شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

تحليل بـ«ناشيونال إنتريست»: الحرب الباردة الثانية.. أميركا مقابل الصين وروسيا

قصف الغوطة الشرقية بطيران النظام وروسيا

لم يتّفق المؤرّخون مطلقًا على وقت بدء الحرب الباردة الأولى؛ فثمة من يرى أنّ المدّة من 1946 وما بعدها بداية للحرب الباردة الأولى، عندما اشتبكت أميركا وبريطانيا مع الاتحاد السوفيتي في الحرب الأهلية اللبنانية، بينما يرى آخرون أنها بدأت مع الانقلاب الشيوعي في روسيا (شهر أكتوبر) 1917. وبانهيار الاتحاد السوفيتي في 1990، وسقوط جداربرلين في 1989؛ بدا أنّ الحرب الباردة الأولى انتهت.

والآن، ينخرط المحللون والخبراء في نقاش مماثل عن ماهية الحرب الباردة الثانية الجديدة؛ فهل بدأت في 2014 مع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم ورد الفعل العنيف الناتج عن أميركا وحلفائها الأوروبيين، أم بدأت ببداية الحرب الروسية الجورجية في 2008، ويرى فريق ثالث أنها بدأت بمطالبات الصين بحقها في بحر الصين الجنوفي وعزل الجزر والشعاب المرجانية المتنازع عليها.

لكنّ هناك أمرًا واحدًا مؤكدًا، وهو أنّه عندما بدأت أميركا والتحالف الغربي مدّة السلام البارد مع روسيا دخلت الصين على خطّ المواجهة منذ عام 1994؛ وتزايدت الصراعات الدبلوماسية والاقتصادية ين الجانبين. وبحلول عام 2000 وصلت الأمور إلى ذروتها؛ وهو ما يدفع محللين إلى الاعتقاد بأنّ العام 2000 هو بداية الحرب الباردة الثانية، لكن مع الصين وليست روسيا.

هذا ما يراه «مايكل ليند»، المحرر والخبير العسكري بمجلة «ناشيونال إنتريست»، في تحليل مطوّل ترجمته «شبكة رصد». مضيفًا أنّ الحرب الباردة الثانية تمثّل إعادة للمباراة بين الفرق نفسها التي تناحرت في الحرب الباردة الأولى: أميركا وحلفاؤها في شرق آسيا وأوروبا وحلف شمال الأطلسي من ناحية، وفي الجانب الآخر روسيا والصين وحلفاؤهما وعملاؤهما.

وفي الحرب الباردة الثانية، كما في الحرب الباردة الأولى، نظّم المتحالفون تحالفات عسكرية متنافسة؛ فحافظت أميركا من جهة على حلف الناتو، بينما وسّعت روسيا نطاقها لخارج حدودها، وكما حافظت أميركا على تحالف شرق آسيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، استمرت روسيا والصين في اتّباع سياسة سرية لمرحلة ما بعد السوفيت تقوم على رعاية حلفاء.

محور آسيا

وردًا على القوة المتصاعدة للصين، شاركت أميركا في حوار الأمن الرباعي بين اليابان والهند وأستراليا الواسع المناهض للصين اقتصاديًا، وكان جزءًا مما وصفه أوباما بمحور آسيا في مواجهة قوة الصين المتنامية.

أما جميع الدول غير السوفيتية، التي كانت في وقتٍ ما من أعضاء حلف وارسو، فأصبحوا الآن أعضاء في حلف الناتو بقيادة أميركا، ورفضت روسيا انضمام جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف بعد توغلها في جورجيا عام 2008 نيابة عن جمهورية أوستينا الانفصالية وضمها لشبه جزيرة القرم ودعم الانفصاليين الناطقين بالروسية في أوكرانيا. وفي هذه الأثناء، حاولت روسيا ترسيخ دائرة نفوذها في أجزاء كبرى من أراضي الاتحاد السوفيتي السابق. وبشكل جزئي، رسّخت من وجودها في الاقتصاد الآسيوي الذي يضم بيلاروسيا وكازخستان وقيرغيزستان وأرمينيا.

وفي الوقت نفسه، تحالفت روسيا مع الصين بشكل فضفاض؛ فشكّلت القوّتان الكبيرتان مع دول أخرى تحالفهما الآسيوي «منظمة شنغهاي للتعاون»، التي تأسست عام 2001، وتضمّ إيران والهند وتستبعد حلفاء أميركا العسكريين؛ باستثناء باكستان وتركيا. وفي 2005، رفضت المنظمة طلبًا لأميركا للحصول على وضع مراقب، وبفضل مشاركة الصين والهند؛ تضمّ منظمة شنغهاي للتعاون أكبر دولتين من حيث عدد السكان في العالم، إضافة إلى روسيا، البلد الذي يمتلك أكبر مساحة من الأراضي في العالم.

وكان الهدف الظاهري لمنظّمة التعاون «مكافحة الإرهاب»؛ لكنّ التعاون العسكري الصيني والروسي كان مركز التدريبات الدورية للمنظمة. ومن المقرر أن يعقد الاجتماع التالي في روسيا في سبتمبر من هذا العام (2018)، ويشمل الأعضاء الأساسيين روسيا والصين وإيران، الأعداء اللدودون العسكريون لأميركا.

«سلسلة اللؤلؤ»

وفي الوقت نفسه، تعمل الصين ورسيا على تقوية علاقتهما مع الحلفاء لتعزيز قدرتهما على استخدام القوة بعيدًا عن أراضي أوطانهم؛ فبعد أن أعاقت روسيا احتمال خسارة ميناء سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم، تورّطت في الحرب الأهلية السورية؛ لتأمين قواعدها العسكرية هناك.

وبالرغم من اعتراضات أميركا وكثير من جيرانها، أعلنت الصين مطالبة شاملة بالسيادة على بحر الصين الجنوبي، وسعت إلى التصديق على ذلك؛ لبناء جزر صناعية عليها وتحصينها. ويكشف مصطلح «سلسلة اللؤلؤ» شبكة من القواعد البحرية الصينية والموانئ المدنية ومراكز الشحن من بحر الصين الجنوبي إلى بنجلاديش وميناء جوادر في باكستان؛ ويفسرها البعض بأنها تطويق استراتيجي للهند.

كما أقامت الصين مركزًا عسكريًا في جيبوتي في القرن الإفريقي ،وهو ليس بعيدًا عن القاعدة الأميركية في البلد نفسه بمعسكر ليمونير، كما يمتد الاستثمار المدني والتجاري الصيني إلى إفريقيا وأميركا اللاتينية وباقي دول العالم؛ لكنّ هذه الشركات تابعة للدولة الاستبدادية وليست شركات خاصة.

وتعتبر سباقات التسلح الدائرة حاليًا دليلًا أكثر على أنّ العالم انتقل من السلام البارد إلى الحرب الباردة، وفي الوقت الذي تعمل فيه روسيا في عهد بوتين على توسيع ترسانتها النووية؛ بدت الصين راضية عن ترسانة ضئيلة للردع.

وردًا على ذلك، أعلنت أميركا اتخاذ إجراءات عسكرية واقتصادية جديدة للرد على إنشاء روسيا نظامًا صاروخيًا جديدًا؛ لما رأته انتهاكًا لمعاهدة منع الانتشار النووي، التي بموجبها قضي على الصواريخ البالستية والقذائف التسيارية في أوروبا.

لكنّ هناك من يعتقد، وخصوصًا روسيا، أنّ المعاهدة ليست إلا مجرد طوق أميركي للتحكم في انتشار المنظومات العسكرية النووية عبر العالم؛ دافعة بأنّ الكونجرس الأميركي وافق على العام الجاري على ميزانية بـ58 مليون دولار لتطوير صواريخ كرز البرية، وفي ديسمبر 2016 غرّد الرئيس المنتخب دونالد ترامب عن سباق التسليح وأنّ أميركا عليها مواصلة مساعيها لتوسيع قدراتها النووية إلى حد كبير. وردًا عليه، عرض بوتين في خطاب سنوي في مارس فيديو متحركًا لصواريخ ذات قدرات نووية عالية من الممكن أن تمطر ولاية مثل فلوريدا الأميركية.

أجواء الحرب

وبالفعل بدأت أجواء الحرب الباردة الثانية داخل عالم التجسس والتخريب. ووفقًا لتقرير أصدره مجلس العلوم الدفاعية الأميركي في فبراير 2017، فأميركا مهددة بأنشطة تجسس إلكترونية من روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية.

وأكّد «ماكماستر»، مستشار الأمن القومي لترامب، في قمّة ميونيخ الماضي (فبراير)، أنّ تدخّل روسيا في الانتخابات الأميركية 2016 مرفوض. وترى أميركا أنّ دولًا زرعت برامج ضارة في شبكات الكمبيوتر، وبإمكانها أن تؤثّر على الشبكة الكهربائية الأميركية؛ فهي برامج خبيثة تسمى «بلاك إنيرجي»، طوّرتها الحكومة الروسية واستخدمتها من قبل لمهاجمة شبكات الكهرباء الأوكرانية.

من جانبها، تمتلك أميركا قدرتها المتنامية في مجال الحرب السيبرانية؛ فوفقًا لصحيفة «نيويورك تايمز»، نجحت أميركا في اختراق صواريخ كوريا الشمالية؛ ما تسبب في ارتفاع معدلات فشلها، ويُزعم أن دودة الكمبيوتر الضارة «Stuxnet» أنشأها مشروع مشترك بين أميركا و«إسرائيل» لشلّ برنامج إيران للطرد المركزي النووي.

فضاء معسكر

ومثل الحرب الباردة الأولى، تتضمن الحرب الباردة الثانية سباقًا فضائيًا، أو بالأحرى سباقات فضائية؛فبينما تتحدث أميركا والصين عن مشاريع طموحة، مثل إرسال رواد فضاء إلى القمر أو المريخ؛ فسباق الفضاء في الحرب الباردة الثانية تحرّكه اعتبارات عسكرية.

في عام 2007 –على سبيل المثال- أثبتت الصين قدرتها المضادة في استخدام الأقمار الصناعية؛ عبر تدمير قمر صناعي لها في اختبار أوقفته أميركا والاتحاد السوفيتي في الثمانينيات بسبب الضرر الذي أحدثته سحابة الحطام، وفي صيف 2017 اختبرت الصين قمرًا صناعيًا للتجسس فائق الدقة، يعتمد على ظاهرة «التشابك الكمي» بين القمر الصناعي والمحطات الأرضية؛ وبذلك تخطّت أميركا في هذا الجزء من السباق الفضائي والتكنولوجي، وفعلت ذلك لتجنب الاعتماد على نظام تحديد المواقع العالمي المُنشأ في أميركا، وأنشأت الصين نظام ملاحة القمر الصناعي العالمي الخاص بها. وفي غضون ذلك، أصدر الكونجرس في عام 2013 قانونًا يحظر استخدام أموال «ناسا» للتعاون مع الصين بأيّ شكل من الأشكال.

ومنذ انتهاء صلاحية برنامج المكوك الفضائي، تنازلت أميركا عن القيادة في رحلات فضائية مأهولة؛ بينما واصلت روسيا إرسال رواد فضاء إلى محطة الفضاء الدولية. وبسبب افتقار أميركا إلى أيّ قدرات طيران فضاء مأهولة، قلّصت قيادتها إلى محطة الفضاء الدولية على متن صواريخ روسية، والأمر الأكثر إحراجًا أنّ «البنتاجون» سيعتمد على محركات صواريخ روسية الصنع لإطلاق أقمار صناعية لسنوات قادمة.

وفي الحرب الباردة الثانية، أصبحت الكتل والتحالفات التجارية المتنافسة مكملًا للتحالفات العسكرية. وعلى عكس الاعتقاد الخاطئ المنتشر بأنّ أميركا تتخذ موقفًا أكثر تشددًا تجاه الصين قبل انتخاب دونالد ترامب؛ ففي ولاية باراك أوباما –على سبيل المثال- دعم 23 تحديًا لإنفاذ التجارة في «منظمة التجارة العالمية»، استهدفت 15 منهم في الصين، كما صورت إدارة أوباما سياستها التجارية بشكل معادٍ للصين.

وكتبت مجلة «نيوزويك» مقالًا العام الماضي وبّخت أميركا على تركها بلدًا مثل الصين يكتسب قواعد مهمة هذا القرن في دول بالعالم ويسيطر على معظم الاقتصاد بدلًا منها؛ بعدما زادت من قواعدها على حساب القواعد الاقتصادية الأميركية في روسيا. وإذا نجحت في مساعيها، ومع تجاهل المعايير البيئية والعملية؛ ستفوز بميزات فائقة على حساب العمل الأميركي، مطالبة الإدارة الأميركية برفض حدوث ذلك.



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020