شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

تحليل بـ«الجارديان»: الجيوش التقليدية عجزت عن التعامل مع مليشيات حروب المدن

ميليشيا النظام السوري

سلطت عالمة الاجتماع بجامعة كولومبيا «ساسكيا ساسن» الضوء على ما أسمته «العصر الجديد للحروب»، وهي حروب المدن التي تختلف كليًا عن الحروب التقليدية بين الجيوش النظامية، أو تلك الحروب المعروفة ملامحها وأطرافها بشكل واضح، وهناك مسؤول عنها يمكن اللجوء إليه في حالة الدعوة إلى هدنة أو وقف إطلاق النار، بعكس حروب المدن التي تقاتل فيها الجيوش النظامية ضد عصابات أو أفراد مستقلين؛ ولذا يصعب إنهاؤها، كما إنها تنهك الجيوش الكبرى؛ لعجزها عن استخدام السمات الأساسية التي تمتلكها من آليات عسكرية وطائرات وغيرها.

وأضافت، في تحليلها بصحيفة «الجارديان»، ترجمته «شبكة رصد»، أنّ النوع الجديد من الحرب اتسعت رقعته ليشمل أيّ منطقة وأيّ مدينة في العالم؛ حتى لو كانت بلدها غير متورطة فيها. وتحاول الدول الكبرى الآن جاهدة تعلّم كيفية التعامل. والآن، انتهى عصر الحروب التقليدية وبدأ عصر الحرب الأصعب: حرب المدينة.

وإلى نص المقال:

في القرن الحادي والعشرين، أصبح مفهوم الأمن القومي مرادفًا لمفهوم الأمن الحضري، لكنّ النموذج الأمني الغربي التقليدي لا يستوعب سمة أساسية من سمات الحروب اليوم؛ فعندما تخوض قوة عظمى حربًا فمن يواجهها ليس جيشًا نظاميًا، بل عصابات أو مليشيات (مجموعات من الأفراد يجمعهم غرض مشترك)؛ لذا تنخرط هذه القوى (العظمى) في حربٍ لا تنتهي أبدًا في الغالب.

والثابت أنّ المقاتلين غير النظاميين يميلون إلى المشاركة في حربٍ، والمدينة مكانهم المفضل لتترك فيها حربهم أثرًا تتناقله وسائل الإعلام العالمية؛ وهذا هو عيب المدن.

والفارق الرئيس بين حروب اليوم والحربين العالميتين الأولى والثانية هو التباين بين مساحة الأرض في الحرب بين الجيوش التقليدية بالمقارنة مع مساحتها مع الجيوش غير النظامية.

والمقاتلون غير النظاميين أكثر فاعلية بالتأكيد في حروب المدن، ولأنهم لا يستطيعون إسقاط طائرات أو تدمير دبابات في مجال مفتوح؛ فالحرب في المدن تتيح لهم تقويض الميزة الرئيسة للجيوش العظمى اليوم (الطائرات والدبابات)، فتضطرهم إلى استخدام آلياتهم العسكرية في أماكن حضرية مكثفة وضيقة؛ لذا يسهل اصطيادهم.

ومن الأمثلة على ذلك حرب الولايات المتحدة وحلفائها في العراق في 2003، وفي فيتنام أيضًا؛ إذ تعد هذه الصراعات نموذجًا عما أصبحت عليه حروب اليوم، حروب غير متماثلة تمامًا، كما تعد أيضًا حالة مثالية لدراسة كيفية هزيمة المقاتلين غير النظاميين لجيش ضخم؛ فبالرغم من أنّ الجيش الأميركي كثّف من ضرباته الجوية على مدار الستة أسابيع الأولى من الحرب، لا تستطيع قواته البرية حتى اليوم الانتصار على الأرض.

كما إن الحروب الحضرية لها سمة أخرى؛ فهي تجبر الجيوش الكبرى التقليدية على التعامل مع عوامل أخرى فرعية تستخدمها الجيوش غير النظامية، كقضايا النازحين والمشردين في المناطق الحضرية والتطهير العرقي والصراعات الطائفية بين المجموعات الدينية المختلفة، بالرغم من أنّ جميعهم كانوا يعيشون بجانب بعضهم بعضًا لمدة طويلة.

وإحدى الاستراتيجيات الأخرى التي تستخدمها الجيوش غير النظامية في السيطرة على الأراضي هي طرد الآخر، الذي غالبًا ما يُعرف من حيث «العرق والدين أو القبيلة المنتمي إليها أو الانتماء السياسي»، وتكتيكياتهم الرئيسة هي ارتكاب فظائع، كما هو الحال في جنوب السودان، التي كانت موطنًا لأحد أكثر الحروب وحشية ودموية، أو في الكونغو، حيث تتقاتل الجيوش غير النظامية من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية؛ وفي سبيل ذلك قُتل الملايين من المدنيين.

والغريب أنّ الجيوش النظامية بدأت تتعلم هذه الاستراتيجيات؛ فالولايات المتحدة الآن لديها معسكرات تدريب على القتال في مناطق حضرية، كمال التقطتها «إسرائيل» أيضًا، التي تدرب جنودها على التعامل مع الحروب في الشوارع وحتى داخل المنازل وكيفية التعامل مع السكان غير المتورطين.

وقبل كل شيء، تعلّمت هذه الجيوش أنّ المدينة عقبة رئيسة. وبينما من السهل قصف مدينة ما، كما فعلت الحكومة السورية في حلب على سبيل المثال؛ فإننا حتى الآن لم نرَ تدميرًا كالذي حدث في هيروشيما ونجازاكي في اليابان.

لكن، لماذا تعد المدينة هدفًا مضطربًا وعقبة أمام القوى العسكرية الكبرى؟

سنعرف السبب إذا عرفنا سبب إهمال الصحف العالمية مقتل ستة ملايين شخص في الحرب بين الجيوش غير النظامية في الكونغو على مدار المدد الماضية، بالرغم من وجود قتلى تابعين للأمم المتحدة، بينما تفرد الصحف العالمية والبرامج التلفزيونية مساحات لأخبار 13 شخصًا قتلوا في مدينة كلندن.

لأنّ الكونغو بلد نائية وبعيدة فلا أحد يهتم؛ فالوفيات في المناطق والقرى النائية لا يهتم بها أحد، كما أنها ليست بالسهولة لتغطيتها، بعكس الحال في الهجمات الإرهابية في المدن الكبرى؛ وإذا تجاوزنا القتلى من البشر، فتدمير مبنى تاريخي -على سبيل المثال- أو عمل فني ما يولّد ردود أفعال من الرعب والألم والحسرة والشعور بالخسارة.

لكنّ، على أي حال، من يهتم بستة ملايين في الكونغو؟

كما إنّ رد الفعل العالمي على الأحداث المأساوية في المدن الكبرى يفسّر لنا لماذا تهتم الجيوش غير النظامية أو الإرهابيين أو الغاضبين أو أيًا كانوا بارتكاب جرائمهم فيها؟ السبب بسيط: لجذب اهتمام وسائل الإعلام العالمية؛ خاصة لو وقعت هذه الهجمات في مدن ليست جزءًا من مناطق الحرب.

أيضًا، خريطة الحرب في المناطق الحضرية كبيرة للغاية، وتتجاوز منطقة الحرب التقليدية التي تتم غالبًا في مكان محدد ومفتوح؛ فالهجمات التي وقعت في نيويورك وبالي ومومباي ولاهور وجاكرتا وباريس وبرسلونة ومانشستر وبروكسل وغيرها جزءٌ من أسلوب الحرب الجديد، سواء كانت بلدان هذه المدن متورطة في الحرب أم لا.

وبذلك نكون خرجنا من عصر كانت القيادة والقوة فيه للجيوش التي تتمكن من السيطرة على الأرض والبحر والجو إلى حروب في مدن، سواء داخل منطقة الحرب أو خارجها، ويصعب التعامل معها باحترافية، كما إنها حروب تشتمل على قضايا محلية محددة؛ فكل هجوم له مظالمه وأهدافه الخاصة. أو بمعنى آخر: أصبحت حروب معزولة في مناطق ضيقة ومكثفة، ومن يخوضها مجموعات وأفراد مستقلون لكل منهم هدفه الخاص، ناهيك عن الجهات الفاعلة في منطقة الحرب.

وللحروب التقليدية القديمة ميزة أخرى للجيوش النظامية، وهي إمكانية الدعوة إلى هدنة مثلًا أو وقف القتال، بينما لا يوجد الآن من يقرر إنهاء الحرب الحشرية؛ لذلك فهي حروب لا نهاية لها في الأفق.



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020