوار في مصر الآن يجدهم قد طوروا تكتيكا جديدا، يمزج بين السلمية والقوة، فيختار عملياته بعناية، لتحقيق أهداف معينة، بهدف ردع كلاب الانقلاب عن سفك دماء الأبرياء، أو القصاص من سافكي الدماء هاتكي الأعراض. وهل ينكر ذلك أحد من أهل الإسلام؟؟

علينا أن نعترف أننا في مرحلة جديدة، ولكل مرحلة رجالها!



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020