شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

«ميدل إيست آي»: كرة القدم في مصر تحكمها السياسة ورأس المال.. والجماهير ضحية الأندية

أولتراس أهلاوي - أرشيفية

في منطقة المرج، أعدّت «حفصة» أطعمة لنجلها أحمد، أحد المشجعين الـ235 المقبوض عليهم عقب مباراة الزمالك وأهلي طرابلس الليبي في ستاد برج العرب بالإسكندرية في يوليو الماضي.

أحمد يبلغ من العمر 24 عامًا، عضو في «الوايت نايتس»، أحد أكبر روابط المشجعين في مصر، والآخر ألتراس أهلاوي، وهما رابطتان اشتبكتا مع الشرطة مرات عدة منذ ثورة يناير 2011، ومن المقرر أن يحاكم أحمد ورفاقه في 26 أكتوبر الجاري بتهمة الاعتداء على الشرطة وحيازة ألعاب نارية.

اضطرت «حفصة» دائمًا إلى رشوة فرد أمن لتتمكن من إدخال الطعام إلى نجلها في السجن، الذي يبعد عن محل إقامتها أربع ساعات، تستقل فيها ميكروباصًا. وأثناء توجهها لزيارته، توقف السائق مرة في وسط الطريق، وعندما استفسر الركاب عن السبب قيل لهم إنّ «الرئيس سيلتقي اليوم بالمنتخب المصري عقب تمكنهم من التأهل لمونديال روسيا 2018».

بعد فوز المنتخب المصري عمّت الاحتفالات أنحاء البلاد، وجاب آلاف المواطنين الشوارع حاملين الأعلام المصرية، ونزل بعضهم إلى ميدان التحرير، الذي عجّ بقوات الأمن حينها. وعلى الجانب الآخر، بعد تكريمهم، حصل كل لاعب على مبلغ مليون ونصف مليون جنيه لكلٍ منهم.

السيسي مع المنتخب

وقال لهم السيسي: «تمكّنتم من إسعاد مائة مليون مصري في ساعة ونصف فقط».

لكن، وسط هذه الفرحة العارمة، هناك أمهات كحفصة وأسرٌ لديهم ابن أو قريب أو صديق اُعتُقل أو قتل في الحوادث الأخيرة المتعلقة بكرة القدم، التي سُيّست مرة أخرى بعد وصول عبدالفتاح السيسي إلى الحكم.

تقول حفصة: «يوجد عشرات الأطفال في السجون، بينما يحصل اللاعبون على تكريم وجوائز مالية. من أعماق قلبي لم أكن أتمنى لهم الفوز، لم أرد أن يفوزوا و235 طفلًا خلف القضبان بسبب كرة القدم».

العداوة بين الأولتراس والأمن

نشأت رابطة الأولتراس في عام 2007 تحت راية كرة القدم، كانت بمثابة منفذ للمعارضة الشجاعة والمتسامحة، وغالبًا ما اصطدمت مع الشرطة بعد مباريات. لكن، باندلاع ثورة 25 يناير، اشتركت في الثورة وانضمت إلى كبرى الاحتجاجات؛ باعتبارها واحدة من كبرى الروابط وتضم مليوني مشجع، وواجهت بالفعل الشرطة المصرية في الشوارع.

ومنذ ذلك الحين، تصاعدت العداوة بين الأولتراس وقوات الأمن، ودخلوا مع بعضهما في اشتباكات، وأخذت الرابطة مواقف مناهضة للجيش، وكثيرًا ما تباهت بانتصاراتها على السلطات في الثورة، وبلغ التوتر ذروته في فبراير 2012 بعد انتهاء مباراة الأهلي والمصري في بورسعيد، ووقعت أحداث الشغب التي عرفت باسم «مذبحة بورسعيد» وقُتل فيها 47 فردًا وأصيب قرابة 500.

بينما اتهم المشجعون قوات الجيش والشرطة بالتنسيق للسماح بحدوث المجزرة، ومن أصل 73 متهمًا في الأحداث، كان هناك تسعة فقط من رجال الشرطة ومسؤولين اثنين من النادي المصري؛ وحكم على اثنين من ضباط الشرطة ومسؤول بالنادي بالسجن خمس سنوات، وحصل البقية على براءة.

وفي فبراير 2015، قبل مباراة الزمالك وإنبي باستاد الدفاع الجوي بالقاهرة، قتل 20 من الوايت نايتس في أحداث التدافع بعد حبسهم في قفص حديدي وإطلاق الشرطة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي عليهم. ويعتقد مشجعون أنهت استهدفهوا عن قصد. وفي الوقت نفسه، حمّلت الحكومة الإخوان المسلمين والوايت نايتس مسؤولية الحدث. وفي نهاية المطاف، لم يحاكم إلا المدنيون أيضًا؛ ما أثار غضب الأولتراس، الذين يعتقدون أنهم لا يزالون هدفًا لمحاولات الدولة للقضاء عليهم.

وبعد شهرين حُظرت روابط الأولتراس وصُنّفت على أنها جماعة محظورة، وهي التهمة التي غالبًا ما توجه إلى التنظيمات السياسية.

«نرشي أفراد الأمن لإدخال الطعام»

بعد مباراة الزمالك والأهلي الليبي في ستاد برج العرب بالإسكندرية، قُبض على قرابة 260 مشجعًا للزمالك. والاستاد مملوك للجيش، وأُرسل 235 من المقبوض عليهم إلى النيابة للتحقيق معهم، واتهمتهم بالانضمام إلى جماعة أسست على خلاف القانون، واستخدام العنف، والتحريض على الفتنة، ومقاومة ضباط الشرطة وإصابتهم.

ونادرًا ما يستطيع المحامون الحصل على أوراق القضايا أو أقوال موكليهم أو تحديد طبيعة التهم الموجهة إليهم، كما مُنعوا حينها من رؤية موكليهم أثناء وجودهم في مديرية أمن الإسكندرية بعد القبض عليهم.

بينما يقضي أسر المعتقلين أيامًا خارج سجن برج العرب، الشديد الحراسة وسط الإسكندرية؛ من أجل رؤية أولادهم، أو اضطرارهم لرشوة أفراد الأمن من أجل إدخال الأطعمة لأبنائهم.

ليلة مباراة صعود مصر لكأس العالم، انتظرت «دينا»، شقيقة معتقل، لتهريب الطعام إلى شقيقها داخل السجن. وكانت تستمتع حينها للمباراة عبر الراديو، الذي تجمع حوله مجندون لمتابعة المباراة، ومن داخل الراديو، يخرج صوت المعلق الرياضي مدحت شلبي متحدثًا عن الحشود الجماهيرية ووجود رجال الجيش والشرطة للتأمين.

لكنّ «دينا» لا تزال واقفة خارج أبوب السجن مندهشة، قائلة لنفسها: «لا أصدق أنّ الناس أصبحوا متحمسين أكثر لأجل مباراة»، وتضيف: «ثمة أشخاص يموتون في السجن لأنهم فقط أرادوا مؤازرة فريقهم، إنهم ينسون مشاكلهم: الفقر والغاز، وأسعار الوقود، والمواد الغذائية، وخراب البنى التحتية؛ بينما مباراة كرة القدم لن يستفيد منها ماليًا سوى حفنة قليلة».

رأس المال والسياسة وكرة القدم

من المقرر أن تجني الوكالات الإعلانية وشركات الإعلام والسياحة والكيانات الرياضية كثيرًا بعد تأهّل مصر لمونديال روسيا 2018؛ إذ يقول موظف في وكالة إعلان: «فكّر في أيّ منتج تستطيع بيعه والإعلان عنه في حدث مثل هذا: الأقمشة والوجبات السريعة والضروريات وغيرها، الشركة التي تعلن في حدث مثل هذا تجني كثيرًا من الأموال».

حتى قبل المباراة بأيام، أطلقت شركات مثل بيبسي وفودافون وأورانج حملات إعلانية موسعة، مستغلة قرب قدوم هذا الحدث من أجل تسويق خدماتها ومنتجاتها، وهي نزعة استهلاكية بلا شك، مقترنة تمامًا بتسييس اللعبة.

ويضيف الموظف: «علينا أن نفهم أنّ كرة القدم بمثابة منجم ذهب للشركات الرأسمالية والأعمال الإعلامية لكرة القدم. إنها مثل حرب بين شركات تصنيع الأسلحة؛ خاصة في دولة من العالم الثالث لا توزع فيها الثروة بشكل عادل».

ويقول «أبو ماهر»، والد عضو في الأولتراس محكوم عليه بالسجن بتهمة تدمير الممتلكات العامة وإلقاء الحجارة على قوات الشرطة، إنّ ما يجعله غاضبًا حقًا هم اللاعبون، مضيفًا: «كيف يستطيعون مواصلة اللعب دون الضغط على إداراتهم للتدخل من أجل المعتقلين؟».

لكنه عاد ليؤكد سريعًا أنهم في موقف صعب: «لا ألومهم؛ فهذا جزء من نظام القمع»، معربًا عن أسفه لقرار نجله الانضمام إلى تشجيع كيانات رياضية أو نوادٍ، فيقول: «أضرب نفسي بالحذاء ألف مرة لتركي نجلي، أنا أفقده الآن، كل ما فعله هو الحضور للمباراة. بالرغم من أنّي سعيد بأنه لم يمت؛ إلا أنني لا أتحمل فكرة قضائه أفضل أيام حياته بالسجن».

تساؤلات المشجعين

مع زيادة الحملات القمعية الممارسة ضدهم، بدأ المشجعون التشكيك في فائدة الهتاف لفرقهم المفضلة، وقال عبدالوهاب (مشجع) إنه توقّف تمامًا عن الاهتمام بكرة القدم بعد مذبحة بورسعيد: «كانت كارثة بالنسبة لي أن أرى 70 شخصًا قتلوا بدم بارد، بينما اتهمت الحكومة سكانًا محليين وزجّت بهم في المحاكمة لرفع الحرج عنها، والحدث الأكثر رهبة اللامبالاة التي انطبعت على اللاعبين واستمرارهم في لعب المباراة».

«في أي بلد متحضر، قتل 70 شخصًا يستوجب تقديم المسؤولين إلى المحاكمة فورًا. لكن، في مصر لم يُحاكم شرطي واحد أو ضابط كان مشاركًا في الحدث».

وقال مصعب (30 عامًا)، عضو في الأولتراس، إنه شاهد مباراة كأس العالم وشعر بالسعادة؛ لكنه لم يتمكن من النزول للاحتفال في الشوارع: «كيف أحتفل وأصدقائي في السجن؟!».



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020