شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

خلفيات اختيار أحمد أبو الغيط لجامعة الدول العربية

خلفيات اختيار أحمد أبو الغيط لجامعة الدول العربية
الشعوب العربية من محيطها وخليجها والمسلمون وأحرار العالم كلهم، ساءهم اختيار شخص كأحمد أبو الغيط لمنصب الأمين العام، بصرف النظر عن التطورات والتغيرات التي شهدها العالم العربي والشرق الأوسط وتشكيل التحالفات الجديدة.

لم يعد سرًّا أن السيسي أتت به “إسرائيل”، بالتنسيق مع أميركا، وبدرجات متفاوتة دول الغرب ودول أخرى تعادي الديمقراطية، وبإيعاز مباشر من “الإيباك”، باعتبار أن صناعة أي قرار أميركي وبنِسَب متفاوتة غربي يتعلق بالعالم العربي وإلى درجة ما بالشرق الأوسط لا بدَّ ويجب أن يمرَّ من خلال فلاتر أومصافي الإيباك حسب مفكرين أميركيين كستيفن وولت وجون ميرشيمار ونعومي تشوميسكي وغيرهم. باختصار، لأن الرئيس الذي أتى لحكم مصر عبر الانتخاب الحر المباشر من الشعب المصري، وهي سابقة لم تحدث قطُّ في تاريخ مصر على مدى الإثني عشر ألف عام، شكَّلَ حكمه خنجرًا في خاصرة “إسرائيل”، كما اعتبرته “إسرائيل” وكان ذلك واضحًا من خلال تحليلات الإعلام الصهيوني والأميركي وإلى حد ما الغربي وغيره.

لأن دمقرطة مصر تحديدًا تعتبرها “إسرائيل” وأميركا والغرب وآخرون تهديدًا لأمن “إسرائيل”.

من أهم الأسباب؛ كان أنه للمرة الأولى في تاريخ الصراع، فرضت (حماس) شروطها لإيقاف الحرب الصهيونية على غزة التي شنتها “إسرائيل” لمجرد جسّ نبض التغير الجديد في فلسفة الحكم المصري الديمقراطي. سبب نجاح (حماس) كان بفضل وجود حكم وطني ديمقراطي عربي التوجه، على خلاف سابقه الذي كان قد سلم قياده “لإسرائيل”. من الأسباب أيضًا كشف الرئيس الجديد أوراقه بالنسبة لغزة ولا سيما تصريحاته النارية بأن مصر لن تترك غزة وحدها. طبعًا، ثمة أسباب أخرى إستراتيجية تتعلق بإنتاج القمح والوعد بتحقيق الاكتفاء الذاتي وإعادة مصانع السيارات والأسلحة واعتماد مصر على تسليح نفسها وغير ذلك. كما تم في خلال المدة المحدودة لحكم محمد مرسي تحدي الحصار على غزة؛ إذ قاد الحملة أمير قطر السابق الأمير الوالد وتبعه آخرون، كما سنبين فيما بعد.

لم يرُقْ كل ذلك وغيره لإسرائيل وأميركا والغرب وآخرين من دونهم. في خلال السنة التي حكم فيها الرئيس محمد مرسي دبّر له الطابور الخامس في داخل مصر وعملاء “إسرائيل” وأميركا والغرب وخاصة الأثرياء الذين يدركون جيدًا أن دمقرطة مصر ليست في صالحهم؛ لأنها ستكشف فسادهم وهم بالتالي يشتركون مع “إسرائيل” وأميركا والغرب والآخرين في المصالح. دبّر هؤلاء مؤامرات نقص أسطوانات الغاز والغذاء لإشعار المصريين بعدم جدوى الديمقراطية في مصر وأنها لن “تؤكّلهم عيش” وحكم الرئيس مرسي هو البرهان على ذلك كما زينوا للشعب المصري، الذي يرزح أكثر من نصفه تحت خط الفقر وتتحكم أربعون عائلة مصرية إضافة لجنرالات الجيش بالإقتصاد المصري. يبدو أن غالبية المصريين انطلت عليهم حيلة أن مصر حكمها العسكر منذ 1952 ولن يصلح لها سوى العسكر. كان ذلك واضحًا في مرحلة الانتخابات التي أبقت على محمد مرسي ممثل الإخوان، وأحمد شفيق العسكري المحسوب على عهد الفساد السياسي إبّان حكم مبارك.  كان متعمّداً منذ الوهلة الأولى أن يحصل الرئيس المدني مرسي على نسبة أعلى بقليل فقط من العسكري شفيق، إرضاءً للمنتفضين في ميدان التحرير. فَهِمَ المراقبون السياسيون أن تلك الفجوة المتقاربة بين المرشحيْن كان هدفها التمهيد لعودة حكم العسكر من جديد، بعد أن يتم إفشال الرئيس المدني ووضع العراقيل الكأداء أمامه كي لا يستطيع القيام بواجبه كرئيس منتخب وهو ما حدث.

إذًا، إعادة حكم العسكر ممثّلاً هذه المرة في السيسي، وتغير قواعد اللعبة لا سيما ما يتعلق بغزة؛ إذْ تحولت مصر الرسمية على الأقل إلى عدو شرس لغزة بإحكام الحصار عليها وأحيانًا تفوق شراستها شراسة “إسرائيل”.

اختيار السيد أحمد أبو الغيط لأمانة ما يسمى جامعة الدول العربية (؟؟؟) لا يكاد يخرج عن هذه النمطية السياسية المصرية؛  فهو صديق “إسرائيل” الودود.  أمامه وإلى جانبه في المؤتمر الصحفي أواخر 2008 أعلنت تسيبي ليفني وزيرة خارجية “إسرائيل” السُّبقى الحرب على غزة من القاهرة.  طبعًا، لم يحرك أبو الغيط ساكنًا ولم ينبس ببنت شفة على الأقل من قبيل النأي بمصر عن تلك الكوارث التي سببتها الحرب الصهيونية الأفظع على غزة أواخر 2008 و2009.

الشعوب العربية من محيطها وخليجها والمسلمون وأحرار العالم كلهم ساءهم اختيار شخص كأحمد أبو الغيط لمنصب الأمين العام، بصرف النظر عن التطورات والتغيرات التي شهدها العالم العربي والشرق الأوسط وتشكيل التحالفات الجديدة.

قد لا يعجب كلامي البعض، لكنْ عليّ القول: إن تحفظ دولة قطر على شخص المرشح في البداية كان انعكاسًا لامتعاض الشارع العربي من مواقف الرجل السياسية وعودتها على مضض للقبول به تلافيًا لاحتمال الإضرار بالإجماع. لا بد من التذكير أن أمير قطر السابق الأمير الوالد هو الزعيم الوحيد الذي زار غزة بعد الحرب الصهيونية عليها أواخر 2008 وبداية 2009 على رأس وفد كبير متحديًا الحصار، ودفعت دولة قطر أموالًا طائلة لأهل غزة وتعويض أسر الشهداء وقامت دولة قطر بإعمار غزة وبناء مدينة حمد وتعيين سفير دائم لها في غزة لمتابعة مشاريع الإعمار. هذه الزيارة شجعت الآخرين على تحدي الحصار الصهيوني على غزة، فقام الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية وعدد من وزراء خارجية الدول العربية بزيارة غزة في إشارة رمزية لرفض الحصار. طبعًا، ذلك كله ما كان ليتم لولا وجود حكم وطني منتخب في مصر كان يمثله محمد مرسي.

السؤال هل يعكس اختيار أحمد أبو الغيط لجامعة الدول العربية تسيّد “إسرائيل” للشرق الأوسط بعد أن مهدت لتسيّدها الفوضى المجنونة في العراق وسوريا واليمن وليبيا والحبل يبدو لا يزال على الجِرار؟ انتظروا نبًأ مهمّاً.

…………………..

​أ.د. علي الهيل- أستاذ جامعي وكاتب قطري



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020