شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

هيرست في حوار لـ”رصد”: السيسي يفقد احترامه داخل مصر وداعميه في الخارج

هيرست في حوار لـ”رصد”: السيسي يفقد احترامه داخل مصر وداعميه في الخارج
يعد ديفيد هيرست أحد أكبر الكتاب الصحفيين المختصين بالشرق الأوسط، امتدت مسيرته الصحفية على مدار 29 عامًا، ترك صحيفة الجارديان البريطانية ككبير الكتاب الدوليين في الصحيفة

– خريطة العالم العربي تتغير بشكل جذري، وتخضع لأكبر تغير على مدار المئة العام الأخيرة

– تتصارع القوى الإقليمية على النفوذ في العالم السني الذي فقد زعامته

-الحرب ضد “تنظيم الدولة” أصبحت ثانوية مقارنة بالصراع على النفوذ بين القوى الإقليمية

– برّر ديكتاتوريو المنطقة قمعهم عن طريق تصنيف معارضيهم كإرهابيين منتمين لـ”تنظيم الدولة”

– التدخل الروسي في سوريا  أدى إلى تغير مجريات الأمور وأعطى الأسد دفعة قوية

– سيفعل “الناتو” كل شيء لتجنب التدخل في النزاع بين تركيا وروسيا

– في حال البدء في تدخل عسكري واسع النطاق في ليبيا سيكون بمثابة كارثة محقة

يعد ديفيد هيرست أحد أكبر الكتاب الصحفيين المختصين بالشرق الأوسط، امتدت مسيرته الصحفية على مدار 29 عامًا، ترك صحيفة الجارديان البريطانية ككبير الكتاب الدوليين في الصحيفة، وتولى رئاسة مكتب الصحيفة في موسكو عام 1994 ثم رئيس القسم الأوربي عام 1997 ثم رئيس الكتاب الدوليين بالصحيفة، ويشغل حاليًا رئيس تحرير موقع “ميدل إيست آي” البريطاني.

شبكة “رصد” أجرت حوارًا مع هيرست تناول خلاله الأوضاع في مصر والشرق الأوسط، وأسباب صعود “تنظيم الدولة”، فإلى نص الحوار:

** هل ما زلتم تعتقدون أن استبدال السيسي برجل عسكري آخر مثل “سامي عنان” ما زال يمثل أولوية في الاستراتيجية والسياسة السعودية؟ ولماذا؟

– منذ وصول الملك سلمان إلى الحكم تغيرت العلاقة بين السعودية والسيسي على المستويين الشخصي والاستراتيجي، لقد قام الملك عبدالله بتمويل انقلاب يوليو 2013، وطلب السيسي منه دفعة أولى تقدر بـ12 مليار دولار قبل القيام بانقلابه، مثل سقوط مبارك في 2011 حدث رئيسي لعبدالله الذي رأى ضرورة الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين القائم آنذاك إذ يمثل الربيع العربي، والانتخابات الحرة، ووصول الإسلاميين للحكم خطر وجودي على المملكة، ونصب “عبدالله” السيسي كقائد للثورة المضادة.

أما بالنسبة لسلمان فتمثل إيران التهديد الاستراتيجي، وفي اليمن حيث يشكل الحوثيون المدعومون من إيران العدو الأول عادت علاقة حزب الإصلاح الممثل عن الإخوان المسلمين باليمن إلى ما كانت عليه قبل سقوط مبارك، وتحت حكم سلمان تعد تركيا الحليف الأقرب للسعودية التي تعارض بشدة النظام العسكري في مصر.

على المستوى الاستراتيجي، السعودية ومصر على طرفي النقيض في أكثر من صراع، فقد أثار رفض مصر إرسال قوات ضمن حملتها في اليمن غضب السعودية، ويؤيد السيسي جنبًا إلى جنب مع إيران والأردن الحملة الروسية في سوريا، ودعم مصر لحكومة طبرق في ليبيا واللواء حفتر يتعارض مع دعم السعودية وتركيا للفصائل المنافسة في طرابس ومصراته، ربما يفضل سلمان استبدال السيسي بلواء جيش آخر، فليس هناك حب مفقود بين سلمان والسيسي، وظهر ذلك بالأخص في الحملة التي قامت بها وسائل الإعلام المصرية -التي تعد أداة حكومية- ضد سلمان مروجة لإمكانية الطعن على بيعته أمام هيئة البيعة، فهل يدفع سالمان بجد في اتجاه استبدال السيسي؟ في حال موافقة المجموعات المنافسة في المجلس الأعلى للقوات المسلحة فسيكون من المحتمل نعم.

على المدى القصير هناك مشاكل أكثر إلحاحًا على الطاولة السعودية، فاستبدال السيسي ليس الأولوية القصوى، ومع ذلك فإنه على المدى البعيد فإن السيسي يفقد النفوذ والاحترام في الداخل، وهو أمر خطير بالنسبة لحاكم عسكري، ويفقد أيضًا داعميه الأقوياء في الخارج.

** هل لك أن تعطينا لمحة عن الصراعات الأساسية الدائرة حاليًا في الشرق الأوسط؟

– لا بد لنا أن نفرق بين الأنواع المختلفة بين الصراعات، فعلى المستوى الكلي تتغير خريطة العالم العربي بشكل جذري، فهي تخضع لأكبر تغير على مدار المائة العام الأخيرة، فالقوى الاستعمارية السابقة كبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة التي عملت كضامن للنظام الإقليمي يتم استبدالها بالقوى الإقليمية الممثلة في تركيا والسعودية وإيران، وقطر، والإمارات، والآن تناور روسيا لحجز مكان لها.

فكون الدول حليف عسكري للولايات المتحدة “مثل الولايات المتحدة والإمارات وقطر ومصر” أو كونها حليفا للناتو “مثل تركيا” ليس مانعًا اندلاع حروب الوكالة بين بعضهم البعض مثلما حدث العام الماضي عندما هددت السعودية بفرض حصار على قطر وهما الحليفان العسكريان للولايات المتحدة، في سوريا، ومصر والإمارات والأردن وهم حلفاء لروسيا التي تدعم الأسد، بينما تدعم تركيا والسعودية وقطر المتمردين، وتعتبر تركيا حزب الاتحاد الديمقراطي السوري “منظمة إرهابية”، وتدعم الولايات المتحدة الحزب في مواجهة “تنظيم الدولة” في حين تقوم تركيا بقصفه.

وتتصارع القوى الإقليمية على النفوذ في العالم السني الذي فقد زعامته، الصراع الثاني يتمثل في أزمة القيادة السنية التي اشتعلت عن طريق الربيع العربي في 2011 وتضخمت بفعل الثورات المضادة، فاكتسب “تنظيم الدولة” زخمه في مصر بفعل العنف وقمع المعارضة السياسية في مصر وسوريا، واليمن، وليبيا، والاستثناء من هذه القاعدة هي تونس التي اضطر حزب الإسلاميين فيها إلى ترك السلطة تجنبًا لانقلاب ناعم، والآن تسود الانشقاقات حزب نداء تونس، ويسيطر نواب النهضة على أغلبية مقاعد البرلمان، ويعد زعماء “نداء تونس” وحركة “النهضة” حلفاء مقربين، وهي عملية لم نسمع بها قبل ذلك في العالم العربي.

** هل لعب صعود “تنظيم الدولة” في سيناء وليبيا لصالح السيسي؟ وكيف؟

– على العكس تماما، فالتمرد في سيناء كان محليًا في الأساس، ومكون من خمس مجموعات مختلفة التي أعلنت ولاءها لـ”تنظيم الدولة” نتيجة للقمع العسكري الوحشي الذي يشمل التعذيب، والإخفاء القسري، وهدم المنازل، والتهجير على نطاق واسع للمدنيين.

وعندما كان السيسي نفسه وزيرًا للدفاع تحت حكم محمد مرسي حذر من خطر تحويل سيناء إلى جنوب سودان، وهو العمل الذي قام به حين أصبح رئيسًا، وبشكل مشابه كان أحد أول الأعمال التي قام بها السيسي كرئيس كان التحضير لحرب في شرق ليبيا، وفي ذلك الوقت كان عدد “السلفيين الجهاديين” في ليبيا محدود، ومتمركزين فقط في درنة، وكنتيجة للحرب الأهلية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار التي حاولت مصر والإمارات إشعالها بشكل متكرر للإطاحة ببرلمان طرابلس وميليشيات مصراتة الموالية له ظهر “تنظيم الدولة” الآن في سرت المعقل القديم للقذافي.

** كيف غير صعود “تنظيم الدولة” من شكل العلاقات في الشرق الأوسط؟

– صعود “تنظيم الدولة” خلق خلفية من الفوضى، والصراع، ومئات الآلاف من اللاجئين، ومع ذلك فإن الحرب ضد “تنظيم الدولة” أصبحت ثانوية مقارنة بالصراع على النفوذ بين القوى الإقليمية، لقد خلق “تنظيم الدولة” ذريعة لقيام العديد من القوى الدولية بضربات جوية، لكن الصراع المركزي في المدن هو صراع بين القوى الإقليمية.

** ما الظروف التي ساعدت على ظهور وقوة “تنظيم الدولة”؟

– بالرغم من أن تنظيم الدولة في العراق كان موجود كفرع للقاعدة منذ وفاة “أبو مصعب الزرقاوي” أردني الجنسية فإن تحول “تنظيم الدولة” في العراق إلى وحش عابر للحدود يعزى إلى عاملين هما:

1- الثورة المضادة بقيادة الملكيات الديكتاتورية والأنظمة العسكرية، فكل من السيسي والأسد قاما بسحق المعارضة السياسية بالقوة الساحقة، وفي كلتا الحالتين كان المحتجون سلميين وغير مسلحين، هناك علاقة مباشرة وسببية بين استخدام القوة وصعود “تنظيم الدولة”، ليس فقط في سيناء بل أيضًا في كل أنحاء العالم العربي.

2- السبب الثاني هو استعراض القوة العسكرية الإيرانية في شتى أرجاء العالم العربي، في العراق، وسوريا، واليمن، ولبنان، فوجود مظلة عسكرية إيرانية طائفية الغرض لحماية الشيعة في العراق، وسوريا، واليمن، غذت الخطاب الطائفي لـ”تنظيم الدولة”، وبعد انفصال “تنظيم الدولة” عن القاعدة حدد الشيعة كعدو قريب وكتهديد رئيسي للخلافة، وتضخمت أعداد “تنظيم الدولة” بفضل الحرب، والقصف، والتهجير، وشعور الأغلبية السنية بأنه لا أحد يحميهم.

** هل استفاد ديكتاتوريو المنطقة من ظهور “تنظيم الدولة”؟

– برر ديكتاتوريو المنطقة قمعهم عن طريق تصنيف معارضيهم كإرهابيين منتمين لـ”تنظيم الدولة”، وأيضًا حاولوا إضفاء الصبغة الإسلامية على الاحتجاجات المناهضة لهم، ففي 31 مايو 2011، وبينما كانت الاحتجاجات في درعا ما زالت سلمية، أصدر بشار الأسد عفوًا رئاسيًا عن سجناء من سجن صدنايا، كان هؤلاء السجناء إسلاميين سيئي السمعة كانوا قد جاؤوا إلى سوريا بمساعدة “الأسد” للعبور إلى العراق لمحاربة القوات الأميركية الموجودة هناك، وفور إطلاق سراحهم شكل هؤلاء المسلحون المعارضة الإسلامية المسلحة.

كانت تكتيكات “الأسد” ناجحة، وأصبحت نبوءة تحقق ذاتها، واستخدم “تنظيم الدولة” كأداة في يد القوى الإقليمية قبل أن يتحول إلى قوة يجب التعامل معها في حد ذاتها.

** ما العوامل التي أدت إلى نمو “تنظيم الدولة” في العراق وسوريا؟

– في العراق كان السبب في ذلك هو قرار رئيس الوزراء العراقي تمزيق الاتفاق السياسي، المكتوب من قبل القوات الأميركية قبل رحيلها عن البلاد، والذي يهدف إلى تقاسم السلطة مع زعماء السنة، وأدت الطبيعة الطائفية لحكمه والميليشيات الموالية له إلى خسارة الموصل، وفي سوريا كان رد بشار الأسد على احتجاجات 2011 هو المسؤول الرئيسي، ومع ذلك فإن المتمردين المعتدلين لم يحصلوا على السلاح أو الدعم الذين هم في حاجة إليه، والأسلحة التي قدمتها المخابرات الأميركية “سي آي إيه” وصلت في النهاية إلى أيدي الجهاديين.

** ما الخيارات المتاحة أمام تركيا الآن؟

في سوريا الخيارات التركية محدودة، فتركيا ترفض التدخل في الشمال السوري دون دعم أميركي أو من حلف “الناتو”، وهو لن تحصل على هذا الدعم، وتنظر تركيا إلى سوريا من منظور انهيار إطلاق النار مع حزب العمال الكردستاني.

ثمة طريقة لتغيير ذلك هي التوصل إلى اتفاق مع حزب العمال الكردستاني للسماح لـ3000 مقاتل من البشمركة الكردية بالعودة إلى سوريا، وهو ما لن يحدث في حال اعتقاد حزب الاتحاد الديمقراطي  بأنه اقترب من إنشاء دولة كردية في الشمال السوري، وفي حال أيضًا تعرضت تركيا لسلسلة من التفجيرات الانتحارية، يجب على تركيا أن تعيد تقييم صفقاتها المحلية للضغط على حزب العمال الكردستاني للعودة إلى طاولة المفاوضات، ووقتها ستكون تركيا في وضع يسمح لها بالتأثير في الأحداث في سوريا.

يجب على تركيا كقوة إقليمية أن تتواصل مع قطاع كبير من المجموعات السورية المختلفة قدر الإمكان لتحقيق هدفها بأن يكون لديها جار مستقر في الجنوب.

** ما تأثير التدخل الروسي في سوريا؟

– أدى التدخل الروسي إلى تغير مجريات الأمور، وأعطى الأسد دفعة قوية، ودفع بموجات من اللاجئين في اتجاه الحدود التركية والأردنية، وتحولت روسيا إلى مقاتل نشط في الحرب الأهلية في سوريا، وكشف الضربات الجوية الروسية هو استراتيجية مختلفة، وهي الاتجاه نحو إفساح الطريق أمام ميليشيات الأسد.

وفي حال استخدام روسيا لنفوذها لإجبار الأسد على الرحيل فأنا سأكون أول المرحبين بهذا، وأعتقد أن هذا لن يحدث، فروسيا تحت حكم “بوتين” متورطة ونشطة في سوريا أكثر من تورط ونشاط الاتحاد السوفييتي في مصر في الماضي، وتحولت إلى قوة استعمارية، وهو ما ينضوي على خطر كبير في المستقبل، ولا تتصرف روسيا كضامن للسلام بل تتصرف كمشارك نشط في الحرب الطائفية.

من المستحيل أن ترى روسيا وإيران كحكام مقبولين للسكان السنة، لقد حفز التقاعس الأميركي أو ما يمكن قوله بالانسحاب الأميركي من حروب الشرق الأوسط التدخل الروسي في المنطقة.

** هل سيدعم حلف “الناتو” تركيا ضد روسيا أم أنه سيتركهما يأكلان بعضهما البعض؟

– سيفعل “الناتو” كل شيء لتجنب التدخل في النزاع بين تركيا وروسيا، فالموقف بالنسبة لحلف “الناتو” إما أن يكون خسارة أو على الأقل عدم تحقيق النتائج المرجوة.

 فأوكرانيا كانت سيئة بما فيه الكفاية، الانقسام بين تركيا وروسيا كبير وسيدوم لفترة طويلة، وهذا مبني على العلاقات الشخصية بين أردوغان و”بوتين”، وكلا الطرفين سيجد أنه من الصعب إيجاد طريقة للوصول إلى تسوية مؤقتة، وكلا الطرفين سيحدث قدرا لا بأس به من الضرر في الساجة الخلفية للطرف الآخر، أنا أفكر هنا في النفوذ التركي في القوقاز الروسي وآسيا الوسطى.

** في رأيك.. متى ستدخل القوات التركية في سوريا؟

– في حال انهيار وقف إطلاق النار، أو عدم استمراره أو لو أن هناك تحركات لاختراق الحدود، فأننا سنرى قوات تركية تدخل الأراضي السورية، هناك قوات سورية حاليا في العراق على الرغم من رفض بغداد، وفي حال نشر تركيا لقوات لها فإنها ستتعرض لا محالة لقصف الطيران الروسي، أحد تأثيرات التدخل الروسي هو عسكرة الصراع وطلب المتمردين امتلاك صواريخ مضادة للطيران، وسيحصلون على ذلك في حال استمرار حملة القصف الروسي ضد طائفة واسعة من المجموعات المتمردة.

** يتحدث بعض الخبراء الآن على تدخل عسكري عربي ودولي في ليبيا.. هل تتوقع حدوث ذلك؟

في حال البدء في تدخل عسكري واسع النطاق في ليبيا سيكون بمثابة كارثة محقة، لكن في حال اقتصارها فقط على “تنظيم الدولة” في “سرت” فربما ينجح ذلك، ولكن من شبه المؤكد أنه سيفشل، وسيعيق ذلك أكثر من أن يساعد عملية المصالحة الوطنية التي يجب أن تتم.



تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2023