شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

هل النهضة تنوي تدمير نفسها؟.. ما يحدث ليس تكتيكًا بل هو تفكيك

هل النهضة تنوي تدمير نفسها؟.. ما يحدث ليس تكتيكًا بل هو تفكيك
لعل الذكرى تنفع المؤمنين قد يكون من المفيد أن أذكر بما قدمت من النصح والمشورة في الماضي: فلعل الذكرى تنفع المؤمنين. ولكن ليس التذكير بالقصد الأول لأنه معلوم ومن ثم فلست بحاجة للتذكير به لو كان الماضي هو المقصود. إنما القصد

لعل الذكرى تنفع المؤمنين

قد يكون من المفيد أن أذكر بما قدمت من النصح والمشورة في الماضي:
فلعل الذكرى تنفع المؤمنين. ولكن ليس التذكير بالقصد الأول لأنه معلوم ومن ثم فلست بحاجة للتذكير به لو كان الماضي هو المقصود. إنما القصد الأول منه هو التنبيه إلى الآتي الذي أظنه منعرجا خطيرا تمر به تونس. وهو مآل قد يحقق لأعداء تونس ولأعداء هويتها وحضارتها العربية الإسلامية أكثر مما حققه الانقلاب في مصر؛ لأنه سيكون كما أشار إليه صاحبه خياطة تارزي ماهر لكسوة خروتشاف.

فالتكتيك الذي غرقت فيه النهضة وقياداتها -وخاصة بعد أن صار النداء وحتى اليسار ينفخ فيها بنفاق ودهاء وجوقاتهما الإعلامية تبالغ إلى حد لا يصدقه لأنهم بذلك يثبتون العكس تماما- أفقدها الحس الإستراتيجي فدخلت مداخل لم أعد أفهم سرها اللهم إلا إذا كان للبعض فيها ما يخيفهم عن أمور لا يستطيعون الدفاع عنها بالمواقف الصريحة وبعدم إهمال الحذر الذي يقتضي أخذ القضايا الاستراتيجية بعين الاعتبار.

ولا أخفي أني بدأت أشك أن وراء الأكمة ما وراءها لأني لا أصدق أنهم من السذاجة بحيث لا يفهمون خطة النداء واليسار في توريط النهضة إلى الحد الذي سيلغي وزنها في الانتخابات المقبلة ويسهل القضاء على الإسلام السياسي بالكلية سياسيا ثم أمنيا. فتوقعي أن النداء واليسار يعدان للانتخابات المقبلة إعدادا سيجعل نتائجها قريبة مما يلي:

  1. سيحاولون أولا إعادة الساحة تقريبا إلى ما كانت عليه قبل الثورة في مرحلة موالية لأنهم لن يتمكنوا من إلغاء ما آل إليه أمر الثورة خلال التجارب الثلاثة ما قبل الانتخابات الأولى ومابعدها ثم ما بعد الانتخابات الثانية: سيكتفون بتحجيم النهضة سياسيا وذلك بتوريطها في ضرب صورتها لدى قاعدتها.
  2. وسيحاولون في المرحلة الموالية التعامل مع الأحزاب التي سيذهب إليها من يغادر النهضة بنوعيها: أ-الذي يختار مواصلة العمل السياسي في أحزاب مدنية أخرى.    ب-والذي ييأس من العمل السياسي ويذهب إلى ما نعلم من حركات وهو ما يتمناه النداء واليسار لتحقيق حلمهم في الانتقال من التحجيم السياسي إلى “التقريع” الأمني.
  3. وبالتدريج ومهما تكتكت قيادة النهضة بل وبمقدار ما تكتك سيعيد النداء واليسار الاستئصالي النهضة إلى وضعية المتهم المنزوي هذا إذا لم يتجاوزوا ذلك مثل نظرائهم في بلاد الربيع الأخرى في التعامل العنيف والمباشر مع الإسلام السياسي.
  4. لكن النهضة تكون بسبب تكتيكها الذي جعلها تدخل في حكومة غير مشروطة بالوحدة الوطنية الشاملة وخاصة إذا قبلت بالقسمة مع النداء ستفقد جل المتعاطفين معها لشعورهم بأنها لم تعد ممثلة لتوجهاتهم. فالمشاركة المنفردة مع النداء مع ما يقدم عليه من إجراءات تحرجها بقصد موجهة أساسا للإسلام عامة وليس للإسلام السياسي فحسب سيجعلها في موضع جحا إذ يقطع الغصن الذي يجلس عليه.
  5. لذلك فسيسطر على الساحة السياسية النداء واليسار مع عودة الحزبين الآخرين اللذين حكما مع النهضة -خاصة إذا أعادا وحدتهما- بتقدم لحزب المرزوقي وسيعود حزب الشابي إذا استرجع ما فقده بالاستنزاف الناتج عن نزوات رئيسه وحبه الزعامة واليسار إلى تمثيل المعارضة خاصة والاتحاد غاضب ويبحث عن مناسبة للانتقام.
  6. ومعنى ذلك أن مصير قاعدة النهضة سيكون شبيها بمصير قاعدة التجمع بعد الثورة: ستتفرق بين القبائل الحزبية ومنها طبعا من سيذهب إلى التطرف وهو المأمول من قبل أصحاب المؤامرة على الإسلام السياسي في تونس.
  7. وهذا يعني أن النداء سيحكم بنفس الحلف الذي تكونت منه جبهة الانقاذ وستقصى النهضة نهائيا بعد أن يتراجع وزنها لأن جل الغاضبين من تكتيكها سيذهبون إلى المرزوقي والباقي منهم سيتقاسمه الشابي وابن جعفر وقلة ستميل إلى التطرف والكفر بالحياة السياسية الخامجة.

في ضرورة تحيين الخطة

ما أظن أحدا من متابعي الشأن العام يجهل أني كنت من دعاة المصالحة الوطنية يوم كانت الترويكا صاحبة القدرة على العفو. لكن المصالحة التي يقترحها الباجي حاليا مفروضة على النهضة المستضعفة. ومجرد التصويت للنص المقترح سيكون دليل تواطؤ لا يمكن تبريره بأي حل وهو خيانة للثورة.
وما أظن أحدا يجهل أني عارضت مباشرة الحكم في السنة التي خصصت لتحرير الدستور بل طالبت بالإبقاء على حكومة الباجي مع المشاركة فيها بمساعدين في كل الوزارات للتعلم والتفرغ سياسيا للدستو وإعداد الانتخابات التي كانت حسب توقعي ستكون حاسمة ومؤسسة للمصالحة من موقع القادر على العفو مرة أخرى.
لكني الآن أعارض مقاسمة الباجي الحكم من دون اشتراط حكومة وحدة وطنية موسعة يشارك فيها الجميع على برنامج يكون موضوع حوار تعين بمقتضاه حكومة لا يكون فيها حزبيا إلا الوزارات المشرفة على الخيارات الكبرى وتكون مشروطة بهئيات تشرف على أعمالها وخطط تطبيقها لبرنامج الإصلاحات الكبرى التي تتعلق بنموذج التنمية وبالخيارات المصيرية مثل التربية والعلاقات الدولية.
وحتى أبين علل معارضتي لمباشرة الحكم بالكلية بعد الانتخابات الأولى -مع النصح بالمشاركة للتمرين في حكومة الباجي التي كان ينبغي الإبقاء عليها إلى الانتخابات المقبلة- وأعلل اشتراط المشاركة بحكومة الوحدة الوطنية فلأذكر بمنطق التعليل.
فقد كنت أتصور أن مباشرة الحكم من دون الشروط الممكنة من السلطان الفعلي على مقومات تسيير الدولة سيكون مجرد شغل كراسي الحكم دون القدرة عليه فضلا عن انعدام الخبرة التي لا ينكرها إلا جاهل أو متجاهل.
ورغم أني أكره الكلام السياسي بـ”لو” فإن ذلك “لو” حصل لما وجد النداء أصلا ولكان السبسي قد غرق في الحكم ولهدأت الحياة السياسية ولتمكنت النهضة والحياة الحزبية عامة من تركيز ذاتها واسترجاع شروط الاندراج في النسيج الوطني والتعرف عليه بعد غياب الحياة السياسية دام ستة عقود فضلا عن نقصان الخبرة في تسيير الحكم. وكان بوسع النخبة السياسية البدء بتنظيم انتخابات بلدية للتعلم مع الابتعاد عن المسؤولية الوطنية الشاملة والكاملة على الدولة لأن ذلك كان سيكون مصدرا للنزاع حول ما ليس لهم عليه سلطان فعلي إذ إن الدولة العميقة-الإدارة وأجهزة الحكم كالأمن والدفاع-ما تزال مجهولة التوجه.
لكن تعليلي الأهم كان متعلقا بما يمكن أن يحصل لو حكمت النهضة حينها حتى لو تصورناها تغلبت على مشكل الخبرة ومشكل التعامل مع الدولة العميقة. فما توقعته من مآل في السياسة الداخلية والسياسة الخارجية هو التعليل الأهم وهو قد حصل فعلا كما توقعته. وكل ما أذكر به هنا مؤثق بالصوت والصورة في ندوة بمركز التميمي فضلا عن نصوص وتصريحات عديدة في المضمار :

  • ففي السياسة الداخلية كان ذلك سؤدي- وقد أدى فعلا-إلى تآكل الرصيد الرمزي واختبار القدرة على الحكم من دون نجاح سابق يسكت المتنمرين والموتورين لأنه يلغي الإشكالية من الأصل. فشتان بين نقد بعد امتحان حقيقي -وهو من جوهر الحياة الديموقراطية-وحكم مسبق لعدم تقديم حساب إيجابي مفحم : لذلك كنت أتصور النجاح في كتابة الدستور وفي الانتخابات التي تليه بعد السنة الوحيدة المخصصة له كان سيمكن الترويكا من تقديم حساب إيجابي مع التعلم طيلة سنة من خلال المشاركة في الحكم دون الاستفراد به. ولما انتهت السنة دون إنجاز استقلت.
  • وفي السياسة الخارجية كان ذلك سيؤدي-وقد أدى فعلا-إلى نوعين من الابتزار الأوروبي والأمريكي بتحريض من عملائهما في الداخل حول شروط المساعدة بدور ما في أمن الضفة الشمالية للابيض المتوسط والتطبيع مع إسرائيل. وكان ذلك سيؤدي حتما إلى نزع متدرج لكل مميزات السياسة التي تمثل الإسلام السياسي بما هو محاولة لبعث الأمة ذات المراكز المتعددة وتونس من أهم مراكز الفكر الإسلامي عامة والتحديثي خاصة.

الخلاصة

لكن -كما قال عبد الرحمن ابن خلدون-ليس للرأي وزن ما لم تكن وراءه عصبية تفرضه فذلك هو منطق السياسة. وبعد محاولات عديدة يئست من كل دور للرأي. والآن صرت أكثر يأسا من سماع الرأي بعد فوات الفوت : فما رفضوه عندما كانوا في وضع العفو عند المقدرة صاروا يفعلون أكثر منه بعد أن أصبح غيرهم يورطهم في ما هو انتحار خالص فضلا عن كونه خطرا على تونس ليس بعده خطر.

ما كتبته اليوم هو للتحذير مما أتوقعه. فالنهضة قد تغامر فتقبل بمقاسمة النداء الحكم كما يشاع في مستهل السنة السياسية بعد الصيف. وما يجري الآن بموافقة صريحة أو ضمنية من النهضة يفيد هذا التوجه. ولا أريد أن أكرر : فالمآل وخيم لأن النهضة تكون بذلك قد انتحرت سياسيا وساهمت في إغراق تونس في حرب أهلية محتومة.
وذلك للعلتين التاليتين :

  • أولا سيزداد التطرف لأن سياسة النداء واليسار ميالة إلى السيسي وحفتر وبشار ومن ثم فالهدف هو دفع الشباب دفعا إلى التطرف ليس بالاستفزاز الإعلامي فحسب بل من خلال ضرب النهضة سياسيا أولا ثم أمنيا . وهم بدأوا القضم والتوريط من خلال الإجراءات التي تمس المساجد والأيمة والجمعيات والكتاتيب وحتى الصلوات في الساحات العامة في الأعياد والتعليم والثقافة وخاصة السياسة الإعلامية الاستفزازية للمؤمنين. والقصد تبرير النقلة من التحجيم السياسي إلى “التقريع” الأمني على طريقة ابن علي وجنرالات الجزائر سابقا والسيسي وحفتر وبشار وصالح حاليا.
  • ثانيا سيصبح حزب المرزوقي دون شك الحزب الثاني في البلد -بدل النهضة-وهو بما يمثله من سذاجة سياسية وعدم روية سيسهل على النداء خطته إذ هو سيعمق الكسر الاجتماعي والمناطقي الذي سيؤدي إلى صراع بين مناطق ندائية ومناطق حراكية فينضاف إلى الصراع العقدي بين الإسلاميين والعلمانيين الصراع الطبقي بين الندائيين والحراكيين. فيتقاطع صراعان كلاهما لا يحسم إلا بالاقتتال وعندئذ ستكون تهمة الإرهاب لا تقتصر على الإسلاميين دون تحديد جغرافي بل هي ستصبح ذات تحديد جغرافي . وعندئذ ستتحول الدولة إلى مناطق مستعمِرة ومناطق مستعمَرة.

خاتمة

كل رجائي ألا تكون توقعاتي للمستقبل بصحة توقعاتي لما كان مستقبلا وصار الآن ماضيا. فكل ما توقعته في هذه الحالة حصل. وآمل ألا يحصل شيء مما أتوقعه للمستقبل. ويمكن تجنب توقعاتي إذا تحررت النهضة من التكتيك وبدأت تأخذ بعين الاعتبار الاستراتيجيات التي تُعد للقضاء عليها وعلى الإسلام السياسي في الإقليم كله وليس في تونس وحدها : وأهم فكرة ينبغي التخلص منها هي فكرة الاستثناء التونسي. هذه كذبة كبرى. تونس مهددة مستقبلا بما لا تحمد عقباه إذا بقينا نتوهم أننا استثناء.



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020