شبكة رصد الإخبارية

تيران وصنافير: ماذا بعد؟

تيران وصنافير: ماذا بعد؟
إذا مضت الأزمة إلى آخرها بتسليم جزيرتى «تيران» و«صنافير» إلى السعودية فإننا أمام مرحلة جديدة من التاريخ المصرى الحديث.
إذا مضت الأزمة إلى آخرها بتسليم جزيرتى «تيران» و«صنافير» إلى السعودية فإننا أمام مرحلة جديدة من التاريخ المصرى الحديث.
 
هذا النوع من الأزمات لا تلخصه مشاهد ينقضى أثرها بالوقت ولا ينسحب بلا ثمن قاس إلى دفاتر الذكريات.
أخطر ما يتخلف عن الصورة العامة، التى بدا عليها الأداء الرسمى فى إدارة أزمة بمثل هذه الدرجة من الحساسية والخطورة، زعزعة جذور الثقة فى مؤسسات الدولة والذين يتولون مسئولية إدارتها فى لحظة حرب ضارية مع الإرهاب وأوضاع اقتصادية خانقة.
 
لأول مرة فى تاريخ أى أزمة مماثلة فى أى مكان فى العالم تتطوع دولة لإثبات أحقية دولة أخرى فى أراض تخضع لسيادتها الكاملة وتتعلق باستراتيجية أمنها القومى.
طوال شهور الأزمة لم تتقدم السعودية بمستند واحد يثبت أحقيتها فى الملكية والسيادة على «تيران» و«صنافير»، بينما تكفلت السلطات المصرية بعرض ما تصورت أنها وثائق تثبت «سعودية الجزيرتين» وأخفت أى وثائق تثبت العكس، حاربت بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة تسليم الجزيرتين حتى بدا مسئولون رسميون ونواب برلمان أكثر حماسا من السعوديين أنفسهم.
الموقف السعودى واضح ومشروع فى طلب نقل الجزيرتين إلى عهدته، لكن ما جرى على الجانب الآخر يفتقد أى وضوح وأى مشروعية.
 
اتهامات التفريط تشيع فى الفضاء العام المصرى بصياغات عديدة تؤسس لقطيعة مع الحاضر ونزيف سياسى داخلى لا أحد يعرف إلى أين ينتهى؟
لا يمكن أن يساعد ذلك مجتمعا منهكا على التماسك ولا دولة مستهدفة على صد الأخطار.
الأسوأ أن الضمير العام قد يتعرض لضربة مؤلمة محبطة وعميقة.
أنه اعترض ولم يسمع له أحد، حاول وقف تسليم الجزيرتين بالوسائل الدستورية والقانونية لكنه جرى العصف بكل قاعدة وأى أصول.
بدأ يتسلل إلى المشاعر العامة شىء من الكآبة الجماعية: «لقد فشلنا فى الوفاء بواجب الدفاع عن أراض مصرية».
الشعور بالعجز هو واحد من أسوأ الأمراض الاجتماعية، التى تصيب الأمم والشعوب.
بعد هزيمة (١٩٦٧) مباشرة قال الفريق «عبدالمنعم رياض»، الذى أسندت إليه رئاسة أركان القوات المسلحة، لـ«جمال عبدالناصر»:«أرجوك يا سيادة الرئيس ألا تقبل أى صلح أو سلام حتى لو عادت سيناء كاملة قبل أن نحارب، إذا لم نحارب فإن كرامة بلادنا تهدر وشرف نسائنا يمرغ».
 
كانت تلك نظرة عميقة لأثر الهزيمة على الأخلاق العامة إذا لم تكن مصر قد نهضت لتحرير أرضها المحتلة بقوة السلاح.
بأثر تسليم الجزيرتين على النحو الذى تجرى به الحوادث التصدع الأخلاقى سوف ترتفع وتيرته بما يتجاوز أى كابوس والجريمة الجنائية مرشحة للتزايد.
ذلك يصب فى طاحونة الإرهاب ويوفر بيئات إضافية حاضنة لكن لا أحد يتحسب للتداعيات الخطيرة.
لا يمكن أن تمر أزمة تسليم الجزيرتين كأنها شريط سينمائى قصير، ضغوط وإجراءات يمضى كل شىء بعدها طبيعيا.
التداعيات الاجتماعية والأخلاقية لا تقل خطورة عن السياسة والاستراتيجية.
 
لقد عبرت «طاقة غضب» عن نفسها فى احتجاجات بعضها عاصف تلتها اعتقالات من أجل إثبات الحق المصرى ومنع تسليم الجزيرتين، غير أنها لم يتوافر لها التحول إلى «طاقة تعطيل» للمشروع كله.
بقوة الغضب توقفت إجراءات التسليم لنحو سنة، أصدر القضاء الإدارى خلالها حكمين تاريخيين بمصرية الجزيرتين وفق ما توافر من وثائق ومستندات وخرائط لعب المصريون فى الخارج دورا جوهريا فى الحصول عليها من مكامنها بالمكتبات الدولية، غير أنه فى نهاية المطاف جرى العصف بأية قواعد دستورية وقانونية وحجية الأحكام القضائية.
هناك ما يدعو للرهان على حيوية المجتمع وأجياله الجديدة ونوابه الشجعان الذين قاتلوا فى أصعب الظروف ضد تسليم الجزيرتين.
غير أن أحد التداعيات الخطيرة لتمرير اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، على الرغم من الحكم القضائى النهائى ببطلانها، ضرب أى تطلع لبناء دولة مؤسسات حديثة والعصف بدولة القانون من عند الجذور، فلا النصوص الدستورية التزمت ولا حجية الأحكام القضائية احترمت.
 
كان مستغربا أن يصف رئيس مجلس النواب الأحكام القضائية، التى صدرت عن المحكمة الإدارية العليا، ببطلان الاتفاقية بـ«أنها والعدم سواء».
ذلك التصريح المتفلت من أى قيد قانونى وسياسى وأخلاقى لا سابق له ولا مثيل وآثاره الوخيمة لن تمحى كما تطارد الكوابيس أصحابها.
فى مثل هذه الأجواء، التى تقارب بعض ألعاب السيرك، تتهدد الدولة فى وجودها وتضرب المؤسسات فى عمق دورها وتتبدى فى الأفق المغلق أشباح المجهول.
لا يشك عاقل واحد أن الشرعية قد أصابها ضرر بالغ والأداء الرسمى أوصل البلد إلى طريق غير معبد لا يصلح للسير الآمن ولا عليه إشارات تحدد إلى أين نذهب من هنا، كأنه التيه.
هناك أخطاء يمكن تصحيحها وتصويبها وأخطاء أخرى يختلف بعدها كل شىء.
تسليم الجزيرتين يندرج فى النوع الثانى.
إذا ما أنزل العلم المصرى من فوقهما فلا سبيل إلى استعادتهما مرة أخرى، فهناك وثائق دولية سوف توقع وتودع فى الأمم المتحدة تنتقل بمقتضاها وفق معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الالتزامات الأمنية المصرية فى «تيران» و«صنافير» إلى السعودية.
 
أى تطلع لاستعادة الجزيرتين مستقبلا تجديف ضد الحقائق والمصالح، كما أنه مشروع حرب مفتوحة مع إسرائيل وحلفائها.
بصياغة أخرى فإن إسرائيل المستفيد الأول من تسليم الجزيرتين للسعودية.
التسليم يفضى ــ أولا ــ إلى توسيع «كامب ديفيد» بإدخال السعودية طرفا مباشرا فى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، بما يعنى اعترافها بالدولة العبرية تطبيعا أمنيا وعسكريا واستخباراتيا واقتصاديا دون أى التزام بالمعاهدة العربية للسلام، التى تقضى بالتطبيع الشامل مقابل الانسحاب الكامل حتى حدود (٤) يونيو (١٩٦٧).
التسليم يفضى ــ ثانيا ــ إلى ضرب أى استراتيجية مصرية فى البحر الأحمر مؤثرا على القدرات الدفاعية عن سيناء.
 
إذا ما نشبت مواجهات سلاح بالمستقبل، وهذه مسألة لا يمكن استبعادها، فإن الوضع الاستراتيجى يكون أكثر حرجا باعتبار مضيق «تيران» مياها دولية لا مصرية كما هو الحال الآن.
والتسليم يفضى ــ ثالثا ــ إلى إفساح المجال أمام إسرائيل للإقدام على مشروعات تهمش قناة السويس عبر ما سوف تصبح مياها دولية، المشروعات معلنة والقدرة على منعها محدودة.
بنصوص الاتفاقية فإنها مع السعودية.
بمقتضى المصالح فإنها مع إسرائيل.
 
هكذا بوضوح دون مساحيق أو ادعاء فإن تسليم الجزيرتين يخضع للاعتبارات والترتيبات الإقليمية، التى يطلق عليه «صفقة القرن».
البرلمان خط فرعى فى الأزمة، الأداء الحكومى خط فرعى آخر ــ لا هم أبطال العرض ولا لاعبوه الرئيسيون وسوف يخضعون فى النهاية لحساب عسير أمام التاريخ.
بعد وقت لن يطول سوف يخرجون من المشهد كله وتظل الحقائق ماثلة ــ أن مضيق «تيران» الاستراتيجى ضاع، وأن إسرائيل تمكنت من السيطرة على البحر الأحمر، وأن القضية الفلسطينية دخلت على المذبح الأخير.