شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

“زند الفساد ميتر”: حينما يتحدث الفاسدون

“زند الفساد ميتر”: حينما يتحدث الفاسدون

ذكرني تصريح الزند، بأن معدلات الفساد في مصر هي في إطار المعدلات العالمية، بالمقولة التي يرددها الفاسدون: أن الفساد ظاهرة عالمية. ويتناسى هؤلاء وربما يفعلون ذلك عن عمد؛ فيهونون من الظاهرة لأنهم أصحاب مصلحة فيها بل هم على رأس ممارسيها والحاضنين لها، ومن الداعمين لرأسها ورؤوسها، يخربون المجتمعات ويروجون للفساد الصغير بين عموم الناس حتى يأتي الفساد الكبير فيأكل أي احتمالات للنماء، كما أنه يسحق أي احتمالية لارتقاء الإنسان كيانا وعمرانا.

ومن المهم التأكيد منذ البداية على أن “الفساد” لا يمكن اختزاله بحال في جانب مادي منه وإهمال الشروط المعنوية فيه. كما أن ظاهرة الفساد هي ظاهرة تعالج جانبا ظاهرا وجوانب خفية يحرص ممارسوه على أن يجعلوه خفيا بحكم تلك الممارسات التي قد تقع تحت طائلة القانون أو تحت طائلة الحساب، ومن هنا سنرى أن الجانب الظاهر من تلك الظاهرة إنما يشكل في حقيقة أمره جانبا ضئيلا بالمقارنة بالمخفي أو المستور أو المسكوت عنه خاصة، حينما يتعلق الأمر بالفساد الكبير الذي يصير مع تمكنه حالة مؤسسية تخلق ويترافق معها عمليات إخفاء الفساد في ما يشبه غسيل الأموال، وإن شئت الدقة: غسيل الأفعال الفاسدة. 

كذلك فإن كثيرا من مظاهر “الفساد” لا يمكن بأي حال من الأحوال وصفها بذلك الوصف، خاصة إذا ما مارسته السلطة وحاولت أن تموه على الناس معاني ذلك “الفساد” وجعلته عسفًا وقلبًا وتعبيرًا عن إصلاح زائف ومتوهم (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ). وظاهرة “الفساد” وما يمكن تسميته “إخوته” الذين قد يشكلون شبكة فسادية من مثل الاستبداد، والترف، والجباية، والغش المادي والمعنوي، وكثير من الأمور التي تشكل أهم قابليات ذلك الفساد.

كذلك من أهم السمات التي ترتبط بهذه الظاهرة -وفقًا لهذه التصورات التي قد تهمل هنا أو هناك في مدرسة أخرى أو تبرر عناصر فساد من خلال وظيفيته أو قدمه – إنما تؤكد أمرين مهمين؛ الأول يتعلق بفساد تعريفات الفساد، والأمر الثاني يتعلق بفساد الخطاب حول الفساد، وهو ما يشكل حالة إدراكية تعبر عن خللٍ في الرؤية قد يؤدي بدوره إلى فساد في تصور الظاهرة وما يترتب عليها من قياسات. ومن هنا كان “زند الفساد ميتر”، أي “مقياس الفساد الزندي”.

فالفساد السياسي ينتج آثاره السلبية على مختلف جوانب النظام القائم، وهذا يعني تغييبًا للديمقراطية بشقيها السياسي (المشاركة)، والاقتصادي (العدالة التوزيعية)، وإضعافًا لولاءات الأفراد وانتماءاتهم، وأخيرًا تهدد استقرار النظام ببعض صور العنف السياسي؛ ومن هنا فإن التضييق على الفساد يقتضي تحركًا على هذه الأصعدة كافة من سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، فضلاً عن الصعيد القانوني بوضع الضوابط المناسبة التي ترد ضعاف النفوس عن كل انحراف محتمل.

ومن هنا فإن تضييق مفهوم الفساد وحصره في أحد أشكاله ليس مجرد خطأ علمي أو فساد في التعريف والتصنيف بل هو حالة مواتية لما يلي

* لقصور المعرفة للفساد طبيعة وأبعادًا وأشكالاً ومجالات وحالات وعمليات وعلاقات ومؤسسات وأطرافا وفواعل فيه ومصالح تتكون وتتأسس منه، وهو ما يؤدي إلى ما يمكن تسميته “دورة تمكين الفساد” والتي يمكن لها -مع طول الأمد وقسوة القلوب وتبلد الحس الجماعي وميراث من اللامبالاة- أن تترك الفساد يرعى ويترعرع. وهذا التراكم يكون “مجتمع الفسق” في إطار علاقات فرعونية فاسدة: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ). 

* وهو كذلك حالة مواتية لاستمرار ممارسات الفساد، فإن النظر الجزئي المتوهم لكلية غالبًا ما يكون نظرًا عليلاً وكليلاً، نظرا أعشى، تحركه عناصر قصر النظر وربما قصوره، وهو ما يمكن -مع عدم الفطنة- أن يؤدي إلى تمرير الفساد من قنوات قد تهمش في التفكير أو في مناهج التفسير والتناول والتعامل. وهو نمط من التفكير يدخل ضمن سياقات منهج التفكير الذي يرتبط بالحالة السلبية في التفكير والتدبير: (كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا). 

وربما أن هذا التجزؤ يغري بالتعامل مع أصول المواجهة والمقاومة للفساد (المظاهر والأشكال) على النحو الجزئي، وكم من عمليات إصلاح وُجهت بالفشل لأنها ظنت أن المواجهة الجزئية ناجعة في هذا المقام، وهو أبعد من ذلك قد يوفر البيئة والقابلية لمقولات تسويغ الفساد أو ترويج لبعض عناصره أو جوانبه، وهي مقولات ترد في الخطاب المحيط بالظاهرة، تحاول الترويج للفساد “بالقطعة” أو بالحجج الجزئية، فإن تجزئة الحجة بالنسبة للفساد، أو عدم الانطلاق من أصل الفساد الهادم والناخر لكيان المجتمع، وعدم تحريم الفساد بكل أنواعه وأشكاله وجوانبه ومجالاته، إنما هو مدخل لتمرير الفساد.

ظاهرة الفساد أعم من أن تكون قاصرة على الجانب المالي مهما كان الجانب المالي يمثل الغالب من حالاتها. الظاهرة لا تلازم فقط تخصيص الموارد الاقتصادية أو توزيع العائد الاقتصادي، إنما تعم وتشمل تخصيص “الشأن العام” برمته، وتحويل الشأن العام للجماعة إلى شأن خاص سواء لأفراد حاكمين أم لجماعة صغرى حاكمة ومسيطرة. الفساد فرع من ظاهرة شخصنة الشأن العام وتحويل الشؤون العامة إلى شئون خاصة في بواعث إصدار التصرفات العامة، وفي تحقق ثمرات هذه التصرفات.

غاية الأمر ألا يقتصر الأمر على الفساد المالي بذلك، وإنما يتعامل مع الظاهرة في عمومها وفي امتداداتها غير المالية، أسبابًا ونتائج. وهو يتعامل مع مؤسسات الدولة القائمة على أهم الشئون العامة وأكثرها شمولاً بالنسبة إلى الجماعة السياسية والجماعات الفرعية المتصلة بها، على تنوعها وتداخلها.

الفساد إذن ظاهرة تتعلق بتحول الشأن العام للجماعة إلى شأن خاص لفرد أو أفراد أو لجماعة صغرى. وهو كذلك تحول المصلحة العامة للجماعة المعنية إلى مصلحة خاصة لأفراد أو لجماعات أضيق. 

إن الشبكية المؤسسية هي التي تلخص الوضع الأساسي لبناء الدولة التي ترعى مؤسساتها الصالح العام. ويمكن القول إن الحكومة أو “جهاز الحكم” يتضمن أعظم قدر اجتماعي من المال والسلاح، ويقوم بذلك الاستبداد لا محالة، إلا أن تواجد أجهزة في الحكم لا تحوز مالاً ولا سلاحًا وتكون هي المسيطرة على مَن يحوز المال والسلاح (مصادر القوة)؛ وهي أجهزة التشريع والقضاء – أي الأجهزة الحارسة لشرعية استخدام المال والسلاح وما يتفرع عن هذه الأجهزة من تشكيلات ومؤسسات- تكون قادرة فعلاً على الإمساك بزمام من يحوزون المال والسلاح، فإذا لم يحدث ذلك تحول الشأن العام إلى الاستبداد، وأنتج الاستبداد سيادة الصالح الخاص للمستبدين وهو ما يمكن أن نسميه “بشخصنة الدولة أو بشخصنة السلطة أو بشخصنة العمل العام”، وفي هذا المقام يمكن الربط بين الاستبداد كبيئة حاضنة لعمليات الفساد. 

ومن أعظم الفساد -على ما يؤكده الحكيم البشري- أن تحمل سلطة الاستبداد سيف المعز وذهبه وقدرته التنظيمية الهرمية الهائلة، وأثره غير المقاوم في استتباع الأجهزة كلها من داخلها وبواسطة رجالها أنفسهم، ويتسرب إلى أفرادها باختيار الأساسي منهم وترجيح نفوذ الأطوع، وذلك لتتحرك الإدارة الذاتية لكل جهاز من داخله وبما يتناسب مع متطلبات السلطة المنفردة، فتقوم الواحدية المؤسسية للدولة حيث لا تسود الشخصنة فقط، ولكنها أيضاً تستلم الشرعية في المجتمع فتظهر لا بحسبانها مصدر القوة والجبروت فقط، ولكن بحسبانها أيضًا مصدر الشرعية في المجتمع كله. 

في هذا السياق كيف يمكن أن يقوم رأس من رؤوس الفساد بقياس حجمه ومراقبة فعله؟ وهل للفاسد أن يحارب أو يواجه فسادا؟ للزند تاريخ حافل بالفساد، في مرة خرجت أخبار تؤكد أن المجلس الاعلى للقضاء وافق رسمـياً على رفع الحصانة عن المتهـم أحمـد الزنـد وأنباء عن إصدار أوامر للداخلية بضبطه وإحضاره على ذمة 12 قضية منها الشروع في القتل المتظاهرين أمام نادى القضاة.. وسرقة المال العام.. والرشوة.. واستخدام نفوذة بالوساطة والمحاباة… إهانة رئيس السلطة التنفيذية… سب رئيس المجلس الاعلى للقضاء السابق… سب وقذف رئيس نادى القضاة السابق.. التدخل في شئون وقرارات القضاء المصرى وتوجيه قضايا عدة بالأمر المباشر، ولكن ظل الزند محصنا وأضاف إلى حصانته كقاض حصانته لاعتلائه “وزارة الظلم” “العدل سابقا”، لينكل بخصومه وكل من اتهمه بفساد، نعم هذا الرجل الآن هو من يهاجم “المستشار جنينة” رئيس الجهاز المركزي والذي كشف من بعض حجم الفساد وما خفي كان أعظم وأنكى.. هذا هو حديث المفسدين الأبدي حينما يتحدث الفاسدون عن الفساد.. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ).



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية