شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

عن تزوير إرادة الأمة واعترافات حازم عبدالعظيم

عن تزوير إرادة الأمة واعترافات حازم عبدالعظيم
تصميم الحكم العسكري على تصنيع مجلس نيابي بلا معارضة حقيقية يفضح ضعف النظام المُضطر لاقتراف جريمة تزوير إرادة الأمة؛ ويبقى الخاسر الأكبر هو الشعب، ومع ذلك ما زال البعض مخدوعا بغنائم زائفة.

تصميم الحكم العسكري على تصنيع مجلس نيابي بلا معارضة حقيقية يفضح ضعف النظام المُضطر لاقتراف جريمة تزوير إرادة الأمة؛ ويبقى الخاسر الأكبر هو الشعب، ومع ذلك ما زال البعض مخدوعا بغنائم زائفة

عادة لا أثق في اعترافات من تعاملوا واستفادوا من علاقاتهم بأجهزة الحكم التسلطي الفاسد، ولكن إعترافات حازم عبد العظيم- أحد اباطرة إمبراطورية الاتصالات في مصر، الذين يحصبلون على دخول مليونية، والمرشح الوزاري السابق وصاحب الشركة المتعاملة مع إسرائيل، توجب الالتفات.

ومن دون استبعاد أن تكون هذه الاعترافات حلقة من الاحتراب القائم بين اجنحة أجهزة مخابرات المؤسسة العسكرية للتقاتل حكم مصر، تحديدا على من منهم يحكم وتحصل عصبته على المغانم الأكبر، خصوصا وهي تاتي مباشرة بعد عزل رأس الحكم العسكري الحالي، للمرة الثالثة خلال ثلاثة اعوام، لجميع وكلاء المخابرات العامة، فمن المهم الانتباه لمغزى هذه الاعترافات، خاصة وقد انبرى المحامي إياه بشكوى المعترف للنائب العام ويواجه فعلا نيابة أمن الدولة للتحقيق في اتهامه بالإساءة إلى “الدولة” ورئيسها. ولكن لا يقلق أحدكم على مصيره فهذه الأجهزة، من منظور نفعي يسود في عالم الاستخبارات، تؤدب أعوانها ولا تقتلهم.

ما يعنيني في الأساس هو أن هذه الاعترافات المنشورة على نطاق واسع توثق بمصداقية ما كنا نُخمن بشأنه من تصنيع المجلس النيابي، المفروض انه منتخب ليعبر بشفافية عن إرادة الشعب والأمة، بواسطة وفي مقرات أجهزة أمن الحكم العسكري. لم يكتفوا باصطناع المرشحين الذين لا يتصور إلا أن يأتمروا بأمرهم بعد إعلان “انتخابهم”، بل اصطنعوا كيانات سياسية كاملة من عدم ورتبوا لتمويلها بسخاء.

البعض يخطئ فهم عنف نظام الحكم الباطش بالحقوق والحريات على أنه تعبير عن قوة بينما القوي حقا لا يبطش بمعارضيه، والبطش بالضعفاء هو من شيم الجبناء المذعورين.

سياسيا، الحاكم رأس السلطة التنفيذية، القوي والمستنير والهادف لخدمة الشعب الذي يحكمه، يطمح إلى وجود معارضة قوية في المجلس النيابي لأنها تصحح له الأخطاء وتمنعه من مواطن الزلل الحتمية في الحكم الفردي المتسلط فتحميه من الفشل، خاصة في مضماري التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية المنوط بهما مجلس ممثلي الشعب في الحكم الديمقراطي السليم، وتنير هذه المعارضة له الطريق لأداء مهمته في رعاية مصالح الشعب بكفاءة وإخلاص. أما من يريد ويعمل على نزع أي فرصة للمعارضة الجادة في مجلس يفترض أن يعبر عن مصالح الشعب ويراقب أداء السلطة التنفيذية، فليس إلا مستفيدا من للاستبداد والإفساد في الأرض وخادما لهاتين الرذيلتين.

ولذلك فإن الخسارة الأكيدة من تزوير إرادة الأمة بتصنيع المجلس النيابي الذلول للسلطة التنفيذية الباغية ستكون من نصيب شعب مصر الطيب الذي حرمه الحكم التسلطي الفاسد من ميزة قيام مجلس نيابي يمثل الشعب تمثيلا شفافا في أداء وظيفتي الدولة المدنية الديمقراطية في التشريع المنصف وفي الرقابة الفعالة على السلطة التنفيذية لضمان مصالح الشعب والوطن. فتبقى جميع سلطات الدولة في قبضة المؤسسة العسكرية غير الديمقراطية بالسليقة وبالمران.

المحزن حقا في المنظور السياسي والتاريخي هو أن أجهزة الحكم العسكري الأمنية التي تقاعست طويلا عن حماية أمن الوطن في ضمان تدفق شريان الحياة الوحيد، نهر النيل، قد توفرت على الإجهاز على مستقبل مصر الديمقراطي، ولو إلى حين. ولكنهم حتى في هذه المهمة الشؤم، في بادرة على قلة الكفاءة، لم يتفوقوا على إنجاز فرد واحد من خارج المؤسسة حقق النتيجة ذاتها في مجلس 2010.

ما يثير العجب هو أنهم، وسادتهم الحكام، لم يعتبروا بذلك “الإنجاز” سيئ الصيت والذي يُعد من بوادر، إن لم يكم مسببات، اندلاع الثورة الشعبية العظيمة في يناير 2011.

إنها شهوة الاستبداد المطلق المدمرة!

يحزن أيضا أن بعضا فئات الشعب ما زالت تحت وقع الحصول على جوائز جانبية لعملية تزوير الإرادة الشعبية بفجر فاحش، يُمجدّون هذا المجلس من منظور نفعي ضيق الأفق، غافلين عن مغبته على الصالح العام للوطن والشعب، ومستقبلهما.

“النواب” الفائزين بالتزوير الجسيم هم بالطبع الحالة المثال، حيث يمكن أن تغريهم المغانم الضخمة من عضوية المجلس بالتغافل عن الصالح العام للشعب والوطن لخدمة أولياء نعمتهم. وقد بدأت مسيرة الخطايا قبل انعقاد المجلس المزور بتجديد بدعة جنرال الجيش-المخابرات الذي صنعوه رئيسا لائتلاف الأغلبية المزورة، بالدعوة إلى مد مدة الولاية الرئاسية، التي ثنّت عليها مؤخرا نائبة معينة بالدعوة نفسها حيث لم تجد من هموم الشعب المصري المفترض ان تنوب عنه أي شاغل آخر يحقق الصالح العام للوطن، ولو جرائم وزارة القتل والتعذيب التي تأتمر بأمر من تسعى لتمديد ولايته، ويشمل هذه الجرائم بعطفه وتأييده، على حين يقتضي صالح الشعب والوطن في نظري تقصير مدة ولايته بالإجراء الديمقراطي السليم للدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة.

غير أن المثال الذي كنت لا أود التطرق إليه، هو احتفاء بعض “المفكرين” المسيحيين بالمجلس المُصنّع واعتباره “أيقونة” من نتاج الثورة الشعبية، بسبب حصول الإخوة الأقباط في مجلس النواب الأخير على 37 مقعدا- ما يمثل حوالي 6.5% من أعضاء مجلس النواب المنتخبين ويساوي بالضبط النسبة الرسمية للأقباط بين المصريين، والتي كثيرا ما أنكرتها دوائر الكنيسة والمسيحين باعتبارها اقل من الواقع، في شاهد آخر على تصنيع المجلس بكامله- فيما يبدو مكافأة من مصنعي المجلس لموقف الكنيسة وكثير من الإخوة المسيحيين في الدعم المبالغ فيه للحكم العسكري، بينما هم غافلون عن عواقب هذ المجلس المزور على مصير مصر والمصريين جميعا.

وفبل أن يستسهل بعض المنتمين للتيار الإسلامي لوم الإٌخوة الأقباط على دعمهم شبه المطلق للحكم العسكري الغاشم، فعليهم تفهم أن هذه الحالة المأساوية من الانقسام المتخندق، والغريبة عن تاريخ شعب مصر فى التناغم بين مختلف مكوناته قد جرها تعاقب الحكم التسلطي لجماعة الأخوان ثم المؤسسة العسكرية. فحكم جماعة الإخوان وحلفاؤهم من الوهابيين المتشددين قد ترك بعض أهل مصر، ومنهم الإخوة المسيحيين، قابلين أن يحكمهم الشيطان نفسه ما دام ليس جماعة الإخوان، وشُبّه لهم أن المؤسسة العسكرية هي مُنقذهم من ذلك المصير التعس. وقد أججت أجهزة الحكم العسكري هذا الشعور مستعدة لإذكاء الانقسام إلى حالة من البداء المزمن بين عنصري الأمة وصولا غلى الاحتراب الأهلي في سبيل اقتناصهم لحكم مصر.

لهذا يكمن تعافي مصر من الحكم التسلطي الفاسد في نظري في التخلص من التسلط باسم الدين، أو الوطنية مختزلة الولاء المطلق، للمؤسسة العسكرية، كليهما.



تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2023