شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

السيسي ومبارك وحملات المقاطعة الشعبية

مقال أسامة جاويش..

نهاية سبتمبر عام 2001، يقتحم رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي السابق أرييل شارون باحات المسجد الأقصى لتندلع بعدها بساعات انتفاضة الأقصى الثانية، وتنفجر العواصم العربية بتظاهرات امتدت لأسابيع بالتزامن مع دعوات بمقاطعة البضائع الأميركية والإسرائيلية.

كنت في عامي الأول في الجامعة ولازلت أتذكر خروج آلاف الطلاب في ساحات جامعة القاهرة والأزهر وعين شمس وغيرها من الجامعات المصرية في الشوارع والميادين الكبرى، لا أنسى تلك المظاهرة الكبيرة في ساحة الجامع الأزهر بحضور آلاف من المصريين الغاضبين من الانتهاكات الإسرائيلية بحق أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ولكن ما أتذكره جيدا أن قوات الأمن المصرية لم تتعرض لأي من تلك التظاهرات، بل كانت الحالة العامة التي سمح بها نظام مبارك في ذلك التوقيت هو ترك المجال مفتوحا للتعبير عن الغضب الشعبي من تظاهرات وحملات مقاطعة للتنديد بالعدوان الإسرائيلي.

نظام مبارك كان يجيد لعب هذا الدور، أن يستخدم الداخل لتوجيه رسائل للخارج مع فتح بعض المساحة الصغيرة للشعب للتعبير عن غضبه في قضايا بعينها لا تتعلق بالديمقراطية أو تداول السلطة.

تذكرت هذه المشاهد وأنا أتابع على مدار الأسبوع الماضي تعاطي النظام المصري وعلى رأسه السيسي مع أزمة الرسوم المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام وطريقة تعاطيه مع حملات المقاطعة للبضائع، فالإعلام المصري المحسوب على السيسي قد شحذ الهمم واستخدم نفس الرسالة الإعلامية بصيغ مختلفة، فحملات المقاطعة هي رجس من عمل الأتراك فاجتنبوه وانصروا نبيكم باتباع أخلاقه وقيمه وفقط.

قبلها بأسابيع قليلة كان أحمد موسى، الذراع الإعلامية الأقرب لنظام السيسي، يدعو المصريين للمشاركة في حملة مقاطعة البضائع التركية التي انطلقت من المملكة العربية السعودية والإمارات ولحقت بهما مصر كالعادة، موسى قال نصا “حملات المقاطعة هي تحرك شعبي غاضب ولا علاقة له بمواقف الانظمة الحاكمة وهو واجب، لأن من يعادينا سنعاديه”، انتهى كلام موسى، الذي أتفق معه للمرة الأولى وربما الأخيرة في حياتي.

المقاطعة فعل شعبي مقاوم غاضب لا علاقة للنظام الحاكم به، وهذا تحديدا ما كان يفعله نظام المخلوع مبارك، فلماذا لم يستطع السيسي أن يحذو حذو مبارك؟

الإجابة من وجهة نظري تكمن في ثلاث نقاط رئيسية:

الأولى أن السيسي ونظامه لا يسمح بوجود أي تحرك شعبي منظم ولو كان نصرة للنبي عليه الصلاة والسلام، فالنظام العسكري الحالي يرى في أي تجمع شعبي خطرا حقيقيا، النظام ينظر لحملات المقاطعة أو حتى توحد المصريين في أي حملة على مواقع التواصل الاجتماعي ناقوس خطر ضد استقراره وبقائه، فلو نجحت حملة شعبية لمقاطعة البضائع الفرنسية نصرة للرسول فلربما تنجح حملة أخرى تدعو الناس للعصيان المدني أو النزول للشوارع ضد السيسي ونظامه.

ثاني تلك النقاط هو ما يتعلق بعلاقة السيسي ونظامه مع فرنسا، وهذا تحديدا ما جاء على لسان خالد الجندي أحد الأذرع الدينية للنظام عندما قال: إن العلاقات الاقتصادية بين مصر وفرنسا قوية واستعرض بعض الأرقام الخاصة بالتبادل التجاري بين البلدين وفق تقرير للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وذهب لأبعد من ذلك فرأى أن المقاطعة فيها تدمير لحياة ثمانية وثلاثين ألف عامل مصري يعملون في مصانع فرنسية في مصر.

ثالث تلك النقاط وربما هو أهمها وهو الخلاف المصري ـ التركي منذ الانقلاب العسكري في يوليو 2013، النظام المصري قزم دور مصر في القضايا العربية والإسلامية ولم يعد يقوى على مجاراة الدور التركي في مثل تلك القضايا، فأصبحت الأولوية لدى نظام السيسي في موقف كهذا هي ربط أي حملات شعبية بأن وراءها تركيا تدعمها وتقف وراءها وهذا ما قاله نصا عمرو أديب في قناة «أم بي سي» مصر السعودية، أديب أكد أن تلك الحملات هي تجسيد لخلاف تركي ـ فرنسي وأن الأمر لا يتعدى خصومة سياسية.

ما يجري الآن كان فرصة حقيقية لنظام السيسي أن يعيد لمصر ولو جزءا ضئيلا من قيمتها كأكبر دولة عربية وإسلامية في العالم العربي، كان يمكن للسيسي أن يلعب بطريقة المخلوع مبارك في مثل تلك المواقف ولكنه أبى إلا أن يستمر في سياساته العقيمة التي جعلت من مصر ونظامها وإعلامها أضحوكة لمن أراد الضحك وقت ضيقه.



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020