أسماء خيري تكتب:

475 من السجن المتجدد

المؤبد.. 
مضت سنتان وبضعة أيام منذ سمعنا منطوق الحكم الأول.. أمضى الصديق والزميل سامحي مصطفى: الابن والزوج والأب.. سنتان من عمره قلقًا ما إذا كان سيتوجب عليه إمضاء ربع قرن من عمره وراء القضبان، بين حوائط الزنازين القاتلة.. 1353أمضاها سامحي خلف القضبان حتى الآن، وحكمت محكمة النقض عليه اليوم بالسجن المشدد خمس سنوات.. ما يعني 475 يوم من السجن المجدد..
475 يومًا آخر.. وصحيفة جنائية مشوبة.. وعمر مهدر.

سامحي ليس وحده.. 
اعتقل مع عبد الله الفخراني ومحمد العادلي أثناء عيادتهم لصديقهم المريض آن ذاك محمد سلطان؛ والذي اعتقل معهم وظل معتقلا حتى تنازل عن جنسيته بعد الحكم المؤبد وإضراب زاد عن الـ 400 يوم.. فخرج من مصر.. بلا رجعة، وبقي ثلاثتهم في انتظار إعادة المحاكمة.

ترى أيعرف القاضي سامحي والفخراني والعادلي؟ هل يعرف تفاصيل الأوراق التي أمامه والتي أمام محاكمة عادلة؛ لا تدين أيًا منهم؟ ترى أيعرف القاضي أن هؤلاء الشباب بشر مثله؟ إنسان.. مصريون.. يعشقون تراب بلادهم وظنوا أن هذا التراب قد ينبت ما إذا سقوه من أعمارهم ودمائهم؛ وطنًا؟! ترى أينبت تراب هذه الأرض وطنًا بعدما سُقي الظلم سقيًا؟

هل رأى القاضي يوسف؟
 يوسف سامحي مصطفى عبدا لعليم.. ابن سامحي مصطفى الذي لا ينطق اسمه صحيحًا في المحاكمات أبدًا. ولد يوسف بعد اعتقال سامحي ببضعة أشهر.. لم ير والده سوى في زيارات السجن المقيتة جدًا.. المعدودة جدًا! هل يعرف القاضي عن يوسف؟ عن مصعب الذي كان متيمًا بوالده ثم حرم منه ما يزيد عن نصف عمره؟! هل يعرف القاضي عن والدة العادلي؟ تلك التي حُرم من حقه القانوني في وداعها إلى مثواها الأخير؟! أو لعله يعرف عن الفخراني، حبه ودراسته.. هؤلاء الذين يبتعدون كل يوم خطوة عن مناله؟! هل يعرف القاضي أي شيء عن الأسماء التي قضى بسجنها؟!

عامان مضو.. منذ اللحظة التي كاد يعتصرنا فيها الأمل في الفرج.. كانت توقعات المحامين أنها قضية عادية.. وسيتم الحكم بترتيب الأسماء.. الربع الاول.. الربع الثاني؛ أحكام قد تطول، والثالث والرابع أحكام مخففة وبراءة.. ثم وقع الحكم كالصاعقة.. صاعقة لم يخفف وقعها شيء إلى الآن..

الآن.. حيث انمحت أمنيات الناس في العدل أو الحرية؛ حيث تلخصت الفرحة في إنقاذ الرؤوس من على المشانق حتى ولو قضوا أعمارهم في السجن، في تخفيف المؤبد إلى سنوات خمس، أو في البراءة بعد أربع سنوات من الحبس في العقرب - بلا ذنب حتى أمام الظالمين.

ترى كيف هو السجن؟! كيف هو اليوم في السجن؟ كيف يمر؟!
دعك من هذا.. كيف هو السجن وأنت بريء؛ يسلب منك العمر والروح والحياة بلا ذنب؟! 
لقد شوهت نفوسنا..

أنا لست فرحة لأن حكم سامحي خفف من ربع قرن إلى نصف عقد.. هو لم يذنب ليقضي دقيقة واحدة خلف الجدران، ولا ثانية.. ولا أن يسلب كل اللحظات التي سلبت منه.. لست فرحة لأي منهم؛ أنا غاضبة لأجلهم.. غاضبة جدًا، وغاضبة من أجل الآخرين الذين يقولون "هانت".. غاضبة من أجل التشويه الذي لحق بهم، والعجز الذي يكبلنا جميعًا.

475 
أربعمائة وخمس وسبعون يومًا.. ليلة في وحدة.. يوم في غربة.. حرمان من التعلم.. حرمان من العمل.. حرمان من الأهل.. حرمان من الأحبة.. حرمان من الترحال.. حرمان من الشمس..

أربعمائة وخمس وسبعون صورة ليسوا فيها.. مناسبة لم يحضروها.. طفل لم يلاعبوه.. حلم لم يحققوه.. وجبة تهفهم الروح إليها لم يطالوها.. رسالة لم يكتبوها.. أملٌ؛ لم يحققوه. أربعمائة وخمس وسبعون ليلة من الترقب، الأمل، الخوف، الحزن.. والوحدة..
كلا.. لم تهن.

لقد حكم على سامحي ورفاقه بالسجن المجدد.. كل يوم كأول يوم.. وربما أصعب.. وحكم على كل أحبائهم، وأصدقائهم ومعارفهم بالسجن عنهم؛ كل يوم في بعد، وغياب، والأمل المشوب بالحزن والخوف.. والأمل الصافي.. والخوف من الخذلان. عامٌ، وثلاثة أشهر، واثنا عشر يوم.. كلا.. لم تهن.





هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه