شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

«ذا ديبلومات»: أسباب قلق أميركا من العلاقة بين مصر وكوريا الشمالية.. والاختيار المتوقع

في الثاني والعشرين من أغسطس الجاري، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية قرارها بخفض مساعدات اقتصادية وعسكرية إلى مصر وتعليقها. وفي الوقت الذي ذكر فيه مسؤولون بوزارة الخارجية الأميركية أنّ تدهور حقوق الإنسان في مصر هو السبب الرئيس وراء هذه التخفيضات المفاجئة؛ رأى محللون أنّ العلاقات الاقتصادية والأمنية الوثيقة بين مصر وكوريا الشمالية كانت وراء القرار المفاجئ. 

وقالت مجلة «ذا ديبلومات» إنّ تاريخ علاقة الصداقة بين مصر وكوريا الشمالية، خصوصًا في إطار التعاون العسكري، هو ما قد يقلق واشنطن من مصر. لماذا؟

تقول المجلة، بحسب ما ترجمت «شبكة رصد»، إنه على الرغم من أنّ مصر كانت حليفًا رئيسًا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ السبعينيات؛ فإنها لا تزال شريكة تجارية رئيسة لكوريا الشمالية في العالم العربي. ويمكن تفسير الروابط الوثيقة بين مصر وكوريا الشمالية بعلاقات تاريخية ولدت من تجارب الحرب الباردة المشتركة بين البلدين كحلفاء سوفيتيين غير منحازين، إضافة إلى مصلحة الجيش المصري منذ زمن طويل في شراء التكنولوجيا العسكرية الكورية الشمالية.

وعلى الرغم من أن السياسة الخارجية المصرية خضعت إلى إعادات تنظيم منذ تولي جمال عبدالناصر السلطة في عام 1952، ظلّت العلاقة الوثيقة بين القاهرة وكوريا الشمالية سمة ثابتة لاستراتيجية آسيا والمحيط الهادئ في مصر منذ فجر الحرب الباردة؛ فاستمرار العلاقات الودية بينهما يمكن تفسيره بعضوية البلدين في حركة الاستقلال (NAM)، إضافة إلى التضامن المشترك مع الاتحاد السوفيتي في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

وكشفت مشاعر «جمال عبدالناصر» المعادية للغرب نفسها بطريقة مذهلة في أزمة السويس عام 1956؛ إذ حظي قرار مصر بتأميم القناة بدعم كبير من كوريا الشمالية. وبعد أنّ نجح ناصر في مواجهة العدوان الثلاثي على مصر، أمدّ زعيم كوريا الشمالية مصر بمساعدات مالية، وحتى لو كانت صغيرة؛ لكنها أثبتت تضامنها مع موقفه المتحدي للإمبريالية الغربية.

تقول المجلة إنّ وقوف كوريا الشمالية مع مصر في أزمة السويس مهّد الطريق أمام تحالف معزز بين القاهرة وبيونج يانج في الستينيات، وفي عام 1961، وصل وفد دبلوماسي كوري شمالي إلى مصر بهدف إقامة علاقات قنصلية. ومن أجل تعزيز المواءمة مع القاهرة، قدّم صُنّاع السياسة في كوريا الشمالية دعمًا دبلوماسيًا لجهود مصر الرامية إلى دفع القوات البريطانية إلى الخروج من جنوب اليمن، وأدانوا بشدة السلوك الإسرائيلي في حرب الأيام الستة لعام 1967. وأدت هذه الإجراءات إلى زيادة الثقة بين مصر وكوريا الشمالية، وشجعت أكبر قائد للقوات الجوية المصرية «حسني مبارك» على تجنيد الطيارين الكوريين الشماليين لمساعدة مصر في جهودها الحربية ضد «إسرائيل» في عام 1973.

ونجت الشراكة الدبلوماسية بين مصر وكوريا الشمالية بسبب استمرار الاتصالات بين قادة البلدين، إضافة إلى المصالح الاقتصادية المشتركة. وأدى إنشاء اتصالات شخصية بين الحكومتين المصرية والكورية الشمالية، التي عززتها الزيارات الأربع لمبارك إلى بيونج يانج في الفترة من 1983 إلى 1990، إلى وضع الأساس للاستثمارات المصرية اللاحقة في الاقتصاد الكوري الشمالي.

وكان أبرز ما أظهرته القاهرة لاستعدادها للاستثمار في كوريا الشمالية مساعدة شركة أوراسكوم العملاقة في مجال الاتصالات السلكية واللاسلكية في تأسيس شركة كوريولنك الكورية الشمالية، وهي شبكة الجيل الثالث الوحيدة للهاتف المحمول في كوريا الشمالية، في عام 2008. وأبرزت هذه الصفقة إمكانية إقامة روابط اقتصادية متبادلة المنفعة بين البلدين، كما ساهمت زيارات «ساويرس» اللاحقة لبيونج يانج في زيادة الاستثمارات المصرية في الاقتصاد الكوري الشمالي.

وعلى الرغم من الاضطرابات السياسية التي أعقبت الإطاحة بمبارك في عام 2011، ظلت الشراكة الاقتصادية بين القاهرة وبيونج يانج ثابتة دون تغير؛ إذ بقي ميناء بورسعيد نقطة شحن حاسمة لصادرات الأسلحة الكورية الشمالية إلى إفريقيا، وأيّد عبدالفتاح السيسي سياسة أسلافه تجاه كوريا الشمالية ورفض فرض عقوبات الأمم المتحدة عليها.

التكنولوجيا العسكرية 

بالإضافة إلى الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية والعلاقات التجارية القيّمة مع كوريا الجنوبية، اعتبر صُنّاع السياسة المصريون أن كوريا الشمالية المورد الحاسم للتكنولوجيا العسكرية منذ السبعينيات؛ ومن أجل مكافأتها على مساهماتها في جهود الحرب المصرية عام 1973، أذن الرئيس أنور السادات ببيع صواريخ «سكود-B» السوفيتية الصنع إلى كوريا الديمقراطية من 1976 إلى 1981، وردّ الجيش الكوري الشمالي بتقديم المساعدة التقنية لجهود إنتاج «سكود B» في مصر.

وعلى الرغم من إقامة سلام بارد بين مصر و«إسرائيل» عام 1979، وتحالف معزز بين الولايات المتحدة ومصر تحت رئاسة حسني مبارك؛ لا تزال القاهرة من كبار المشترين للتكنولوجيا العسكرية الكورية الشمالية. ويمكن تفسير قرار مصر بالحفاظ على العلاقات الأمنية مع كوريا الشمالية بعاملين استراتيجيين:

أولًا: ساعدت حكومة كوريا الشمالية في تدريب العلماء المصريين على إنتاج أنظمة الصواريخ الخاصة بهم، مقابل إمدادها بالعملة الصعبة من القاهرة. وتساعد اتفاقية تجارة العملة هذه على الحد من اعتماد مصر على واردات الأسلحة الأجنبية، وتسمح لمصر بتحديث جيشها دون الاعتماد فقط على الولايات المتحدة وروسيا.

واستفادت صناعة الصواريخ في مصر بشكل خاص من الروابط العسكرية الوثيقة مع كوريا الشمالية. ففي التسعينيات، تعززت قدرات مصر الدفاعية بشراء مبارك صواريخ «سكود-c» من كوريا الشمالية. وشجعت هذه المشتريات العلماء من كوريا الشمالية على مساعدة برنامج إنتاج هذه الصواريخ في مصر في أواخر التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

وفي الآونة الأخيرة، تسببت تجارب الصواريخ الباليستية الإيرانية في أن يعبّر المسؤولون العسكريون المصريون عن اهتمامهم بشراء أنظمة صواريخ أرض جو جديدة لأغراض دفاعية، وفي الوقت الذي تواصل فيه كوريا الشمالية تصدير أنظمة الدفاع الجوي وتكنولوجيا الصواريخ الموجهة عبر الأقمار الصناعية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى، ظهرت كوريا الشمالية مرة أخرى شريكًا أمنيًا مفيدًا للقاهرة؛ إذ تسعى مصر لمساعدة حليفتها الرائدة عسكريًا ضد إيران.

ثانيًا: زاد استمرار رفض مصر قبول التفتيشات الدولية الشاملة لبرنامجها للطاقة النووية من مخاوف واشنطن من إمكانية سعي مصر إلى برنامج الردع النووي الخاص بها؛ على الرغم من التزام مبارك الخطابي بإقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط.

وبما أن الولايات المتحدة وروسيا تعارضان شراء مصر للأسلحة النووية، يمكن لكوريا الشمالية أن تكون مورّدًا مفيدًا للمواد النووية لمصر إذا سعت إلى إحياء برنامجها لتخصيب اليورانيوم. كما يعتقد محللون دفاعيون أنّ تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة ومصر في وجود السيسي يزيد من خطر شراء مصر رادعًا نوويًا خاصًا بها؛ وبالتالي قرار ترامب بخفض المساعدات لمصر يمكن أن يقنع السيسي بتوسيع الشراكة الدفاعية الطويلة الأمد مع كوريا الشمالية.

وستؤكد هذه النتيجة أنّ العقوبات الدولية المفروضة على كوريا الشمالية بلا فعالية، وستؤدي إلى رد فعل سياسي عميق ضد استخدام ترامب الدبلوماسية القسرية مع مصر.

وعلى الرغم من أنّ الولايات المتحدة حليف رئيس لمصر منذ أربعة عقود، رفضت مصر التخلي عن الشراكة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية القائمة منذ زمن طويل مع كوريا الشمالية. وبالتالي، قرار ترامب المفاجئ بخفض المساعدات الخارجية لمصر يترك للسيسي اختيارًا غير مريح بين التذرع على مضض للمطالب الأميركية والمخاطرة بتعليق طويل الأمد للشراكة الأمنية بين واشنطن والقاهرة.

المصدر



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية