تكلفة استغناء "الاتحاد الأوروبي" عن تركيا يمكن أن تمثل أزمة كبرى

بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تتناقش أوروبا في تبعات قرار الرحيل وكيف يمكنه أن ينهي النظام العالمي الذي بنته أميركا وأوروبا في القرن العشرين. وفي وسط هذه النقاشات، لا يشير أحد إلى الاتحاد الأوروبي، ولا يتذكر كثيرون لماذا تم إنشاؤه وكيف انضمت إليه كل هذه الدول.

ويبدو أن كل الأطراف مشغولون في كيفية الهروب من الاتحاد الأوروبي؛ حيث يفكر البعض في المغادرة تمامًا، بينما يحاول البعض عدم مجاراة قواعد الاتحاد ومبادئه.

ولكن، من أكثر الفضائح الأوروبية موقف هولندا الدبلوماسي المتعلق بمنع دخول وزيرين تركيين؛ رغم كون تركيا إحدى دول حلف شمال الأطلسي "الناتو"، ولم تكتف هولندا بذلك؛ حيث قامت رحلت وزيرًا تركيًا، وهو ما يعد انتهاكًا للأعراف الدولية الدبلوماسية، ويعيش في هولندا مئات الآلاف من الأتراك؛ وجاء هذا لمنع الوزراء الأتراك من تنظيم اجتماعات مع أبناء وطنهم.

ويبدو أن ليبرالية أوروبا أصبحت غير قادرة على مواجهة موجات العنصرية والفاشية، وفشلت هذه الليبرالية أيضًا في فهم فشل الصراع من خلال محاكاته.

ودعت هولندا إلى استفتاء على المعاهدة بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي بشأن العلاقات السياسية والاقتصادية الوثيقة الموقعة في 2014، بعد أن أظهرت التحقيقات أن الانفصاليين المواليين لروسيا في أوكرانيا أسقطوا طائرة ركاب كانت متجهة من أمستردام إلى كوالالامبور في 18 يوليو 2014 باستخدام صواريخ بوك الروسية. ولقي حوالي 300 راكب حتفهم، أغلبهم هولنديون، ورفض 61.1% من المصوتين هذه المعاهدة مقابل 38.1% قبلوا بها.

وللتذكير، بدأت هذه الحملة للاستفتاء مجلة ساخرة تدعى "جين ستيلج"؛ ولذا فمن المثير للتعجب أن تشكل مجلة ساخرة السياسة الخارجية والتحديد الجغرافي العنصري.

وبتجميع هذه العوامل، فإننا نواجة انهيارًا لصوت العقل الذي يتجاهل مئات الآلاف من الأتراك الذين يعيشون في الدولة، وكذلك حليفًا من الناتو وشريك تجارة قويًا.

وستزداد أزمة أوروبا إذا لم تواجه تصاعد موجة الشعبوية. ويعتقد البعض إمكانية التغلب على صعود اليمين من خلال اتخاذ تركيا كبش فداء. وقال رئيس الوزراء البريطاني من قبل إن تركيا ستنضم إلى الاتحاد الأوروبي في سنة 3000، وفقًا لأحدث استطلاع للرأي، والآن بريطانيا تخلصت من كاميرون، وأصبحت الدولة خارج الاتحاد الأوروبي.

ولا يوجد مفر من حقيقة أن ملايين الأتراك صاروا جزءًا من أوروبا اليوم؛ حيث يعيشون فيها منذ أكثر من نصف قرن. إلا أنه في المقابل تزايدت عدد الدول الأوروبية التي يحكمها أحزاب فاشية، وهو ما قد يمثل مخاطر جيوسياسية، ليست فقط في أوروبا؛ ولكن أيضًا في البلقان؛ إذ لا يمكن اعتبار الشعبوية مسألة تدعو إلى النقاش حتى الآن، ولكنها قد تصبح سببًا أساسيًا للاضطرابات.

ولم يعرف أحد حتى الآن ما تأثيرات القرارات المفاجئة للحكومة الهولندية بشأن توتر العلاقات مع تركيا؛ إلا أن العداء ضد تركيا بدلًا من تركيز الجهود على مواجهة مشاكل السياسة الأوروبية والمناخ الاجتماعي يعد أمرًا محزنًا.

عندما تستمر المخاطر الجيوسياسية في النمو وتتعمق الأزمات فإن تكلفة الاستغناء عن تركيا كشريك مستقر يمكنها أن تمثل أزمة كبرى. فمع استمرار التوترات السياسية في شمال إفريقيا سنجد أن تصاعد الخلافات الأوروبية مع تركيا يعد أمرًا غير عقلاني.

المصدر