شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

الطريق إلى هافانا – منتصر مرعي

الطريق إلى هافانا – منتصر مرعي
هبطنا في مطار العاصمة هافانا وهذا ليس اسمه بالمناسبة. بضع طائرات في المدرج وحركة ملاحة محدودة بسبب الحصار. وهو مطار صغير في حجمه يتناسب مع الجزيرة الصغيرة، لكنه كبير باسمه.
مجددا أقع في غواية سحر المدينة.. يوميات تشي غيفارا، حكايات الثورة، موسيقى السالسا، السيارات من الطرازات القديمة، رائحة السيجار الكوبي، وضحكات نساء يقال إنهن الأجمل في العالم. ويقدر أن الذي يفتح عيناي على كوبا صديق فلسطيني كنت أظنه أحمقا.

يرتدي أسامة كلما التقيته قبعة تشي غيفارا، ويطوق عنقه بالكوفية الفلسطينية. سافر أسامة إلى كوبا ليصنع فيلما وثائقيا “سوي بالاستينو”، أو أنا فلسطيني. هل للفيلم علاقة بفلسطين؟ حسنا! هذه حكاية أخرى لا أود أن أفسد تفاصيلها، ومنذ ذلك الحين شرعت في التخطيط لزيارة كوبا.

المحاولة الثالثة في أي شيء لا بد أن تكلل بالنجاح. أخفقت مرتين في زيارة كوبا رغم الاستعداد والحصول على التأشيرة. في كل مرة تتعثر المحاولة لسبب ما، ويا للمسافة الطويلة التي تفصلنا على البلد الكاريبي. وإذا كانت 90 ميلا تفصل مدينة ميامي الأمريكية عن كوبا، إلا أن الحصار الظالم المقيم الذي يطوقها جعل من السفر إليها أمرا صعبا.

وكلما أرجأت السفر، كنت أخشى أحد أمرين: أن يغير الاتفاق الوشيك مع الولايات المتحدة وجه كوبا الذي أحب أن أراه كما في مخيلتي، أو أن يموت فيديل كاسترو وتتلاشى معه رائحة الثورة أو تطوى معه حقبة كاملة (بصرف النظر عماه يراه الناس في ها الرجل ثائرا أم مستبدا، فهذا أمر آخر لا أود الخوض فيه).

ولقد أورثتني السينما شيئا من صورة كوبا، وأجملها صورة الثائر الجميل إرنستو غيفارا، أو كما نسميه في كل أنحاء العالم “تشي غيفارا”. وكي أكون صادقا لم أقرأ عن كوبا والثورة سوى القدر اليسير، إما كسلا وإما كي أتجنب وطأة الأفكار المسبقة، فأنا لا أريد أن أفقد لحظة الشعور بالدهشة ورونق النظرة الأولى. 

أقلعت الطائرة من باريس مساء صوب هافانا. قطعنا المحيط الأطلسي ليلا، وأخيرا بعد عشر ساعات لاحت جزيرة كوبا من السماء. يبدو أن قائد الطائرة لم يكن يتعجل الهبوط، يحلق بمحاذاة الساحل كي يترك للراكبين فرصة الاستمتاع بوشاح أخضر ألقته السماء على البحر. 

ها أنا ذا في هافانا، بعد رحلة استمرت أكثر من عشرين ساعة، أتوسط شطري الأرض شمالا وجنوبا، في بلد لم يتوسط السياسية وأنحاز إلى أقصى اليسار. هذا الاختيار جعل من كوبا نصلا حادا في خاصرة الولايات المتحدة. كيف لا وهذا البلد الصغير طوى المسافة الشاسعة عن الاتحاد السوفيتي وجلب العدو المقيم إلى الحدود. وكي لا أتورط بالحديث عن السياسية أريد أن أقول إنه يوجد في كوبا ما يستحق الاهتمام أكثر من هدر الكلمات والانشغال بالكتابة عن نكد العلاقة مع أمريكا.

هبطنا في مطار العاصمة هافانا وهذا ليس اسمه بالمناسبة. بضع طائرات في المدرج وحركة ملاحة محدودة بسبب الحصار. وهو مطار صغير في حجمه يتناسب مع الجزيرة الصغيرة، لكنه كبير باسمه. في معظم دول العالم تسمى المطارات بأسماء المدن أو بأسماء شخصيات سياسية كان لها أثر ما في هذا البلد أو ذاك. أما كوبا فقد منحت مطارها اسم الأديب والشاعر خوسيه مارتي. هكذا تحتفي كوبا بالشعراء الذين تباع دواوينهم على الأرصفة إلى جانب كتب الشعوذة، ويموتون جوعا في بلادنا. 

ولد مارتي لأبوين إسبانيين في كوبا، اختار مقارعة الاستعمار الإسباني في سنوات مراهقته، وانتهى به المطاف سجينا ثم منفيا إلى إسبانيا. قذفته محنته إلى فضاء الحضارة العربية في الأندلس فتأثر بها.

كان معجبا بالعرب إلى حد وصفهم بأنهم “كائنات رشيقة جذابة، تكوّن شعبا هو الأكثر نبلا وأناقة على وجه البسيطة”. قيل إنه لم يزر بلدا عربيا، ومع ذلك سمى ابنه إسماعيل، وحملت مؤلفاته أسماء عربية مثل “عبد الله” و”إسماعيل الصغير”. عاد إلى كوبا محرضا على الثورة حتى قضى نحبه في إحدى المعارك مع المحتل الإسباني. اليوم يخلد ذكرى مارتي مطار كوبا الرئيسي؛ فيكون أول من يستقبل زائر السماء، ونصب في ساحة الثورة لا تخطئه العين.

ومع أني كنت في حضرة الشاعر الجميل، فقد كنت -بدون مبالغة- آخر من يخرج من المطار. كان على ضابط الجوازات التدقيق في تأشيرتي، وأبقاني في الانتظار طويلا! سألته عن السبب فقال إنه يخشى أن تكون زيارتي إلى كوبا ذريعة للعبور منها إلى الولايات المتحدة. فأخبرته بأنني أحمل تأشيرة الولايات المتحدة. ختم جواز سفري فورا وسمح لي بالدخول. 

خرجت من المطار وكان في انتظاري رجل خمسيني أسمر، ممتلئ وهادئ إلى درجة كانت تستفزني أحيانا. لا يعرف من اللغة الإنجليزية سوى مرحبا. كنا متفاهمين في أول المطاف بدون كلام. وصلت إلى سيارته من طراز فولغا زرقاء صنعت في الاتحاد السوفييتي. كانت السيارة عبارة عن خردة بطلاء جديد. يبدو أنها خضعت لعمليات جراحية عديدة كي تنجح في المسير منذ الستينيات وحتى اليوم.

تمنيت ألا يكون هذا حال كوبا التي تعاني عقودا من الحصار. أشرت له بأنني أريد أن أفتح النافذة لاستنشاق الهواء، فناولني مقبضا بيدي كي أضعه في الباب وأفتح النافذة. وانطلق بي خيسوس إلى وسط هافانا. لا تسألوني عن اسم عائلته فلم نتبادل طوال الرحلة أنا وخيسوس (عيسى) سوى كلمات قليلة وضحكات كثيرة. 

وصلت إلى فندق “ميليا كوهيبا” في وسط هافانا. لا أنكر أن اسم الفندق الذي يحمل اسم سيجار “كوهيبا” استهواني للإقامة فيه. كنت حجزت غرفة في الفندق عبر الإنترنت باستخدام بطاقة الائتمان. وعند الدخول طلب موظف الاستقبال الثمن نقدا. فأخبرته أنني دفعت مسبقا؛ لكنه أكد لي أن الحجز مبدئي وأنه يتعين عليّ الدفع نقدا. لم يكن بحوزتي من المال ما يكفي لدفع أجرة الفندق والسيارة والطعام وثمن السيجار الذي أخطط لشرائه.

رفض الفندق التعامل مع أي بطاقة بنكية صادرة عن الولايات المتحدة أو عن أي بنك تمر عملياته المالية عبرها. وهكذا تقطعت بي السبل بدون نقود، واضطررت في اليوم التالي إلى مغادرة الفندق والإقامة في شقة متواضعة أو بالأحرى في غرفة مع عائلة تؤجر جزءا من المنزل للاستعانة بالمال على صروف الدهر. كانت صاحبة المنزل سيدة طيبة وأنيقة للغاية، تسمح لي بالجلوس في الصالة، أو على الشرفة حيث تجتمع وجاراتها ويتبادلن بالإسبانية حديثا لا أفهمه.

لم أعترض كثيرا على حظّي العاثر منذ البداية. فلعلها فرصة سانحة للتعرف على تفاصيل حياة الكوبيين ومعايشتهم عن قرب. وكي أكون صادقا أصبت بالاكتئاب قليلا، سرعان ما تلاشى ذلك عندما غرقت في أحضان هافانا. 
(للحديث بقية..)

لقراءة المقال الأصلي هنا



تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2023