شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

«أسامة جاويش» يكتب: الغنوشي المفترى عليه

راشد الغنوشي

عزيزي القارئ، إليك قواعد الصحافة الثلاث في زماننا هذا: لا تصدق خبرا نشره موقع اليوم السابع في مصر.. لا تثق في عنوان كتبته قناة سكاي نيوز الإماراتية.. لا تعتمد على تقرير أذاعته قناة العربية السعودية.

هذا ليس تجنيا أو انحيازا ضد تلك القنوات والصحف المذكورة ولكنه إقرار لواقع مرير عانت منه دول عربية كثيرة في العقد الأخير، ساهمت تلك الوسائل الإعلامية في القضاء على ثوراتها ودفعت فيه الشعوب العربية من دمائها وحريتها وديمقراطيتها ثمنا باهظا لأكاذيب وافتراءات وتحريض تلك القنوات والصحف التي حددت بوصلتها منذ اليوم الأول لانتصار الثورة التونسية وما أعقبها من انتصار للثورة المصرية.. بوصلة صنعت داخل ديوان حكم أولاد زايد في أبو ظبي، وأشرف على برمجتها وتمويلها القصر الملكي في الرياض من الملك عبد الله مرورا بأخيه سلمان وصولا لولي عهده محمد بن سلمان، وقام بتنفيذها وتحريكها قصر اتحادية الجنرال العسكري عبد الفتاح السيسي في مصر.

قرأت قديما عن فن صناعة الكذب، وكيف يمكنك الكذب باحترافية بالغة دون أن يتم كشفك أو افتضاح أمرك، ولكن مع محور الثورة المضادة لم يعد هناك داع للفن أو الصناعة وإنما بات الكذب جهارا نهارا، بضغطة زر من محمد بن زايد يمكنك أن تقرأ نفس الخبر بنفس الصياغة مع إضافة كلمة أو حذف كلمة في منابر إعلامية إماراتية وسعودية ومصرية في آن واحد، وبمكالمة هاتفية من محمد بن سلمان يمكنك أن تتابع آلاف التغريدات على موقع التغريدات المصغر تويتر تتحدث في آن واحد عن نفس الشيء وتهاجم نفس الشخص وتطعن في ذمة وسمعة أحد رموز الثورة في هذا البلد العربي أو ذاك.. أما فيما يخص السيسي فهو المستمع المنفذ لتوجيهات أبو ظبي والرياض وما عليه إلا أن ينقلها لجيشه الإلكتروني وأذرعه الإعلامية داخل مدينة الإنتاج الإعلامي والبقية معروفة للجميع.

الضحية الجديدة لمحور الثورة المضادة هو الشيخ راشد الغنوشي رئيس البرلمان التونسي وزعيم حركة النهضة التونسية الذي نالته سهام أبو ظبي ـ الرياض ـ القاهرة على مدار الأيام الماضية في حملة شرسة استهدفت الغنوشي بشخصه دون حزبه، طعنوا في ذمته المالية بعيدا عن أدائه السياسي، شككوا في زياراته الخارجية واتهموه بالعمالة لتركيا دون الالتفات لصفته البرلمانية التي تمنحه هذا الحق في زيارة الدول ولقاء مسؤوليها بشكل معلن ورسمي، أطلقوا سهامهم نحو الشخص للنيل من المشروع ككل، يحدث ذلك بالتزامن مع تحركات لبعض أذرعهم داخل المشهد التونسي حتى تتحدث قنواتهم بلسان المعارضة المقهورة والمطالبات الشعبية الرافضة للنهضة في إعادة لمشهد قديم حديث يتجدد مع كل ثورة مرة أو مرتين، وشاهدناه في مصر بعد انتخاب الرئيس الراحل محمد مرسي وحتى الانقلاب عليه في تموز (يوليو) 2013، وهذا ما اعترف به عمرو أديب في إحدى حلقاته على الهواء مباشرة في برنامج كل يوم الذي كان يذاع على فضائية أون عندما قال “ما تفعله القنوات الأمريكية مع دونالد ترامب هو ما كنا نفعله بشكل يومي مع محمد مرسي بالضبط عن طريق السخرية والتقليل من شأنه، ومحاولة هز صورته، والبحث دائما عن الثغرات في حياته الشخصية”.

ما قاله عمرو أديب هو ما تم مع أبناء مرسي باتهامهم زورا بالفساد واستغلال نفوذ والدهم كرئيس في الالتحاق بوظائف مرموقة، ما اتهموا به زوجته أيضا بأنها تطلب أفخر أنواع الماكولات داخل قصر الرئاسة ليتبين كذبهم وأن زوجة مرسي لم تغادر منزلها المستأجر في التجمع الخامس.

سياسة الاغتيال المعنوي للشخصية هي سياسة معروفة ومتداولة ولكنها تصبح أكثر خطرا عندما تتبناها الدول بمؤسساتها وأجهزتها ووسائل إعلامها فيصبح صدى صوت التشويه والكذب والطعن لهذه الشخصية أعلى وانتشاره على نطاق أوسع، ومع تكراره بشكل يومي وفي منابر مختلفة بأشكال متعددة تصبح الإطاحة بهذه الشخصية أو الانقلاب عليها أو حتى قتلها أمرا مستساغا من قبل العامة قبل الخاصة.

السؤال هو لماذا قرر محور الثورة المضادة في هذا التوقيت تحديدا محاولة الاغتيال المعنوي للغنوشي وإعادة تدوير اتهامات النهضة بأنها ذراع جماعة الإخوان المسلمين في تونس كما وصفها مصطفى بكري الذراع الإعلامي المصري عبر حسابه على تويتر؟

باختصار شديد كلمة السر هي ليبيا، ويبدو أن ثلاثي الشر لم يتحملوا هزيمتهم المتمثلة في رد حفتر على يد حكومة الوفاق، أضف إلى ذلك أن تونس هي آخر أعمدة التجارب الناجحة من ثورات الربيع العربي ما يعطي بصيص أمل لجيرانها في مصر وليبيا وفي دول الجوار الأخرى.

قد تختلف مع راشد الغنوشي سياسيا، وقد تمتلك ملاحظات على أدائه كرئيس للبرلمان، ولكنك لا يمكنك إلا أن تتعاطف مع الغنوشي المفترى عليه، فالرجل وفقا لما وثقته الرقابة الرسمية في تونس لا يمتلك إلا سيارة متوسطة الحال وبيتا بسيطا اشترى أرضه في سبيعنيات القرن الماضي واستغرق بناؤه عشر سنوات واسترده الغنوشي بعد الثورة التونسية بعد استيلاء نظام بن علي عليه لمدة عشرين عاما.

إن كان من حاجة لسؤال “من أين لك هذا؟” فاسألوه لولي العهد السعودي محمد بن سلمان من أين اشترى اليخت وصورة دافنشي المزيفة.

كتبه: أسامة جاويش



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020