شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

«رايتس ووتش»: الأمن الإسرائيلي يمارس انتهاكات في «اللد» بحق الفلسطينيين

قالت “هيومن رايتس ووتش” اليوم إن قوات الأمن الإسرائيلية استخدمت القوة المفرطة لتفريق مظاهرات سلمية للفلسطينيين في اللد خلال اضطرابات أهلية في المدينة في مايو/أيار 2021.
 
في بعض الأحيان بدت الشرطة وكأنها تتصرف بفتور وبشكل غير متساوٍ تجاه العنف الذي يرتكبه القوميون اليهود المتطرفون ضد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. بدا أن التصريحات العلنية لكبار المسؤولين الإسرائيليين تشجع ردود الفعل التمييزية من قبل السلطات والقضاء. جاء رد الشرطة في اللد وسط تمييز ممنهج تمارسه الحكومة الإسرائيلية ضد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل في كثير من جوانب حياتهم.
 
قال عمر شاكر، مدير إسرائيل وفلسطين في هيومن رايتس ووتش: “ردت السلطات الإسرائيلية على أحداث مايو/أيار في اللد من خلال تفريق الفلسطينيين المتظاهرين سلميا بالقوة، واستخدمت الخطاب التحريضي، ولم تتصرف بمساواة عندما هاجم القوميون اليهود المتطرفون الفلسطينيين. هذا الرد، الذي يبدو أنه تمييزي، يبرز الحقيقة أن جهاز الدولة الإسرائيلي يمنح امتيازات لليهود الإسرائيليين على حساب الفلسطينيين، أينما كانوا ومهما كان وضعهم القانوني”.
 
على “لجنة التحقيق بشأن إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة” التي أنشأها “مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة” في مايو/أيار التحقيق في هذه الممارسات التي تبدو تمييزية، وما إذا كانت التعليقات التحريضية التي أدلى بها كبار المسؤولين الإسرائيليين حرّضت على العنف.
 
قابلت هيومن رايتس ووتش في يوليو/تموز وأكتوبر/تشرين الأول عشرة من سكان اللد شخصيا، بينهم عضوة حالية وعضوة سابقة في البلدية، وأقارب للضحايا، وشاهدان يهوديان. كما أجرت هيومن رايتس ووتش تحليلا وتحديدا للموقع الجغرافي لعدة مقاطع فيديو صُوِّرت بين 10 و14 مايو/أيار ونشرت على وسائل التواصل الاجتماعي. تشير الأدلة إلى أن السلطات استجابت للأحداث بطريقة تمييزية على ما يبدو.
 
كما راجعت هيومن رايتس ووتش تقارير لوسائل إعلام إسرائيلية ودولية لتحديد تسلسل زمني دقيق قدر الإمكان للأحداث وقابلت شاهدا إضافيا، طلب عدم الكشف عن هويته، شهد العديد من أعمال العنف وردّ الشرطة، إضافة إلى محللين من منظمتين حقوقيتين إسرائيليتين حققوا في أحداث اللد.
 
شهدت اللد، وهي مدينة مختلطة يسكنها يهود وفلسطينيون في وسط إسرائيل، التأثير المتزايد للمجموعة القومية المتطرفة “غرعين توراني”، التي تسعى إلى تعزيز الهوية اليهودية للمدينة وسط تمييز طويل الأمد ضد المواطنين الفلسطينيين في البلاد. في 2013، انتخب يائير ريفيفو من “حزب الليكود” رئيسا للبلدية، ويُزعم أنه متعاطف مع غرعين توراني، وما يزال في منصبه منذئذ.
 
اندلعت الاضطرابات في اللد ومدن أخرى في إسرائيل والضفة الغربية في مايو/أيار على خلفية المحاولات التمييزية لإجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم في القدس الشرقية المحتلة، واستخدام القوة المفرطة من قبل قوات الأمن الإسرائيلية ضد المتظاهرين والمصلين في المسجد الأقصى في القدس، واندلاع القتال في 10 مايو/أيار بين إسرائيل والجماعات الفلسطينية المسلحة في غزة الذي استمر حتى 21 مايو/أيار. خلال تلك الأعمال العدائية، ارتكبت السلطات الإسرائيلية والفصائل الفلسطينية جرائم حرب وانتهكت قوانين الحرب، بحسب ما وثقت هيومن رايتس ووتش.
 
فرّقت السلطات الإسرائيلية بالقوة العديد من المظاهرات التي نظمها الفلسطينيون داخل إسرائيل والضفة الغربية خلال تلك الفترة.
 
مساء 10 مايو/أيار، بدأ الفلسطينيون احتجاجهم السلمي أمام مسجد العمري في اللد ضد التهديد بالاستيلاء على منازل الفلسطينيين في القدس الشرقية. وبينما كانت الشرطة قد سمحت بالمظاهرة، قال شهود إن قوات الأمن أطلقت الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية على الحشد بعد أن استبدل شاب العلم الإسرائيلي بالعلم الفلسطيني على ممتلكات عامة. أضرم متظاهرون فلسطينيون لاحقا النار في حاويات نفايات، وسيارات، وإطارات، واندلعت مواجهات مع سكان يهود في أماكن أخرى من المدينة.
 
في الأيام الأربعة التي تلت ذلك، استهدفت مجموعات من مثيري الشغب الفلسطينيين واليهود بشكل منفصل ممتلكات ودور عبادة لليهود والفلسطينيين. إضافة إلى مقتل يهودي وفلسطيني، أصيب العشرات، وتعرضت مقبرة إسلامية للتخريب، وأُحرقت عشرات السيارات. أعلنت الحكومة حالة الطوارئ في 12 مايو/أيار للحد من العنف، بما في ذلك منع دخول اللد لغير سكانها.
 
في بعض الحالات، التي وثقتها هيومن رايتس ووتش، اكتفت القوات الأمنية المنتشرة لفرض الأمن في اللد بالتفرج أو لم تتدخل في الوقت المناسب لحماية السكان الفلسطينيين في اللد من عنف القوميين اليهود المتطرفين المتواجدين قرب هذه القوات أو تحت أنظارها. قال شهود عيان إنه كان بينهم أعضاء في جماعات يهودية قومية متطرفة جاؤوا من خارج اللد. في إحدى الحالات، أفادت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية أن البلدية وفرت أماكن إقامة لأعضاء هذه المجموعات.
 
في 26 أكتوبر/تشرين الأول، كتبت هيومن رايتس ووتش إلى رئيس البلدية ريفيفو، والمفوض العام لشرطة إسرائيل، ووزارتَي الأمن العام والعدل بشأن النتائج المؤقتة التي توصلنا إليها. يشرف مفوض الشرطة على جميع قيادات الشرطة في الدولة. لم تتلقَ هيومن رايتس ووتش أي ردّ.
 
تعاملت السلطات والمحاكم الإسرائيلية بطرق مختلفة بشكل صارخ مع قتل رجل فلسطيني وآخر إسرائيلي يهودي على يد مدنيين في ظروف معقدة أثناء أعمال العنف في اللد. فيما يخص قتل الفلسطيني موسى حسونة، أفرجت السلطات عن جميع المشتبه بهم اليهود بكفالة بعد أقل من 48 ساعة على القتل، بعد أن تذرعوا بالدفاع عن النفس. أغلقت السلطات التحقيق معهم بعد أقل من ستة أشهر دون توجيه تهم إليهم. أما في مقتل يغئال يهوشوع، وهو يهودي، ما زال ثمانية فلسطينيين مشتبه بهم معتقلين منذ أشهر، بانتظار المحاكمة على عدد من التهم، منها “القتل كعمل إرهابي”. بينما قُتل الضحيتان في ظروف مختلفة، أحدهما في خضم مناوشة والآخر أثناء عودته إلى المنزل، فإن تفاصيل كلتا الحالتين غير واضحة وتعتمدان على أدلة محدودة وغير حاسمة على ما يبدو. ومع ذلك، أدت إحداهما إلى توجيه اتهامات، بينما لم يتم توجيه أي تهم في الأخرى.
 
قالت “منظمة العفو الدولية” ومنظمات حقوقية إسرائيلية إن السلطات ردت على الاضطرابات بطريقة تمييزية في ما يسمى بـ “المدن المختلطة” الأخرى داخل إسرائيل، منها يافا والرملة. يركز هذا التقرير على الأحداث في اللد.
 
في 12 مايو/أيار، دخل عشرات اليهود القوميين المتطرفين الذين لا يعيشون في اللد، وبعضهم مسلح، في انتهاك لإعلان الطوارئ الحكومي الذي صدر قبل ذلك بساعات والذي منع غير المقيمين من الدخول، بحسب ما قال شهود لـ هيومن رايتس ووتش. قال صحفي إسرائيلي كان يراسل من اللد، بالإضافة إلى العضوة الحالية في المجلس البلدي المذكور أعلاه، إن سلطات البلدية استضافت الآتين من خارج المدينة طوال الليل في مبنى تملكه المدينة بالقرب من مقبرة فلسطينية. نفى رئيس البلدية ريفيفو أن يكون قد أُبلِغ بهذه الخطوة أو أن يكون قد وافق عليها. ألقت هذه المجموعات الحجارة ليلا على منازل ومتاجر فلسطينية وعلى الجامع العمري. تُظهر مقاطع فيديو لبعض الحوادث عناصر الشرطة المتمركزين بالقرب من مثيري الشغب اليهود وهم يرشقون الحجارة بينما لا يفعل عناصر الشرطة أي شيء.
 
في أعقاب اضطرابات مايو/أيار، على مدار أسبوعين تقريبا، اعتقلت قوات الأمن 2,142 شخصا في مختلف أنحاء إسرائيل والقدس الشرقية، في عملية “ردع” أطلقت عليها السلطات اسم “القانون والنظام”. وبحسب منظمة العفو الدولية، فإن 90% تقريبا من المعتقلين كانوا من مواطني إسرائيل الفلسطينيين وسكان القدس الشرقية. كتبت “وكالة فرانس برس” في تقرير أصدرته في سبتمبر/أيلول أن الشرطة الإسرائيلية أكدت اعتقال 154 شخصا على خلفية “اضطرابات” في اللد، من بينهم 120 فلسطينيا.
 
يواجه الفلسطينيون في إسرائيل تمييزا منهجيا في العديد من جوانب الحياة الأخرى، منها الوضع القانوني، وسياسات الأراضي، والحصول على الموارد والخدمات، كما وثقت هيومن رايتس ووتش سابقا. يعكس هذا التمييز المنهجي السياسة العامة للحكومة الإسرائيلية القاضية بتفضيل اليهود الإسرائيليين على حساب الفلسطينيين.
 
توصلت هيومن رايتس ووتش إلى أن السلطات الإسرائيلية ترتكب الجريمتين ضد الإنسانية المتمثلتين في الفصل العنصري والاضطهاد، بناء على سياسة الحكومة الإسرائيلية للحفاظ على هيمنة الإسرائيليين اليهود على الفلسطينيين أينما كانوا، وانتهاكات جسيمة ضد الفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلة. تُرتكب جريمة الفصل العنصري عندما تجتمع هذه العناصر.
 
يُلزِم القانون الدولي لحقوق الإنسان السلطات بتوفير المساواة للجميع أمام القانون، دون تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الأصل القومي أو الإثني. يقع على عاتق السلطات واجب حماية حق كل فرد في الحياة، دون تمييز، الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات معقولة لمنع الهجمات التي تهدد الحياة، والتحقيق مع المرتكبين ومقاضاتهم.
 
كما يُلزِم القانون الدولي لحقوق الإنسان قوات الأمن بحماية الحق في التجمع السلمي، بغض النظر عن الآراء السياسية للمتظاهرين أو هويتهم، دون استخدام القوة المفرطة. في الوقت نفسه، على القوى الأمنية الرد على أعمال العنف بطريقة متناسبة تقلل من استخدام القوة وتحمي الأشخاص والممتلكات دون تمييز.
 
على السلطات الإسرائيلية التحقيق في الطريقة التي ردت بها السلطات على الاضطرابات في اللد وعموم إسرائيل.
 
لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة التي شكلها مجلس حقوق الإنسان في مايو/أيار هي أول لجنة تنظر في الانتهاكات المرتكبة داخل حدود إسرائيل لعام 1967. قالت هيومن رايتس ووتش إن على المفوضين التحقيق في تصرفات الحكومة الإسرائيلية في اللد وتعاملها مع الفلسطينيين في جميع أنحاء إسرائيل والأراضي المحتلة.
 
قال شاكر: “يبدو أن الشرطة والسلطات الإسرائيلية في اللد تعامل المواطنين بشكل مختلف بحسب ما إذا كانوا يهودا أو فلسطينيين. على لجنة التحقيق الأممية اغتنام الفرصة غير المسبوقة لمعالجة التمييز وغيره من الانتهاكات التي يواجهها الفلسطينيون في إسرائيل فقط بسبب هويتهم”.
 
اللد: مدينة تاريخها حافل بالتمييز
 
اللد، التي تقع في موقع استراتيجي بين تل أبيب والقدس، خضعت للسيطرة الإسرائيلية في يوليو/تموز 1948. قال المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس إن القوات الإسرائيلية طردت جميع سكان اللد تقريبا، بأوامر من القائد الإسرائيلي آنذاك ديفيد بن غوريون. يقدر المؤرخون أن القوات الإسرائيلية طردت ما بين 30 و70 ألف فلسطيني. ترك الطرد أقل من ألف فلسطيني في المدينة، عمل عدد كبير منهم في شركة السكك الحديدية وكانت ثمة حاجة إليهم لتشغيل مسارات القطارات. ثم وزعت القوات الإسرائيلية أراضي السكان الفلسطينيين السابقين وممتلكاتهم على المواطنين الإسرائيليين اليهود ودمرت المنازل غير المأهولة لمنع أصحابها السابقين من العودة.
 
يشكل الفلسطينيون اليوم ما يصل إلى 30% من سكان المدينة. وقد واجهوا عقودا من مصادرات الأراضي والسياسات التمييزية الخاصة بالأراضي، كما وثقت هيومن رايتس ووتش عموما فيما يتعلق بالمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.
 
في 2013، انتخب سكان اللد يائير ريفيفو من حزب الليكود رئيسا للبلدية، وتشير تقارير أنه متعاطف مع الجماعة القومية المتطرفة “غرعين توراني” (نواة التوراة). تسعى المجموعة إلى تعزيز الوجود اليهودي في المدن التي فيها تجمعات للأقلية الفلسطينية داخل إسرائيل، بما فيها اللد. قال سكان اللد اليهود والفلسطينيون الذين تحدثوا إلى هيومن رايتس ووتش إن نفوذ الجماعة المتزايد وتدفق اليهود الذين عاشوا في المستوطنات في غزة قبل تفكيكها في 2005 زاد من توتر العلاقات اليهودية الفلسطينية في المدينة.
 
قالت مها النقيب، وهي عضوة سابقة في مجلس البلدية، إن “التمييز والعنصرية ووجود مجموعات استيطانية داخل الأحياء العربية” أحدثت “حالة غضب وإحباط متراكم” بين سكان المدينة الفلسطينيين.
 
قال الناشط الاجتماعي من اللد والمستشار لعضو في الكنيست غسان منيّر إن الفلسطينيين في المدينة يواجهون “واقع هدم منازلهم وتهجيرهم. كل مرة يرون فيها سيارة للشرطة يعتقدون أنها قادمة لهدم منزلهم”.
 
قال المحامي الفلسطيني من سكان اللد تيسير شعبان إن الاحتجاجات وأعمال الشغب في مايو/أيار جاءت نتيجة “الإحباط” جراء “سنوات من العنصرية والتمييز والإهمال من قبل البلدية”.
 
احتجاج السكان الفلسطينيين في 10 مايو/أيار: القوة المفرطة والاعتقال التعسفي
 
حوالي 9:30 مساء في 10 مايو/أيار، نظمت مجموعة من سكان اللد الفلسطينيين مظاهرة أمام المسجد العمري ضد الاستيلاء المرتقب على منازل فلسطينيين في القدس الشرقية. قال محاميان من المجتمع المدني وعضو في مجلس البلدية إن الشرطة وافقت على المظاهرة بعد الطلبات التي قُدمت في الظهيرة. قال شهود إن المحتجين كانوا يتظاهرون سلميا عندما استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع، والرصاص المطاطي، والقنابل الصوتية لتفريق الحشد بعد أن استبدل أحد المتظاهرين العلم الإسرائيلي على عمود كهرباء بعلم فلسطين.
 
قالت فداء شحادة، عضوة مجلس البلدية: “عندما رُفع العلم وعُلق على العمود الكهربائي، فجأة، ودون أي تحذير أو إعلان من أي نوع، بدأت الشرطة بإطلاق القنابل الصوتية. أصابت إحدى القنابل قدمي وأخرى أصابت عربة طفل بجانبي”.
 
كما اعتقلت الشرطة بعض المتظاهرين الفلسطينيين. قال تيسير شعبان في يوليو/تموز، وهو والد طفل عمره 16 عاما اعتُقل تلك الليلة، إن الشرطة دفعت ابنه بعنف أرضا أثناء اعتقاله. قال الأب: “اتهمته [السلطات] بإحراق علم الدولة وتدمير رموز الدولة، لكن لم يكن لديها أي دليل على ذلك، فأطلقت سراحه بعد 24 ساعة. حتى يومنا هذا، ابني في حالة صدمة كبيرة جراء اعتقاله”.
 
11 مايو/أيار 2021: قتيلان ومقاربتان مختلفتان
 
في وقت لاحق من تلك الليلة، أضرم بعض المتظاهرين الفلسطينيين النار في حاويات النفايات، وسيارات، وإطارات بالقرب من المسجد العمري، واندلعت مواجهات في أجزاء أخرى من المدينة.
 
يُظهر مقطع فيديو نُشر على “تويتر” في 11 مايو/أيار 20 رجلا تقريبا يتقدمون قبل الساعة 1:30 صباحا بقليل من دوار في شارع ها-حاشمونائيم نحو شارع ها-براحيم. وشوهد عدد من الرجال يرشقون الحجارة وقنابل المولوتوف في الاتجاه الذي كانوا يتجهون إليه. بعد ذلك بوقت قصير، سُمع إطلاق ما لا يقل عن 16 طلقة، من سلاح نصف آلي واحد على الأقل. حُدِّدت لاحقا هوية المشتبه بهم على أنهم يهود من قبل وسائل الإعلام والمحامي الذي يمثل بعضهم.
 
في الفيديو، ظهر رجل، حُددت هويته لاحقا على أنه موسى حسونة، وهو مواطن فلسطيني عمره 31 عاما، في إطار الكاميرا، وبدت يداه فارغتين، وسقط أرضا على الفور. قال والد حسونة إن الأخير أصيب برصاصة في صدره عندما خرج إلى الشارع لنقل سيارته الجديدة بعد سماعه أصوات المواجهات. مات متأثرا بجراحه. كما أصيب في إطلاق النار عيسى شعبان (21 عاما) ورجل آخر. شعبان، الذي كان عائدا إلى منزله من السوق عندما أصيب في ذراعه وظهره بحسب ما قال، شبّه الدوّار بأنّه “منطقة حرب”.
 
اعتقلت الشرطة أربعة رجال يهود على صلة بعملية القتل، بينهم جندي سابق في وحدة نخبة ما يزال مسجلا كجندي احتياطي، على حد قول محاميه. زعم الرجال أنهم تصرفوا دفاعا عن النفس وطلبوا الإفراج عنهم. في البداية رفضت محكمة الصلح في ريشون لتسيون الطلب، قائلة إن “ادعاءات المشتبه بهم لا تتناسب مع الحقائق الموضوعية”. مع ذلك، أفرجت المحكمة عن الرجال بكفالة في 13 مايو/أيار وحمت هوياتهم بأمر بعدم النشر.
 
جاء الإفراج عن المتهمين عقب تصريحات أدلى بها وزير الأمن الداخلي آنذاك عمير أوحانا في 12 مايو/أيار الذي وصف القتل بأنه “دفاع عن النفس”، ووصف اعتقال المشتبه بهم بأنه “مروع”، وقال إنه كان سيطلق سراحهم فورا لو كانت لديه السلطة لفعل ذلك. أدلى بتصريحه قبل معرفة النتائج النهائية لأي تحقيق قضائي في القضية.
 
في 21 أكتوبر/تشرين الأول، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية أن النيابة العامة للمنطقة الوسطى قررت إغلاق القضية ضد المشتبه بهم دون توجيه اتهامات إليهم. وصرّح بيان للنيابة العامة نقلته وسائل إعلام أن تحليل المقذوفات الذي أجري على الموقع لا يتطابق مع الأسلحة التي عُثر عليها مع أربعة من المشتبه بهم. أفادت وسائل إعلام أنه لا يمكن استبعاد وجود مشتبه خامس، لكن المدعين قالوا إن التقارير الواردة عن أغلفة الرصاصات الأخرى تعني أنهم “لا يستطيعون تحديد هوية مطلق الرصاصة بالمستوى المطلوب من الثقة”.
 
قال شعبان، الذي أصيب خلال الحادث، إنه شعر أن الشرطة لم تحقق في إطلاق النار كما ينبغي. قال في أغسطس/آب: “(…) أخذوا إفادتي وقالوا لي إنهم سيحققون في القضية. لكنني لم أسمع أي شيء منهم منذ ذلك الحين”. قال والد حسونة إن الشرطة لم تتصل به. أضاف: “لم يتصلوا بي كأب لإعطائي المزيد من المعلومات حول مقتل ابني ولم أسمع أي شيء منهم منذ ذلك الحين”.
 
لكن السلطات الإسرائيلية اعتقلت أربعة من أقارب موسى حسونة وأحد أصدقائه في الأيام التي أعقبت قتله. وجهت إليهم لائحة اتهام في أواخر يوليو/تموز بارتكاب مجموعة من الجرائم، منها حرق الإطارات وحاويات النفايات، وقطع الطرق، وحرق السيارات الخاصة باستخدام البنزين، وتحضير زجاجات المولوتوف. كما اتُهم بعضهم بإطلاق النار من سطح منزلهم واتهم أحدهم بإلقاء الحجارة على الشرطة.
 
بعد أقل من 24 ساعة على قتل حسونة، رشق المتظاهرون الفلسطينيون سيارة يغئال يهوشوع (52 عاما)، بالحجارة أثناء عودته إلى منزله. أصاب حجر يهوشوع وأحدث كسرا في جمجمته. تمكن من الاستمرار في القيادة، لكن سيارته ارتطمت في موقف السيارات أسفل منزله. وتوفي في المستشفى بعد ستة أيام متأثرا بإصابة في الدماغ.
 
بعد أيام، اعتقلت السلطات ثمانية فلسطينيين – ستة من اللد واثنان من الضفة الغربية – زعمت مسؤوليتهم عن القتل. لم تخف السلطات هوياتهم، ونشرت الصحافة الإسرائيلية أسماءهم. في 24 يونيو/حزيران، اتهمت السلطات المحتجزين بـ “القتل في ظروف مشددة في عمل إرهابي مشترك، والتعاون على إلقاء الحجارة في عمل إرهابي ضد سيارة، وإتلاف سيارة عمدا بدوافع عنصرية”. ووفقا لـ هآرتس، وجهت النيابة العامة لائحة اتهام إلى المحتجزين على الرغم من أن مادة الحمض النووي من الحجر الذي أصاب يهوشوع لا تتطابق مع الحمض النووي لأي متهم.
 
كما اتهمت المحتجزين بعرقلة سير العدالة بزعم محاولتهم محو لقطات كاميرات المراقبة للحادث. أفادت وسائل الإعلام أن المتهمين اعترفوا بجرائمهم بعد استجوابهم من قبل “الشين بيت”، جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي. وفقا للمنظمة غير الحكومية الإسرائيلية “اللجنة العامة لمناهضة التعذيب”، لدى الشين بيت سجل حافل بإساءة معاملة المعتقلين الفلسطينيين وتعذيبهم. قال محامٍ يمثل أحد المتهمين لـ هآرتس إن موكله “تم استجوابه لساعات طويلة وهو مقيد على كرسي”.
 
11 مايو/أيار 2021، موكب الجنازة: استخدام مفرط للقوة على ما يبدو
 
بعد ظهر يوم 11 مايو/أيار، تجمع عدة آلاف سلميا لتشييع موسى حسونة في اللد. قال والد حسونة إن قائد شرطة اللد شمعون دهان اتصل بالعائلة قبل ساعات قليلة من التشييع، طالبا منها عدم السير في شارع إكسودس، وهو شارع رئيسي تقع به مدرسة يهودية تمهيدية للجيش تديرها جماعة غرعين توراني التي كانت تعرضت في الليلة السابقة لهجوم من مثيري الشغب الفلسطينيين، الذين أشعلوا النار في بيت مدراش (غرفة لتعلم التوراة).
 
لكن موكب التشييع سار كما كان مخططا له. تُظهر مقاطع فيديو صوّرت الموكب المشيعين يسيرون سلميا من المسجد العمري وهم يهتفون بالشعارات. قابلت هيومن رايتس ووتش ثلاثة مشاركين قالوا إن قوات الأمن استخدمت الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لمنع مرور موكب الجنازة قرب المدرسة التمهيدية للجيش، وهو استخدام للقوة المفرطة على ما يبدو.
 
مع اقتراب المشيّعين من شارع إكسودس والمدرسة التابعة لـ غرعين توراني، تدخلت الشرطة. قال والد حسونة: “عندما وصلت الجنازة إلى الشارع الرئيسي، وتحديدا في الجزء الذي يقع فيه مبنى غرعين توراني، تعرضنا فجأة لهجوم بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي”. انقسم الموكب إلى قسمين.
 
قال غسان منيّر، الذي حضر الجنازة، إن تعامل الشرطة سبّب الغضب وأدّى الى الفوضى: “رد الشباب بإلقاء الحجارة وتحطيم كل ما رأوه أو كان قربهم”. أفادت تقارير إعلامية أن مثيري الشغب أضرموا النار في إحدى سيارات الشرطة وأصابوا شرطيَّين.
 
تصريحات المسؤولين الإسرائيليين غير الدقيقة والتحريضية
 
يبدو أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين أجّجت التوترات بدلا من تخفيفها. في وقت متأخر من 11 مايو/أيار، قال رئيس البلدية ريفيفو على التلفزيون الوطني إن اللد شهدت “ليلة البلور”، في إشارة إلى مذبحة عام 1938 في ألمانيا عندما أحرقت، وخرّبت، ونهبت الميليشيات وجموع المواطنين الموالية للنازية المعابد، والشركات، والمؤسسات اليهودية في جميع أنحاء ألمانيا، وقتلت أكثر من 90 يهوديا واعتقلت حوالي 30 ألفا. طالب ريفيفو بنشر الجيش، وقال: “في كل دقيقة تشتعل النيران في سيارة أو كنيس أو مدرسة…”. لم يكن هذا التصريح دقيقا ولا متوازنا، لأن الفلسطينيين واليهود كان يهاجمون بعضهم البعض.
 
بعد ساعات، في 12 مايو/أيار، غرّد الرئيس الإسرائيلي آنذاك رؤوفين ريفلين بأن مثيري الشغب الفلسطينيين كانوا “متعطشين للدماء”، واصفا ما حدث بـ “البوغروم”، في إشارة إلى مذابح اليهود في أواخر القرن الـ 19 وأوائل القرن الـ 20 في دول شرق ووسط أوروبا من قبل مدنيين وميليشيات غير يهود، غالبا بدعم من السلطات. كتب: “مشهد البوغروم في اللد والاضطرابات في جميع أنحاء البلاد من قبل حشد عربي مُحرَّض ومتعطش للدماء، وإصابة الناس، وإتلاف الممتلكات وحتى مهاجمة الأماكن اليهودية المقدسة أمر لا يغتفر”.
 
في 13 مايو/أيار، بعد يوم من تجول قوميين يهود متطرفين مسلحين في المدينة، حذّر نائب رئيس بلدية اللد وعضو حزب “البيت اليهودي” الصهيوني الديني يوسي هاروش الفلسطينيين من مغادرة منازلهم. كما هدد بأنه إذا لم تحمِ الشرطة المواطنين اليهود، فإن أشخاصا من خارج المدينة سيأتون مرة أخرى لاستخدام القوة ضد الفلسطينيين:
 
مئات الأشخاص قادمون، بينهم كتيبتان من جنود الاحتياط، الذين يتطوعون للمجيء هنا لحماية المنازل من مستوطنات (…) يهودا والسامرة والقدس (…) رأينا الى أين وصلت الأمور يوم أمس. رأينا كم عملية ضرب وقعت. أقول لكم، إذا لم تستيقظ الشرطة وتتحمل المسؤولية، فأنا أنصح جميع سكان اللد العرب بعدم مغادرة منازلهم. أقول لكم هذا، تذكروا أنني قلت لكم هذا اليوم.
 
في 28 مايو/أيار، بعد أسبوعين تقريبا، قال عميحاي لانغفيلد، وهو عضو مجلس بلدية اللد وأيضا من حزب البيت اليهودي، إن المجتمع اليهودي سيكون مستعدا لاستخدام العنف للدفاع عن نفسه، دون التأكيد على ضرورة قيام السلطات وقوات الأمن بحماية الجميع، بمن فيهم الفلسطينيون:
 
نحن مع تهدئة الأمور، لكننا لسنا مغفلين ولدينا شرفنا. وأي شخص يريد العبث معنا يجب أن يعرف أن قوات الأمن ستكون له بالمرصاد، وإذا واجهونا، فسيتمنون لو أنهم لم يفعلوا ذلك. (…) سنهتم بأنفسنا، وأي شخص يتعامل معنا يجب أن يعرف أننا مسلحون وسنفتح النار إذا لزم الأمر. سنحمي حياتنا، بما في ذلك ممتلكاتنا. لن يعبث أحد مع اليهود في إسرائيل. لن يعبثوا معنا.
 
وصول الجماعات اليهودية القومية المتطرفة: التطبيق التمييزي لقانون الطوارئ وتواطؤ البلدية مع المشاغبين
 
في 12 مايو/أيار، ولأول مرة منذ عام 1966، عندما رفعت إسرائيل الحكم العسكري الذي فرضته على معظم الفلسطينيين في إسرائيل منذ عام 1949، فعّلت إسرائيل حالة الطوارئ في اللد بموجب قانون يقول محامو حقوق الإنسان إنه كان يهدف إلى منح السلطات المزيد من السلطة للتصرف في حالة الكوارث الطبيعية. ثم أصدر وزير الأمن العام حينها أوحانا الأمر قبل الساعة 5 مساء بقليل. قالت جمعية حقوق المواطن في إسرائيل إن “الإعلان جاء وفق بند في القانون لا يُقصد منه منح تفويض للتعامل مع الإخلال بالنظام”.
 
“حالة الطوارئ” تسمح للشرطة بإغلاق أجزاء من المنطقة، ودخول أي مكان دون أمر قضائي أو سبب محتمل، واستخدام “القوة المعقولة” لضمان امتثال المدنيين. عقب إعلان حالة الطوارئ، نشرت السلطات عناصر من “شرطة الحدود” في اللد لمساعدة الشرطة، وفرضت حظر تجول ليلا ابتداء من الساعة 8 مساء، مع عقوبة تصل إلى السَّجن ثلاث سنوات في حال انتهاك الحظر، وأعلنت منع دخول غير المقيمين إلى المدينة.
 
انتشر مئات رجال الأمن في اللد في أعقاب إعلان حالة الطوارئ، لكن شهود عيان على بعض هذه الأحداث قالوا إنهم لم يروا القوات الإسرائيلية تتدخل بشكل حاسم لمنع اليهود الذين كانوا يرشقون منازل الفلسطينيين، ومساجدهم، ومحلاتهم بالحجارة. تُظهر مقاطع فيديو لبعض الحوادث رجال شرطة متمركزين بالقرب من مثيري الشغب اليهود وهم يرشقون الحجارة، دون فعل أي شيء.
 
مع ذلك، لم يمنع إعلان حالة الطوارئ أعدادا كبيرة من القوميين اليهود المتطرفين، بمن فيهم أعضاء نادي مشجعي كرة القدم “لا فاميليا” المعروفين بالعنصرية ضد الفلسطينيين، و”شباب التلال”، اليمينيون المتطرفون الذين يعيشون في “البؤر الاستيطانية” – مستوطنات بدون تصريح رسمي من الحكومة الإسرائيلية – في الضفة الغربية المحتلة، من الدخول والتجول في اللد بعد فترة طويلة من حظر التجول، بحسب تقارير إعلامية وأشخاص تمت مقابلتهم. جاء وصولهم بعد التعبئة على قنوات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة، حيث تبادل المستخدمون التكتيكات وشجع بعضهم البعض للدفاع عن اليهود الإسرائيليين. على سبيل المثال، نشرت منظمة مؤيدة للمستوطنين تدعى ريغافيم دعوة على” فيسبوك” لـ “المحاربين القدامى المسلحين” و”خريجي دورة الضباط القتاليين” لنجدة اليهود في المدن المختلطة.
 
في 12 مايو/أيار، أشارت سلسلة من مقاطع الفيديو التي نشرها صحفي إسرائيلي على تويتر إلى أن بعض الرجال الذين أتوا من مستوطنة يتسهار غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة كانوا من بين الذين هاجموا خيمة عزاء موسى حسونة. كما ألقت مجموعات من القوميين اليهود الحجارة على منازل ومتاجر فلسطينية وعلى المسجد العمري.
 
أفادت هآرتس أن هؤلاء القادمين من خارج المدينة أمضوا الليلة، بإذن من سلطات المدينة، في مبنى بلدي قرب مقبرة المسلمين. أفادت أيضا عضوة فلسطينية سابقة في مجلس المدينة أن أعضاء هذه الجماعات بقيت في مبنى عام. إلا أن رئيس البلديّة ريفيفو نفى في 14 مايو/أيار أنه وافق “على استخدام مبنى البلدية القديم” وقال إنه أمر قوات الأمن بإخراجهم. في 14 مايو/أيار، أفاد بار بيليغ، وهو صحفي في هآرتس كان في مكان الحادث، أنه تم تدنيس ما لا يقل عن ثمانية قبور في مقبرة المسلمين وفُتحت القبور بالحجارة الثقيلة.
 
قالت شحادة، العضوة في مجلس المدينة، إنها رأت حوالي 200 رجل افترضت، بناء على ملابسهم، أنهم أعضاء من شباب التلال بجوار المقبرة في وقت متأخر من الليل يوم 13 مايو/أيار. قالت إحدى السكان لـ هيومن رايتس ووتش إنها رأت ما بين 70 إلى 100 شخص يبدون مثل شباب التلال يسيرون في حيّها المختلط بانيت يوم 13 مايو/أيار وهم يهتفون “محمد مات”، و”العربي الجيد هو العربي الميت”.
 
رد فاتر للشرطة يومي 12 و13 مايو/أيار 2021 على هجمات القوميين اليهود المتطرفين
 
في مساء 12 مايو/أيار، حوالي الساعة 7 مساء، قام العشرات من اليهود القوميين المتطرفين، بمن فيهم بعض الذين أخبروا صحفيا أنهم من يتسهار، وهي مستوطنة بالضفة الغربية تشتهر بالعنف القومي المتطرف، بالتعرض لخيمة عزاء موسى حسونة من مسافة قصيرة، وإهانة الأسرة وإلقاء الحجارة رغم وجود أكثر من 15 من أفراد الشرطة الإسرائيلية كان يرتدون معدات مكافحة الشغب وينتشرون لإغلاق مدخل الخيمة. رشق الناس في الخيمة أو بالقرب منها الحجارة باتجاه المهاجمين. ويشير مقطع فيديو نشره الصحفي بيليغ على تويتر إلى أن الشرطة طاردت المهاجمين في نهاية المطاف قبل إلقاء القنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع على خيمة العزاء.
 
مقاطع الفيديو التي نشرها بيليغ في الساعات التي أعقبت الهجوم على خيمة العزاء تُظهر عشرات اليهود القوميين المتطرفين وهم يتنقلون في أرجاء بلدة اللد القديمة لمواجهة الفلسطينيين في المسجد العمري ورشق منازل الفلسطينيين بالحجارة. ورغم زيادة تواجد الشرطة في اللد، بدعم من شرطة الحدود، وفرض حظر للتجوال، نجح الحشد في الوصول إلى المسجد.
 
في فيديو تحتفظ هيومن رايتس ووتش بنسخة منه، يقف عناصر مكافحة الشغب بالقرب من اليهود القوميين المتطرفين وهم يرشقون الحجارة، على الأرجح على الفلسطينيين، دون إيقافهم أو اعتقالهم.
 
اقتربت مجموعات يهودية من المسجد العمري حوالي الساعة 8:30 مساء، بعد نصف ساعة من حظر التجول. يُظهرفيديو نشره بيليغ الساعة 8:32 مساء المجموعة تقترب من المسجد، بينما تقوم الشرطة، التي تتبعهم، بإطلاق ثلاث قنابل صوتية على الأقل في اتجاههم دون محاولة منعهم من الوصول إلى المسجد، على سبيل المثال باستخدام الغاز المسيل للدموع أو منعهم جسديا. قنابل الصوت لم تفرّق المجموعة.
 
قال خالد زبارقة، وهو محام من اللد كان يصلي في المسجد حينها، إن الشبان المتمركزين خارج المسجد لحمايته ركضوا إلى الداخل وهم يصرخون: “إنهم يطلقون النار”. تذكر زبارقة سماع دوي. وقال: “كنا خائفين لأن موسى قُتل في اليوم السابق، وفي ذلك اليوم هاجموا خيمة العزاء والآن يهاجموننا في المسجد”. اتصل زبارقة بالشرطة لطلب المساعدة.
 
قال زبارقة إنه بعد عشر دقائق وصلت الشرطة وشرطة الحدود وبدأت بإطلاق الغاز المسيل للدموع حول المسجد وداخل ساحته. في غضون ذلك، كان مؤذن المسجد قد دعا عبر مكبرات الصوت في المسجد إلى المساعدة في الدفاع عن المسجد، ما دفع بوصول عشرات الفلسطينيين وأدى إلى تبادل الحجارة بين المجموعتين.
 
يُظهر فيديو صُوّر أمام المسجد في ذلك الوقت عناصر الشرطة وهم يطلقون قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع تجاه المسجد بينما واصل اليهود والفلسطينيون تبادل إلقاء الحجارة. قال زبارقة: “دخل الغاز إلى غرف المسجد، وأدى لإصابة العديد من المصلين. كنا مرتبكين، كان لدينا مستوطنون يهاجموننا ورجال الشرطة يطلقون الغاز المسيل للدموع علينا في نفس الوقت”.
 
بعد ساعتين تقريبا، على بعد أقل من 300 متر من المسجد العمري، واصلت مجموعات من الشباب اليهود التجول في المدينة، وبعضهم يحمل الحجارة بيديه، بعد بدء حظر التجول بوقت طويل. يظهر مقطع فيديو صُوّر بعد حادثة المسجد الشرطة وهي تستخدم القوة الجسدية والدروع لإبعاد مجموعة من الشبان اليهود.
 
صباح يوم 13 مايو/أيار، تجمعت شحادة وأعضاء فلسطينيون آخرون في البلدية في مركز شرطة اللد، مطالبين بإخراج كافة المجموعات من المدينة. قالت: “اتفق معنا القادة هناك، قائد المركز وقائد اللواء. وفي الساعة 2 بعد الظهر، غادرت مجموعة لا فاميليا، وبين الساعتين 6 و7 مساء غادرت حافلة أخرى أو اثنتان المدينة”.
 
لكن في الليلة نفسها، هاجم من يبدو أنهم متطرفون يهود منزل شحادة فور انتهائها من مقابلة تلفزيونية. قالت إنهم رشقوا المنزل والسيارات المتوقفة أمامه بحجارة كبيرة. وتذكرت أن تدخل الشرطة استغرق وقتا طويلا:
 
اتصلتُ بشمعون دهان [مفوض شرطة اللد] وشرحت الوضع، وقال إنهم في الطريق. لكن شمعون لم يرسل رجاله والشرطة لم تحضر. بعد 40 دقيقة… كان المستوطنون ما يزالون هناك، يحاصرون بيتي ويرشقون الحجارة والشرطة لم تصل بعد. ثم اتصلتُ بقائد المنطقة، يغئال عزرا. بعد سبع دقائق، كانت الشرطة بجوار منزلي، وسمعت بعض القنابل الصوتية وسمعت أيضا الشرطة تقول: “يا شباب، غادروا المنطقة”. بعد ساعتين، وصل [القوميون المتطرفون] مجددا، ورشقوا منزلي بالحجارة.
 
قالت شحادة إن القوميين المتطرفين استهدفوا عائلات أخرى أيضا: “العديد من السكان الفلسطينيين اتصلوا بي في ذلك الوقت خائفين من المستوطنين المتطرفين في أحيائهم. اتصلوا بالشرطة، لكنهم لم يحصلوا على أي جواب أو حماية”. قالت مها النقيب، وهي عضوة سابقة في المجلس البلدي، إن ابنها شهد عدة اعتداءات على منازل الفلسطينيين، واتصل بالشرطة طالبا الحماية. قالت: “إما أنهم لم يردوا على الهاتف أو ردوا قائلين إنهم مشغولون”.
 
الاعتقال التعسفي والانتقائي للفلسطينيين في إسرائيل
 
في 13 مايو/أيار، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو خلال زيارة إلى اللد إلى الاعتقال الإداري لمثيري الشغب – وهي أداة احتجاز تنطوي على انتهاكات، تسمح بالاعتقال المطول دون تهمة أو محاكمة، تستخدمها إسرائيل على نطاق واسع ضد الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولكن نادرا ما استُخدمت ضد الفلسطينيين داخل إسرائيل منذ العام 1966. كما قال لقوات الشرطة ألا تقلق بشأن أي تحقيقات مستقبلية محتملة حول سلوكهم: “نسمع حديثا عن التخوف من لجان التحقيق والتحقيقات والتفتيش – سنمنحكم جميع الأدوات لحماية أنفسكم وحماية مواطني إسرائيل”.
 
بدءا من صباح 14 مايو/أيار، هدأت الاضطرابات في اللد. وصف المفوض العام لشرطة إسرائيل كوبي شبتاي في 18 مايو/أيار الأحداث بأنها شملت تورط “إرهابيين من الجانبين”، لكن وزير الأمن الداخلي آنذاك، أمير أوحانا، انتقد شبتاي لتصريحاته وأصر على وصف المسؤولية عن الاضطرابات بأنها تقع في الأساس على عاتق الفلسطينيين: “مثيرو الشغب العرب هاجموا اليهود وعناصر الشرطة والمعابد اليهودية (…) السياسة هي التعامل بقوة مع مثيري الشغب الإرهابيين. لا يوجد تكافؤ أخلاقي، ولم يكن هناك تكافؤ (…) نعم، سيتم التعامل مع القلة التي هاجمت العرب بقسوة. ولكن من هنا وحتى”كلا الجانبين” الطريق طويلة جدا”.
 
في 23 مايو/أيار، بدأت الشرطة حملة “فرض النظام وتطبيق القانون” بهدف “إعادة الردع وتعزيز الحكم في المواقع التي لها تاريخ [من العنف]”.
 
أفادت هآرتس أن الفلسطينيين شكلوا حوالي 91٪ من 2,142 شخصا اعتقلتهم الشرطة فيما يتعلق بالاضطرابات في اللد، والقدس الشرقية، ومدن “مختلطة” أخرى. من بين هؤلاء، حتى 3 يونيو/حزيران، وُجّهَت تُهَم رسمية إلى 285 شخصا فقط، ما أثار تساؤلات حول الأسباب التي أدت إلى الاعتقالات المتبقية البالغ عددها 1,857.


X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020