شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

قصة سقوط حزب النور

قصة سقوط حزب النور

بقلم: رضا حمودة 

منذ ظهور حزب النور الذراع السياسي للدعوة السلفية (الفرع الرئيسي بالإسكندرية) بعيد ثورة 25 يناير ، وتحركاته تحكمها مصالح براجماتية انتهازية تلتحف برداء الدين ليحصل على تعاطف شعبي من جانب ، ويتمسح بالحاكم من جانبٍ آخر بغية الحصول على المدد والبركة ، ونيل رضا وليّ الأمر السامي الذي يفتح الطرق المغلقة ، ويسمح بمساحة من الانتشار وحرية الحركة.

وتجدر الاشارة هنا أن الدعوة السلفية لم تخض غمار السياسة التي كانت حرام في السابق قبل ثورة يناير مما أتاح للدعوة هامشاً كبيراً من الانتشار والتمدد في الشارع ، لا سيما أن التركيبة السلفية في مصر لم تدعو أو تحمست يوماً ما للثورة ضد الحاكم كسبيل للتغيير ، ذلك أن ثمة اتفاقاً غير مكتوب بين الدعوة السلفية ونظام المخلوع حسني مبارك بترك السياسة في مقابل السماح لشيوخ الدعوة باعتلاء منابر المساجد دون تضييق.

وقع حزب السلفي في عدة تناقضات عميقة أثارت الشك والريبة منذ تأسيسه ، فقد قدّم نفسه منذ البداية على أنه حامي حمى الشريعة الإسلامية ، والمتحدث الرسمي باسم أهل السنة والجماعة ، والوكيل الحصري للفتوى والحلال والحرام على منهج النبوة بفهم السلف الصالح كما عرفنا من أدبيات الدعوة السلفية الرحم الذي خرج منها الحزب.

المتابع لحزب النور بعد مشهد سقوط مبارك في 11 فبراير وحتى خسارته الميدانية المدوية الأخيرة في برلمان عبد الفتاح السيسي 2015 ، في أول اختبار حقيقي لمدى شعبية الحزب بعد مشاركته في مشهد الانقلاب على أول تجربة ديمقراطية مصرية في 3 يوليه 2013 ، يلحظ صعوداً وهبوطاً في المواقف ومؤشرات النزاهة والشفافية.

لكن أهم اشكالية تلخص من وجهة نظري أزمة الحزب الرئيسية ، هي مناوئته لجماعة الاخوان المسلمين ، والوقوف في موقع الخصم والمنافس الأوحد للجماعة على قلوب الاسلاميين ، ومن ثم ثقة الأغلبية ، في محاولة من الحزب الذي يمثل التيار السلفي على أنه الأحق والأجدر بثقة الجماهير بدعوى أنه الأحرص على قضايا الشريعة ، والمُؤتمن على العقيدة أكثر من الاخوان المفرطين في جانب الدين والعقيدة لحساب مصالحهم السياسية الدنيوية الضيقة (أوهكذا يتم تصدير هذه الفكرة للعوام).

قدم حزب النور تنازلات في اطار مهرجان الاستربتيز السياسي الذي ارتضاه لنفسه ، حتى صار عارياً تماماً ولم يعد يجد ما يستر عوراته بعد أن خلع كل ملابسه تفادياً لغضب السلطة وحرصاً على رضاها ، أو ربما لأداء دور مرسوم له من أجله تم تأسيسه – ولعل أبرز تلك التنازلات التي كانت تشكل في السابق أهم الثوابت التي لا يمكن المساس بها بحالٍ من الأحوال ، قضية الشريعة والمادة الثانية من الدستور واصرارهم على المادة 219 المفسرة للشريعة في دستور 2012 والتي اعتبروا ما دونها الرقاب ، ثم ما لبثوا أن تنازلوا عنها نظراً لظروف البلاد بعد انقلاب 3 يوليه على حد زعمهم.

وكذا الأمر بالنسبة لقضيتي التشيع والضباط الملتحين التي لطالما صدّعوا بهما الرؤوس بغرض احراج الرئيس محمد مرسي واظهاره بمظهر العاجز الذي يتنكر لعقيدته ، ويخذل سنة نبيه ، إلى حد موافقة الحزب على انشاء حزب للشيعة وللملحدين أيضاً بعد 30 يونيه ، طالما التزمت تلك الأحزاب بالقانون والدستور ، وطالما أنها لم تُمارس فكراً يُخالف عقيدة المصريين(ولا أدري كيف لا يخالف الملحد عقيدة المصريين وهو لا يعترف بالعقيدة والدين أصلاً؟!).

وكانت قضية تهنئة الأقباط بأعيادهم أحد أهم الاشكاليات الخلافية العميقة بين حزب النور والتيار السلفي مع جماعة الاخوان ، لا سيما ابان حكم الرئيس مرسي ، لكن سرعان ما تغيرت بعد 3 يوليه ، ولم نسمع تعليقاً لأيٍّ من قيادات الحزب أو الدعوة السلفية الداعمة له على زيارة عبد الفتاح السيسي لكاتدرائية العباسية بنفسه (على خلاف الرئيس مرسي الذي أرسل مندوباً له وقامت الدنيا وقتها ولم تقعد من جانب بعض قيادات الحزب وسلفية اسكندرية أمثال ياسر برهامي ويونس مخيون وعبد المنعم الشحات وغيرهم تشكيكاً وطعناً في عقيدة الاخوان ورئيسهم ) ، ولكن سرعان ما تبدل الأمر على النقيض تماماً بعد 30 يونيه بترشيح الحزب أقباطاً على قوائمه خلافاً لقناعاته ومواقفه الحديّة الثابتة السابقة القائمة على تأصيل شرعي فيما يتعلق بالدخول في تحالفات انتخابية مع العلمانيين والأقباط.

من ضمن ما قدم حزب النور من تنازلات أيضاً ، قضية السلام الوطني ، فمن معاداة السلام الوطني أثناء أغلبية الاخوان البرلمانية عام 2012 بغرض احراجهم ، إلى الترحيب به والوقوف احتراماً وإجلالاً أثناء حفل افتتاح تفريعة قناة السويس في وجود عبد الفتاح السيسي ، وما زاد من الطين بِلة هو تبرير لا يُفهم منه سوى مناكفة الاخوان والكيد لهم وحسب في تعليق رئيس الحزب يونس مخيون على الأمر ، بأنهم رفضوا ذلك في السابق لعدم مشاركة الاخوان.

تلك التناقضات ، فضلاً عن قائمة التنازلات التي قدمها الحزب السلفي تُحول بعض الظنون إلى حقيقة تعززها الوقائع على الأرض بأن الحزب صنيعة أمنية بامتياز تم تأسيسه خصيصاً لمناكفة جماعة الاخوان المسلمين والحد من تقدمها ، والخصم من شعبيتها ورصيدها في الشارع ، عن طريق الدخول في قضايا جدلية خلافية فرعية بغرض تعويق أي مسار للأمام ، وإلاّ بم نفسر هذه الحالة من رحابة الصدر والمرونة نوعاً ما مع خصوم الحزب في الرد على اساءات وتجاوزات الليبراليين وأتباع السلطة بحق الحزب وقياداته ، في مقابل العنف الكلامي وشراسة الرد بالهجوم ضد كل من ينتسب للاخوان المسلمين ، وكأن قضية الحزب المركزية هي الاخوان وليس شيء آخر!.

وحيث أن الاخوان الآن خارج السلطة بين قتيل وسجين ومُطارد ، يصبح وجود حزب النور الآن لا محل له من الاعراب لا سيما بعد أداء الدور المرسوم له ، الأمر الذي يفسر تزايد وتيرة الهجوم على الحزب من قبل اعلام السلطة في الآونة الأخيرة لا سيما مع دعوات قضائية موجهة بحله لأنه قائم على أساس ديني ، فضلاً عن الأقلام العلمانية التي تستهدف رأس حزب النور في الصحافة ، ربما بتوجيه وترتيب مع السلطة إيذاناً بنهاية الحزب سياسياً.

تكمن أزمة حزب النور الحقيقية الآن بنظري أنه سقط أخلاقياً في أعين العدو والحبيب على حدٍ سواء ، فشريك الأمس المنقَلب عليه صار خصم اليوم متمثلاً في جماعة الاخوان المسلمين والتيار الإسلامي عموماً ، بمن فيهم قطاع ليس بالقليل من التيار السلفي الواسع الذي يمثل القاعدة الرئيسية للحزب انفض عنه مع توالي سقوطه كما يعتبروه في بئر الخيانة بمرور الوقت من جانب ، ونفس الشيء مع حليف الأمس واليوم من السلطة (الدولة الأمنية العسكرية العميقة) وبعض النخب العلمانية ، فأصبح( كالذي رقص على السلالم) ، أو كالذي أصابه مرضٌ معدي ، يتبرأ منه الجميع ولا أحد يريد الاقتراب منه مخافة العدوى ، أو بمعنى آخر لم يعد حزب النور محسوباً على التيار الاسلامي ، أو محسوباً على طرف السلطة التي أيّدها وبارك جُلّ خطواتها وممارساتها.

حزب النور سقط سياسياً حتى لو حصل على بضع مقاعد في برلمان سِفاح لإتمام الصورة المُراد تصديرها للخارج ، ليظل يلعب(أي الحزب) دور السنّيد المحلّل لسياسات وليّ الأمر ، ولا مانع من علو صوته قليلاً كنوعٍ من المعارضة المستأنسة لزوم الحبكة الدرامية ، لكنهم لن يخرجوا عن كونهم شيوخ السلطان.

 

 

 

 

 



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020