شبكة رصد الإخبارية

عبدالرحمن يوسف: القرضاوي والسياسة والتطبيع

والدي فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله ونفع به.. رجل مهتم بالشأن العام منذ طفولته، جيله كله هكذا.. جيل مسيّس بامتياز، سُجن وهو ما يزال مراهقا غضا في العهد الملكي.. إلمامه بالشأن السياسي المحلي والإقليمي والعالمي واسع، فقد سافر وتجوّل في العالم كله، وشاهد أحوال الناس والبلدان رأي عين.. رأى الكوكب بطوله وعرضه.. ظل عشرات السنين ينشر دعوته في الأرض، زار عشرات الدول، كنت دائما أسائله مازحا: «ما هي الدول التي لم تزرها يا مولانا؟»!

لذلك.. يستطيع المرء أن يتفهم إدلاءه برأيه في الشأن العام.. صحيح أنني ما زلت أرى أننا بحاجة لوضع بعض الحدود التي توضح الفارق بين ما هو سياسي وما هو ديني.. ولكنني في النهاية أتفهم معنى أن يقضي الإنسان حياته مهتما بالشأن العام.. سواء كان فقيها أو قسيسا أو شاعرا أو ممثلا أو راقص باليه!

ولكن أعجب ما أتعجب له، هو هؤلاء الذين يعتبرهم البعض مشايخ وعلماء، ولم يتحدثوا في السياسة طوال أعمارهم، وفجأة أستدعتهم أجهزة المخابرات ليبرروا التطبيع مع إسرائيل، أو ليحللوا قتل المتظاهرين في الشوارع، أو ليشرحوا للجماهير الفوائد الدينية والدنيوية المترتبة على تعديل الدستور.. بحيث يتسنّى للملك أو الرئيس أن يفعل ما يريد، وقتما يرد، كيفما يريد.. دون حساب أو عقاب.. هؤلاء علماء السلطان، وإذا كانوا شعراء فهم شعراء السلطان، وكذلك إذا كانوا أطباء أو مهندسين أو لاعبي كرة.. فهم أذناب السلطان أيا كان موقعهم.

هؤلاء لا يمكن أن يتفهم المرء إدلاءهم بآرائهم في الشأن العام، فلم يعرف لهم اهتمام بالموضوع، كما أنهم في الحقيقة ليس لهم رأي، بل يرددون ما يأمرهم به ضابط المخابرات المكلف بمتابعتهم.

وُلِدْتُ في مدينة الدوحة.. تلك المدينة الهادئة الجميلة.. لا أدري هل وهبت المدينة طيبتها لأهلها؟ أم اكتسبت الدوحةُ الطيبةَ من أهلها الكرام؟

في تلك المدينة.. في ثمانينيات القرن الماضي.. كانت قضية أفغانستان مشتعلة، وأذكر أن الزعيم الأفغاني «عبد رب الرسول سيّاف» ألقى محاضرة في الدوحة «قلبت الدنيا» كما يقولون.

كان تعاطف الناس مع القضية كبيرا، وكان تعاطفا «إسلاميا» بحتا، فعلت الأصوات بضرورة التطوع للجهاد في أفغانستان (المقصود الجهاد بالنفس، لا بالمال)، وهبّ كثير من الشباب بالفعل، وذهبوا للجهاد في أفغانستان، واستشهد بعضهم..

في تلك الفترة راجت بعض الفتاوى، فتاوى شعبوية، تستثمر حالة التعاطف تلك لتقول للناس إن الجهاد «بالنفس» في أفغانستان «فرض عين» على كل مسلم مستطيع، وأن العدو إذا نزل ببلدة مسلمة وجب على كل مسلم حمل السلاح، والخروج للقتال فورا، وأنه يجوز للمدين الخروج بلا إذن دائنه، ويجب على الأبناء الخروج للجهاد دون إذن آبائهم.. وغير ذلك من المبالغات التي راجت رواجا شديدا بين الشباب المتدين في تلك الفترة (في قطر، وفي كثير من دول العالم الإسلامي).. طبعا تبيّن بعد ذلك أن آل سعود كانوا يشجعون هذا التوجه ويموّلونه.

كانت الفتوى التي ترضي الأنظمة في هذه الأيام هي التي توجب الجهاد في أفغانستان، فتبارى فقهاء دولة آل سعود في إصدار الفتاوى التي تقول إن الجهاد في أفغانستان «فرض عين» على كل مسلم، وخرج آلاف المقاتلين من أبناء المملكة والدول الإسلامية إلى أفغانستان، وكان المسؤول عن جمع التبرعات لهذا المجهود الحربي هو الأمير سلمان، أمير الرياض (الملك سلمان حاليا)!

في هذه الأجواء طلب أحد هؤلاء المشايخ الذين يروجون لوجوب الجهاد في أفغانستان زيارة أبي، فدعاه أبي إلى مجلسه.. كان الهدف من الزيارة «مناظرة الشيخ» و«إقناعه» بالحكم الشرعي «الصحيح»!

حضرت تلك الجلسة.. كان عدد الحاضرين محدودا، وكانت في منزلنا في فريق بن محمود، وما زلت أذكر ما حدث جيدا.

بدأ الضيف بالحديث.. فتحدث عن فضل الجهاد، وفضل الشهادة في سبيل الله، تحدث لما يقرب ربع ساعة بشكل مؤثر.. وبكى بعض الحاضرين حين ذكر كرامات المجاهدين في أفغانستان، كل ذلك والوالد حفظه الله ساكت.. وظل ساكتا ساكنا حتى أنهى الرجل حديثه.

بعدها تحدث.. فشرح لهذا الرجل أن فضل الجهاد ثابت، وهو ذروة سنام الإسلام، وأن الشهادة منزلة عظمى.. والشهيد يغفر له كل ذنب إلا الدَّيْن، ولكن ذلك كله لا علاقة له بحكم الجهاد في أفغانستان!

فقاطعه الرجل.. وقال كلاما عجيبا خلاصته أننا ينبغي علينا أن نقول للناس إن الجهاد فرض عين لكي نرغبهم في الجهاد، وأن كثيرا من الناس ربما لن يذهبوا للجهاد إذا لم نقل لهم إنه فرض عين!

هنا غضب الشيخ.. وشرح لهذا المدّعي أن ذلك تزوير لدين الله مستشهدا بآيات وأحاديث مثل قوله تعالى في سورة الأحزاب: «ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُۥ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًا»، وكيف أن الفقيه الحق لا يغير أحكام الله لأي سبب، وأن تلك النوايا الطيبة كم أدت بأناس إلى وضع أحاديث، وإلى تغيير أحكام فقهية، وأن الانجراف خلف تلك الأمور يصل بكثيرين إلى الضلال المبين.

وظلت فتوى الشيخ في شأن الجهاد في أفغانستان منذ بدأ الغزو الروسي وحتى هزيمته كما هي، فالجهاد هناك فرض عين على أهل أفغانستان فقط، والواجب على الدول الإسلامية الوقوف معهم بالسلاح، وبالدبلوماسية، ويجب على الشعوب المسلمة دعمهم بالمال والدعاء وكافة أشكال الدعم.. ومن أراد أن يذهب للجهاد بنفسه من غير أهل أفغانستان.. فليذهب، ولكن ذلك ليس فرض عين عليه.

كانت تلك الجلسة درسا عظيما.. وكيف أن أهل الرأي لا ينبغي لهم أن يتأثروا أبدا بالهياج الشعبوي في أي قضية، وكيف أن العالم لا ينبغي أن يخلط بين العواطف المتغيرة والحكم الثابت، وكيف يقف الفقيه عند حدود الله حتى لو لم تكن على هوى الحاكم أو هوى العوام.. ومع الوقت تغير هوى الحكام.. وتغير مزاج الغوغاء، وما كان بالأمس جهادا.. أصبح بعد ذلك إرهابا!

والحقيقة أن تلك الجلسة أظهرت لي أسلوبين في التفكير، ومنهجين في الحياة.. المنهج الأول هو منهج الراسخين في العلم، الذين لا يخافون في الله لومة لائم.. والمنهج الثاني منهج الذين يتلاعبون بالأحكام لأهوائهم (أيا كانت.. في الخير أو الشر)..

العجيب أن بعض وسائل إعلام الثورة المضادة اليوم تستغل ضعف ذاكرة الناس، وتروّج لأكاذيب ومغالطات، فتتهم الشيخ القرضاوي بأنه يجلس مرتاحا في بيته هو وأبناؤه، بينما يلقي بأبناء البسطاء في أتون معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل.. من فلسطين إلى أفغانستان.. متجاهلين أن ذلك لم يحدث.. ومتجاهلين أمورا أخرى لا ينبغي أن نقولها.. فلسنا من الذين يزكون أنفسهم!

في أمور السياسة.. تعوّدت أن أشاهد على وسائل التواصل الاجتماعي صورة لوالدي حفظه الله.. يقف فيها وبجواره بعض حاخامات اليهود بزيّهم الديني المتميز، تعوّدت أن أقرأ تعليقات اللجان الإلكترونية التي تنشر هذه الصورة وهي تشكك في دينه، وفي ولائه للأمة، وكيف أنه رجل «عميل» للاحتلال، وللماسونية العالمية.. ساء ما يحكمون..

الصورة ليس فيها ما يعيب.. بل العيب على من نشرها مع أكاذيب تافهة.. فالصورة لمن لا يعلم كانت للشيخ القرضاوي حفظه الله وهو يستقبل بعض الحاخامات اليهود من أعضاء حركة «ناطوري كارتا»، وهي حركة يهودية حريدية تأسست عام 1935م، أي قبل إعلان دولة الكيان الصهيوني، وهي حركة مقاومة للصهيونية بكل أشكالها، وتعارض وجود دولة «إسرائيل» من الأساس، وتنادي تلك الحركة بخلع أو إنهاء سلمي للكيان الإسرائيلي، وإعادة الأرض إلى الفلسطينيين.

لحركة «ناطوري كارتا» (ومعناها حراس المدينة) منطلق ديني توراتي يعتمد على أن اليهود ممنوعون من إقامة دولتهم حتى مجيء المسيح.

ستجد صورا لكثير من رموز المقاومة مع هؤلاء الحاخامات، وستجد هؤلاء الحاخامات يرتدون الكوفية الفلسطينية بلا أي حرج.. فزعيم هذه الطائفة خدم كوزير لشؤون اليهود في عهد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات على سبيل المثال، واشترك عضوان من هذه الطائفة في الصلاة على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في باريس.

وما زال حتى اليوم تشويه الشرفاء مستمرا باستخدام هذه الصور!

أتعجب كيف سيتصرف الآن غلمان دولة «المؤامرات» مع هذه الصورة؟

لقد أصبحوا هم الآن في قفص الاتهام.. وها نحن نراهم يزينون أبناءهم بأعلام «إسرائيل»!

العجيب أن اسم القرضاوي في الأيام الماضية كان غائبا تماما عن الساحة، فتبرير التطبيع اقتضى استحضار أسماء أخرى ممن يحسبون من أهل العلم، ولكنهم لا يفقهون الكثير في «فقه الواقع»، ولم يكونوا في يوم من الأيام مهتمين بالشأن العام (وأظن القارئ الحصيف يعلم عمن أتحدث).

لذلك ستجد فتاوى هؤلاء في أمر التطبيع كلاما لا علاقة له بالواقع، فهؤلاء لا يعلمون ما إسرائيل، ولا ما تفعله، ولا يعلمون أي شيء عن الظروف السياسية والوضع الإقليمي والدولي الذي يطبقون الفتوى فيه.. ستجدهم يتحدثون عن صلح الحديبية مثلا، وهو أمر لا علاقة له بموضوعنا، فصلح الحديبية كان بين الرسول عليه الصلاة والسلام، وبين قريش، وكلاهما من أهل مكة، فلم يكن أحد الطرفين قادما من خارج مكة، محتلا لها بدعم دولي من خارج جزيرة العرب، مشردا أهلها في أصقاع الدنيا!

والحقيقة أن هناك سمة عامة في هؤلاء الذي يطلقون على أنفسهم لفظ «سلفيين»، وهم أبعد ما يكونون عن منهج السلف، فهم بطبيعتهم يوالون الحكام، وهم على استعداد لتبرير الظلم، وذلك أمر مغروس في فهمهم للدين بسبب المنهج «الوهابي» الباطل الذي يتبعونه.

المنهج الوهابي ليس أكثر من سيف لآل سعود.. سيف برر قتل آلاف المسالمين للوصول للحكم.. ولا علاقة له بمنهج السلف، ولا علاقة له بفكر ابن تيمية وغيره من أئمة السلف الراسخين في العلم.

هذا الفهم المعطوب للإسلام هو الذي خرج منه التشدد، وخرج منه الفهم المدخلي الفاسد للإسلام، وللأسف يلصقون ذلك بالسلف.. والسلف منهم براء.

خلاصة القول.. سيظل الشيخ يوسف القرضاوي صخرة تتحطم عليها كل أمواج التطبيع، وسيظل درعا تنكسر عليه كل السهام التي تستهدف الإسلام.. وسيظل نموذجا – هو وأسرته – للأسر المناضلة التي تصمد أمام الظالمين.. لقد وقف القرضاوي ضد رغبات الحكام، والأهم من ذلك أنه وقف ضد أهواء الغوغاء.. وهو أمر يندر أن تجده في هذا الزمان.. حفظ الله الشيخ القرضاوي.. وبارك فيه وفي تراثه وأسرته وتلاميذه..

يتشرف كاتب هذه السطور.. أنه ابن هذا الرجل العظيم.. أقولها بكل فخر.. أنا ابن أبي!

عربي 21



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية