حتّى نهايةِ عهدِ المشيرِ أبي غزالةَ لم يكنْ للجيشِ أيّ موارد أخرى غير ميزانيّته، وكانتِ الكفاءة القتاليّةُ لقوّاتنا أفضلَ من الآن بكثيرٍ، ولعلّ الثّقةَ الّتي كانَ يتكلّمُ بها أبو غزالة هي أكبر دليل على ذلكَ … والآنَ وبالرّغمِ من مشاريعِ الجيشِ العملاقة، كمشاريع مصانع الأسمنت، ومشروعات الخدمةِ الوطنيّةِ المعفية من الجماركِ والضّرائب، والفلوس الّتي تجنيها الدّارات من الأفراح والحفلاتِ الغنائيّةِ (أنتم متخيّلين يعني إيه أنّ القوّات المسلّحةَ تمتلكُ أكثر من ٢٠ فندقًا سياحيًّا بالعاصمةِ فقط معفيين من أيّ ضرائب؟ ومتخيّلين كم الرّبح الّتي تجنيه منهم؟) إلّا أنّ الكفاءة القتاليّةَ في تدهورٍ مستمرٍّ. فأينَ تذهبُ هذه النّقودُ، أيّها المجلسُ الموقّر؟ ولماذا لا تتقدّمونَ بإقرارات ذمّة ماليّة أمامَ شعبكم، كما يفعلُ القادة في جميعِ دولِ العالمِ؟".
"(…) ولنستعرض سويًا أمثلة لبعضِ القادةِ المنوط بهم حماية مصر وجيشها: الباشا سامي عنّان، حدّث ولا حرج: قصور وأراضٍ له ولابنه سمير، وباقي العائلة، برخصِ التّرابِ، وبالتّخصيصِ المباشرِ من محمّد إبراهيمِ سليمان (لماذا لم يسأل أحدٌ نفسه كيف لشخصٍ أن يتحوّل من أحد سكّانِ الحاراتِ بمنطقةِ الطّالبيّةِ بالهرمِ إلى قصورِ غربِ الجولفِ بالتّجمّعِ، ويُصبحُ ابنه مالكًا لأحدثِ السّيّاراتِ المرسيدسِ والجيبِ في ٣ سنواتٍ فقط، مع أنّه ليس لديه غير مرتبه الّذي لا يتجاوزُ ٥ آلاف جنيه شهريًّا؟) وسكتنا.
قصور وأراضٍ له ولباقي العائلةِ برخصِ التّرابِ بقريتي مارينا وتيباروز بالسّاحلِ الشّماليّ، وسكتنا. بناته بيتعالجوا بالمخالفة للقانونِ في مستشفياتِ القوّاتِ المسلّحةِ، وسكتنا. بناته بيولدوا في أمريكا على نفقةِ القوّاتِ المسلّحةِ، علشان أحفاده يخدوا الجنسيّة الأمريكيّة، وسكتنا. استغلال طائراتِ المجهودِ الحربيّ اللّي بتروح أمريكا والصّين، علشان تفرش قصوره وقصور أولاده، ويتهرّب من الجمارك، وسكتنا. سبائك الذّهب اللّي بيفرضها إتاوات على قادةِ الوحداتِ في عيد ميلاده، وزواج أولاده، والتّجديد له، وباقي المناسبات، وإلّا يعاملهم معاملة زي الزّفت في المشاريع، وسكتنا. تعيين نجله (٣٦ سنة) نائبًا لرئيس الأكاديميّةِ العربيّةِ للنّقلِ البحريّ متخطّيًا كلَّ من كانَ أقدمَ منه، وذلكَ بعدما فشلَ في شركةِ البترولِ، وجامعةِ الدّولِ العربيّةِ، وسكتنا.
قرار تعيين سمير سامي عنّان نائبًا لرئيس الأكاديميّة. جوز بنته اللّي في الكلّيّةِ الفنّيّةِ اللّي من ساعةِ متجوزها، مقضيها في أمريكا، ومساعد ملحق، وملحق، وأخيرًا بعثه على المخابراتِ العامّةِ مع ابن أخيه علشان يكمل سرقةَ هناكَ بالمخالفةِ لقانون المخابراتِ العامّةِ حيثُ أنّ سنّه ٤٠ سنة، مع أنّ الحدّ الأقصى لسنّ الدّخولِ هناكَ ٢٨ سنة، وسكتنا. وطبعًا كانَ لابدّ من مكافأة مديرِ الكلّيّةِ الفنّيّةِ العسكريّةِ اللّواءِ إسماعيل عبد الغفّار على ذلكَ، فتمّ تعيينه مؤخرًا رئيسًا للأكاديميّة العربيّة للنّقلِ البحريّ، أي مديرًا لابن سامي عنّان الّذي يعملُ نائبًا لرئيسِ الأكاديميّةِ. ما هو مش ممكن يضبط جوز بنته، وميروحش يضبّط ابنه. يالا ما هي عزبة …".
"الباشا مراد موافي، حدّث ولا حرج: يا ريت مراد موافي القائد السّابق بالمجلسِ العسكريّ (مدير المخابراتِ العامّة السّابق – أحد رجال مبارك المخلصين، والّذي قامَ بتعيينه قبل خلعه بأيّامٍ) يقولنا جاب القصور (قصر غبر الجولف بالتّجمّع – قصر الطّلائع بطريقِ مصر الاسماعيليّة – قصر شارع التّسعينَ بالتّجمّع واللّي تمّ تخصيصه له بعدَ ثورة ٢٥ يناير، وغيرهم)، والأراضي (أراضي ٦ أكتوبر، والتّجمّع الخامس، وغيرهم) اللّي عنده من فين، وهو لمّا مسك مديرَ المخابراتِ الحربيّةِ قبل محافظ شمال سيناء، والمخابرات العامّة، مكنش عنده شقّة في مصرَ يسكن فيها، ولذلكَ قام المشيرُ بإعطائه شقّة في عماراتِ ميلسا اللّي عند سيتي ستارز، ليقيم فيها مع أسرته برخص التّراب، خاصّة أنّه مش من الأعيان، ومرتّبه في الجيشِ كانَ لا يتعدّى ٤ آلاف جنيه شهريًّا.
وياريت نسأله: لماذا خصّص لك محمّد إبراهيم سليمان قصرًا في أرقى منطقة في التّجمّع، وهي غرب الجولف، بمجرّد تولّيك المخابراتِ الحربيّة؟ وياريت تحكي لينا إزاي تمّ تعيين ابنك بمجلسِ الدّولةِ بمجرّد تولّيكَ لمنصب مدير المخابراتِ الحربيّة. حسبي اللّه ونعم الوكيل". ا. هـ.
وَتُلْقِي إحْدَى الصّحفيّاتِ الأجنبيّاتِ في مِصْرَ الضّوءَ على مزيدٍ من فَسادِ العسكرِ، حيثُ تقولُ كلير تالون، مُراسلةُ صحيفةِ لوموندَ في القاهرةِ في تقريرٍ لها عنوانُهُ: "جوانبُ مِنَ الفسادِ في المؤسّسةِ العسكريّةِ المصريّةِ" منشورٍ بتاريخِ ٢٤-١-٢٠١٢م: "مَا العلاقةُ بينَ قارورةِ زيتٍ وجهازِ تليفزيونٍ، وكيسِ أسمنتٍ، وزوجِ أحذيةٍ، وقنينةِ ماءٍ، وآلةِ غسيلٍ، وبوتوجازٍ، في مِصْرَ؟ الأرجحُ أنْ يكونَ الجيشُ المصريُّ هُوَ الّذي يُنتجُ كلَّ هذه السّلعِ المذكورةِ، وهوَ مَن يقومُ بتوزيعِهَا! إنّ الجيشَ المصريَّ يقفُ على رأسِ اقتصادٍ موازٍ، غيرِ شفّافٍ، لا يُعرَفُ حجمُه بدقّةٍ، سوى أنّ الخبراءَ يُقدّرونه بربعِ الاقتصادِ الوطنيّ. وبعدَ سنةٍ من اندلاعِ الثّورةِ، فإنّ النّشاطاتِ الاقتصاديّةَ للجيشِ لا تزالُ ضمنَ (المحرّماتِ) الّتي تُسمّمُ مَرحلةَ الانتقالِ نحوَ الدّيمقراطيّةِ، وَهِيَ بينَ أسبابِ تردّدِ الجيشِ في التّخلّي عَن السّلطةِ الّتي يمارسُها المجلسُ الأعلى للقوّاتِ المسلّحةِ بصورةٍ مؤقّتةٍ منذُ سقوطِ حسني مبارك. ويركّزُ الجنرالاتُ، بصورةٍ خاصّةٍ، عَلى حرمانِ البرلمانِ المقبلِ مِنْ حَقِّ مُراقبةِ ميزانيةِ الجيشِ الّتي يذهبُ قسمٌ كبيرٌ منهم لنشاطاتٍ غيرِ عسكريّةٍ. وتؤمِّنُ تلكَ النّشاطاتُ مداخيلَ هائلةً يستفيدُ منها العسكريّونَ بعيدًا عن أيّةِ رِقابةٍ برلمانيّةٍ.
إنّ هذِه المنطقةَ المحظورةَ الّتي لم يتمكّنْ أحدٌ من المساسِ بها خلالَ نصفِ قرنٍ، هِيَ الّتي جعلتْ جنرالاتِ الجيشِ المصريِّ يتبوؤونَ موقعًا مركزيًّا في فسادِ النّظامِ. فعلاوةً على الأعدادِ الكبيرةِ للموظّفينَ الخاملينَ في الإدارةِ العامّةِ المتضخّمةِ، فإنَّ العسكريّينَ المصريّينَ يوجدونَ بكثرةٍ في كلِّ الهيئاتِ الإداريّةِ والاقتصاديّةِ. وإذا طلبتَ موعدًا مَع مديرِ (نادٍ رياضيّ)، أو معَ مديرِ مسبحٍ عموميّ، أو معملِ دواجنَ، أو مصنعِ سكّرٍ، أو معَ محافظِ أيٍّ من ٢٩ محافظةً في البلادِ، فإنّكَ ستجدُ نفسَكَ أمامَ ضابطٍ عجوزٍ لا يتوقّفُ عن الحديثِ عن بطولاته ضدّ إسرائيلَ. بدأتِ الملحمةُ الاقتصاديّةُ للجيشِ المصريّ في عام ١٩٧٩م، غداةَ توقيعِ اتّفاقياتِ السّلامِ معَ الدّولةِ العبريّةِ.
ولجزعِهَا من فكرةِ أنّ السّلامَ سيؤدّي إلى خفضِ ميزانيّاتِ الجيشِ، ومِنَ العواقبِ السّياسيّةِ الّتي يمكنُ أن تنجمَ عن دخولِ ألوفِ الضّبّاطِ المسرّحينَ إلى سوقِ العملِ، فقدْ عمدتِ القيادةُ العسكريّةُ إلى تحويلِ قسمٍ كبيرٍ مِنَ المرافقِ الصّناعيّةِ التّابعةِ لها لإنتاجِ سلعٍ استهلاكيّةٍ. وتحتَ إشرافِ هيئةٍ تمّ إنشاؤها لهذا الغرضِ، وَهِيَ (هيئةُ المشروعاتِ القوميّةِ)، قامتْ وزارةُ الدّفاعِ بتأسيسِ سلسلةٍ من الشّركاتِ التّجاريّةِ يتولّى إدارتَهَا عسكريّونَ، وتتمتّعُ بوضعيّةٍ استثنائيّةٍ. فهذِهِ الشّركاتُ لا تدفعُ ضريبةً، ولا تخضعُ لقانونِ الشّركاتِ، ولا تتعرّضُ لأيِّ مساءلةٍ حكوميّةٍ.
الجنرالاتُ استفادُوا من موجةِ الخصخصةِ: هكذا أمّنَ الجنرالاتُ – الّذين كانَ عبدُ النّاصرِ قد وضعَهم على رأسِ مؤسّساتِ الدّولةِ الكبرى مُنذُ السّتّينيّاتِ، مستقبلَهم الاقتصاديَّ في لحظةِ (الانفتاحِ) الاقتصاديِّ الّذي شرعَ بهِ الرّئيسُ أنورُ السّادات، وترتّبتْ عليِهِ موجةُ تخصيصٍ للمؤسّساتِ العامّةِ. وبدأَ العسكريّونَ بتصنيعِ سلعٍ متنوّعةٍ (غسّالاتٍ، ملابسَ، أدويةٍ، ميكروسكوباتٍ، أجهزةِ تدفئةٍ، أبوابٍ). إنّ معظمَ هذِهِ السّلعِ ذاتِ النّوعيّةِ الرّديئةِ تُباعُ بصورةٍ إلزاميّةٍ للمجنّدينَ العاملينَ في قواعدَ عسكريّةٍ يتعذّرُ عليهم فيها الحصولُ على سلعٍ منافسةٍ. ولكنّ قسمًا منها يجدُ طريقَه إلى السّوقِ، بفضلِ رشاوى يتمّ دفعها للموزّعينَ. وفي مطلعِ سنواتِ الثّمانينيّاتِ أسّستْ هيئةُ المشروعاتِ القوميّةِ سلسلةً من مصانعِ الألبانِ، وانخرطتْ في مشروعاتِ تربيةِ الدّواجن ومزارعِ الأسماكِ.
وكانَ الهدفُ الرّسميّ لهذِه النّشاطاتِ هُوَ دفع الجيشِ للمشاركةِ في التّنميةِ القوميّةِ وتأمينَ الاكتفاءِ الذّاتيّ للقوّاتِ المسلّحةِ. أمّا في الواقعِ فإنّ الّذينَ كانُوا يعملونَ في المشروعاتِ الزّراعيّةِ هُمْ مجنّدونَ شبانٌ بائسونَ يقومونَ بجمعِ البيضِ أو توزيعِ الحبوبِ على آلاتِ تقفيسِ الدّواجنِ، بدلًا من الخضوعِ لتدريبٍ عسكريٍّ. ويستفيدُ العسكريّونَ من علاقاتهم السّياسيّةِ للحصولِ على عقودٍ مجزيةٍ. وهمْ يستغلونَ اليدَ العاملةَ المجّانيّةَ الّتي يمثّلها المجنّدونَ في مصانعَ لا تخضعُ لحقوقِ إنشاءِ نقاباتٍ، أو حتّى لقانونِ العملِ. وهذا ما يجعلُ شركاتهم مزدهرةً. ويؤمّنُ الجيشُ ١٨ بالمئة من إنتاجِ البلادِ الغذائيّ. وتصلُ الأرباحُ إلى ملياراتِ الدّولاراتِ.
وشكّلتْ هذه المداخيلُ نعمةً في سنواتِ التّسعينيّاتِ، حينما أدّى الحظرُ المفروضُ على العراقِ إلى حرمانِ الجيشِ من عائداتِ صادراتِهِ العسكريّةِ للعراقِ أوّلًا، ثمّ لبلدانِ الخليجِ الّتي صارتْ تشتري معدّاتِهَا من الولاياتِ المتّحدةِ بصورةٍ متزايدةٍ. لكنّ الجنرالاتِ والضّبّاطَ المتوسّطي الرّتبِ لم يستفيدوا في أيّةِ حقبةٍ كما استفادوا في عهدِ حسني مبارك بفضلِ سياسةِ (الخصخصةِ) الّتي طبّقها نظامُهُ. وبينَ عَامَي ٢٠٠٤م-٢٠١١م حَصلَ العسكريّونَ على المراكزِ الإداريّةِ في الشّركاتِ الاستراتيجيّةِ الّتي تمّ تخصيصُهَا (المرافئ، وورش إنشاءِ السّفنِ، والطّيران، والبناء).
في الوقتِ نفسِهِ عَمدَ العسكريّونَ إلى التّلاعبِ بالقانونِ الّذي يسمحُ لهم بوضعِ اليدِ على الأراضي من أجلِ الدّفاعِ عن الوطنِ، فعمدوا إلى تأسيسِ مشروعاتٍ عقاريّةٍ وسياحيّةٍ على الشّواطئ، عَبرَ بيعِ أراضيهم لمقاولينَ كانوا يكفلونَ لهم حصّتهم من الأرباحِ في المشروعاتِ السّياحيّةِ الكبرَى. ووفقًا للباحثِ الأمريكيّ روبرت سيرنغبور المتخصّصِ في الشّؤونِ العسكريّةِ فإنّ الحمّى الاقتصاديّةَ الّتي انتابتِ الجيشَ المصريّ بلغتْ حدًّا أثّرَ في مهمّاته الدّفاعيّةِ، وأفقدتْه كثيرًا من قدراتِهِ العمليّاتيّةِ. وباتَ الجنودُ المصريّونَ الّذين يتمّ استخدامُهم في المصانعِ العسكريّةِ بدلًا مِنْ تدريبِهم عَلى التّعاملِ معَ أسلحتِهم غيرَ قادرينَ على استخدامِ أسلحتِهم، مع أنّها أسلحةٌ حديثةٌ. بل إنّ هذه الأسلحةَ الّتي قدّمتها الولاياتُ المتّحدةُ، مثل مقاتلاتِ (إف ١٦)، ودبّاباتِ (إم أي ١)، لا تحظى بصيانةٍ مناسبةٍ. ويتنعّمُ كبارُ الضّبّاطِ الّذين يستفيدونَ من مزايا عينيّةٍ كثيرةٍ في شققِهم الفخمةِ الّتي تقعُ ضمنَ (مجمّعاتٍ) مخصّصةٍ لهم، مثلِ (مدينةِ نصرٍ) في القاهرةِ، حيثُ تتوفّرُ لهم خدماتٌ بأسعارٍ مدعومةٍ (حضاناتٌ للأطفالِ، ومدارسُ، وتعاونيّاتٌ بأسعارٍ مخفّضةٍ). ولكنّ الوضعَ ليسَ مغريًا بالقدرِ نفسِهِ بالنّسبةِ للضّبّاطِ الآخرينَ، حيثُ تكشفُ إحدى برقياتِ (ويكيليكس) الّتي حرّرها السّفيرُ الأمريكيّ في القاهرةِ، في سبتمبرَ ٢٠٠٨م، وبصورةٍ فجّةٍ، (هُبوطَ القدراتِ التّكتيكيّةِ والعمليّاتيّةِ للجيشِ المصريّ)، كما تتضمّنُ شهادةً لجنرالٍ متقاعدٍ يؤكّدُ فيها أنّ رواتبَ العسكريّينَ انخفضتْ إلى ما دون رواتبِ القطاعِ الخاصِّ.
هَلْ يمكنُ، بناءً على ما سبقَ، تصوّرُ حدوثِ صدعٍ بينَ الضّبّاطِ الشّبّانِ والجنرالاتِ العجائزِ الّذينَ يدافعونَ عن امتيازاتهِم؟ هذا ما يعتقدُه الباحثُ روبرت سبرنغبورغ. ففي مقابلةٍ مع جريدةِ (ذي اندبندنت) المصريّةِ في أوّلِ ديسمبرَ ٢٠١١م، حذّرَ الباحثُ أعضاءَ المجلسِ الأعلى للقوّاتِ المسلّحةِ من استطلاعاتِ الرّأي الّتي دأبتْ على إبرازِ الشّعبيّةِ الواسعةِ الّتي يتمتّعُ بها الجيشُ. وقالَ إنّ سلكَ الضّبّاطِ الشّبانِ يشعرُ بامتعاضٍ متزايدٍ من فسادِ رؤسائِه، ومن إدارتِهم القاسيةِ لعمليّةِ الانتقالِ السّياسيّةِ. وَقد قامتِ السّلطاتُ بمصادرةِ كلّ أعدادِ الجريدةِ غداةَ نشرِ المقابلةِ". ا. هـ.
وأخيرًا أنتقلُ إلى دراسةٍ كتبها محمّد دلبح بعنوان: "هكذا عجَنَتْ واشنطن الجيشَ المصريَّ وشكّلته" حيثُ يقولُ: "مُنْذُ اتّفاقيةِ كامب دِيفيد والولاياتُ المتّحدةُ ممثّلةٌ بوزارةِ دفاعِها تعملُ على الإمساكِ بالجيشِ المصريّ، تمويلًا وتسليحًا وتدريبًا وعقيدةً. نجحتْ في عجنِه وإعادةِ تشكيلِه مِن جديدٍ وفقَ مصالحها القوميّةِ، حتّى أنّها أدخلتْ تغييراتٍ جوهريّةً على بنيتِهِ، وأعادتْ تحديدَ عدوِّه، مسقطةً بذلكَ إسرائيلَ وما تُنفقُه من أموالٍ (على جَيشها)، كما عملتْ على إعادةِ تدويرِه إلى شركاتِ الأسلحةِ الأمريكيّةِ. عقبَ إطاحةِ الرّئيسِ الإخوانيّ، مُحمّد مرسي، عَهدَ البيتُ الأبيضُ إلى وزيرِ الدّفاعِ الأمريكيّ تشاك هاغل، بأنْ يكونَ قناةَ الاتّصالِ الرّئيسيّةَ بينَ الحكومةِ الأمريكيّةِ وقيادةِ الجيشِ المصريّ، الّتي تمسكُ حَاليًا بزمامِ الأمورِ في مصرَ.
ويرى طاقمُ السّياسةِ الخارجيّةِ والأمنِ القوميّ في البيتِ الأبيضِ أنّ وزيرَ الدّفاعِ المصريّ عبدَ الفتّاحِ السّيسي بمنزلةِ نقطةِ الارتكازِ في مصرَ، خاصّةً وأنّ العلاقاتِ العسكريّةَ بينَ الولاياتِ المتّحدةِ ومصرَ الّتي تعزّزتْ مُنذُ توقيعِ مُعاهدةِ كامب ديفيد في عامِ ١٩٧٩م، قد أسفرتْ عن إدخالِ تغييراتٍ جوهريّةٍ في بنيةِ القوّاتِ المسلّحةِ المصريّةِ وتوجّهاتها وعقيدتِها العسكريّةِ، وخططِهَا الاستراتيجيّةِ من خلالِ برامجِ التّدريبِ والتّسليحِ الأمريكيّةِ والمناوراتِ العسكريّةِ المشتركةِ السّنويّةِ. ويرى خُبراءُ أنّ العلاقةَ الخاصّةَ الّتي تربطُ الولاياتِ المتّحدةَ بالجيشِ المصريِّ هِيَ الّتي تُفسّرُ تردّدَ البيتِ الأبيضِ بإعلانِ موقفٍ صريحٍ إزاءَ إطاحةِ الرّئيسِ مرسي، وتجنّبَ وصفِ ذلكَ بانقلابٍ عسكريّ خلافًا للمواقفِ الّتي أعلنها العديدُ من أعضاءِ الكونغرسِ الأمريكيّ.
أَمريكا تُغيّرُ بنيةَ الجيشِ المصريّ وتوجّهاتِه: تكشفُ الدّراسةُ الميدانيّةُ غيرُ المنشورةِ حولَ القوّاتِ المسلّحةِ المصريّةِ وعلاقاتِ التّعاونِ العسكريّ الأمريكيّ-المصريّ الّتي وَضعها كينيت بولاك، المحلّلُ السّابقُ في وكالةِ الاستخباراتِ المركزيّةِ الأمريكيّةِ (سي آي إيه)، وَمديرُ قسمِ الخليجِ في مجلسِ الأمنِ القوميّ في عَهدِ الرّئيسِ الأسبقِ بيل كلينتون، مَدى التّخريبِ الّذي مارسَتْهُ الولاياتُ المتّحدةُ في كلّ فروعِ القوّاتِ المسلّحةِ المصريّةِ من خِلالِ مستشارِيها العسكريّينَ والسّياسيّينَ منذُ أنْ قرّرَ الرّئيسُ المصريُّ أنورُ السّادات، الّذي اغتيلَ في ٦ تشرين الأوّل (أكتوبرَ) سنة ١٩٨١م على منصّةِ العرضِ العسكريّ، في عامِ ١٩٧٩م الانتقالَ بمصرَ كلّيًّا إلى صفِّ الولاياتِ المتّحدةِ، ووضعَها في خدمةِ الاستراتيجيّةِ الأمريكيّة-الإسرائيليّةِ في المنطقةِ.
وقدْ أعدَّ بولاك دراستَهُ بعنوانِ (أبو الهولِ والنّسرُ: القوّاتُ المسلّحةُ المصريّةُ والعلاقاتُ العسكريّةُ الأمريكيّةُ-المصريّةُ) قبلَ عدّةِ سنواتٍ، استنادًا إلى وثائقَ أمريكيّةٍ ومقابلاتٍ ميدانيّةٍ مَعَ ضبّاطٍ مصريّينَ وأمريكيّينَ كبارٍ يؤكّدونَ فيها حُدوثَ تحوّلٍ وانقلابٍ كاملٍ في العقيدةِ العسكريّةِ للجيشِ المصريّ ومهامِّهِ واستراتيجيّته ومجملِ خططِه الّتي تقومُ على اعتبارِ أنّ إسرائيلَ لا تُشكّلُ تهديدًا له، كَما لَمْ تَعُدْ بالنّسبةِ له هدفًا.
وَقَالَ بولاك إنّ الولاياتِ المتّحدةَ أرسلتْ في الفترةِ مِنْ ١٩٩٠م إلى ١٩٩١م فريقًا مِنْ خُبراءِ البنتاجونِ لدراسةِ الجيشِ المصريّ مِنَ القمةِ إلى القاعدةِ، وتقديمِ توصياتٍ إلى الحكومةِ المصريّةِ حولَ حاجتِهِ من المشترياتِ العسكريّةِ وهيكليّةِ الجيشِ. وكانَ أوّلُ طلبٍ تقدّمَ بهِ الفريقُ الأمريكيُّ هُوَ إعداد خطّة معركةٍ متكاملةٍ، وَهُوَ ما لم تستجبْ له قيادةُ الجيشِ المصريّ نظرًا لأنّه لم يسبقْ لهم إعدادُ ذلكَ. كما أنّ فهمَ القيادةِ العسكريّةِ المصريّةِ العليا للقوّاتِ المصريّةِ كانَ خاطئًا أو غيرَ مكتملٍ في عديدِ المجالاتِ. وَقالَ بولاك في حديثٍ خاصٍّ مَعهُ إنّ ما جاءَ في دراستِهِ لا يزالُ ينطبقُ على حَالةِ الجيشِ المصريّ حاليًا، مشيرًا إلى أنّ ما يهمُّ الولاياتِ المتّحدةَ حولَ قُدراتِ الجيشِ المصريّ هُوَ أربعةُ أمورٍ، أبرزُهَا: الكيفيّةُ الّتي يكونُ فيها الجيشُ المصريُّ جُزءًا من استراتيجيّةِ الأمنِ القوميّ المصريّ: مَا هِيَ التّهديداتُ الّتي تواجِهُهَا مصرُ، وكيفيّةُ استخدامِ الحكومةِ المصريّةِ القوّاتِ المسلّحةَ لمواجهةِ هَذه التّهديداتِ، والوسائلُ الّتي سيتمُّ تبنّيها لاستخدامِ الجيشِ كأداةٍ لسياستِها الخارجيّةِ.
وَيخلصُ بولاك في دراستِهِ إلى أنَّ عدمَ الشّعورِ داخلَ الجيشِ المصريّ بوجودِ تهديدٍ مباشرٍ قَد أدّى إلى انتشارِ الفسادِ داخلَ قياداتِهِ العليا. وَتشيرُ تقاريرُ عديدةٌ إلى أنّ دورَ واشنطنَ في تسليحِ الجيشِ المصريِّ، وتعزيزِ صناعاتِه العسكريّةِ، على مدى العقودِ الثّلاثةِ الماضيةِ، عاملٌ رئيسيٌّ في تحديدِ كيفيّةِ تعاملِ الجيشِ مَعَ إطاحةِ الرّئيسِ المخلوعِ حسني مبارك في ١١ شباط (فبراير) ٢٠١١م. وتُعتبرُ صناعةُ الأسلحةِ في مصرَ الأقدمَ والأوسعَ والأكثرَ تقدّمًا من النّاحيةِ التّكنولوجيّةِ في الوطنِ العربيّ. وَيتمُّ تمويلُ المؤسّساتِ العسكريّةِ، الّتي تملك حِصصًا اقتصاديّةً كبيرةً، مِن خلالِ مُساعداتٍ عسكريّةٍ أمريكيّةٍ سنويّةٍ بقيمةِ ١،٣ مليار دولارٍ.
وَطبقًا لما ذكرَه باحثونَ واقتصاديّونَ مصريّونَ، فقدْ بدأَ المجلسُ الأعلى للقوّاتِ المسلّحةِ المصريّةِ فورَ تولّيهِ السّلطةَ عَقبَ إطاحةِ مبارك، باتّخاذِ خُطواتٍ لحمايةِ امتيازاتِ اقتصادِهِ المغلقِ، الّذي لا يدفعُ من خلالِهِ الضّرائبَ، ويشتري الأراضي العامّةَ بشروطٍ ملائمةٍ، ولا يكشفُ شيئًا عَنه في البرلمانِ أو إلى العامّةِ، مَا يعيقُ التّغييراتِ المرجوةَ نحوَ اقتصادٍ مفتوحٍ. ويقولُ الخبيرُ في شؤونِ الجيشِ المصريِّ في الكلّيّةِ البحريّةِ الأمريكيّةِ للدّراساتِ العليا، روبرت سبرينغبورغ، إنّ حمايةَ أعمالَهُ من التّدقيقِ والمحاسبةِ هو خطٌّ أحمرُ سيرسمُه الجيشُ المصريُّ. وهذا يعني أنّه لا يوجدُ إمكانيّةٌ لمراقبةٍ مدنيّةٍ مُجديةٍ (لهذِه الأعمالِ). وقد سعى جِنرالاتُ المجلسِ الأعلى للقوّاتِ المسلّحةِ إلى تثبيتِ ذلكَ قبلَ عَقدِ الانتخاباتِ التّشريعيّةِ والرّئاسيّةِ الّتي انبثقَ عنها تشكيلُ حكومةٍ جديدةٍ استهدفتْ ضمانَ استمرارِ رضا الولاياتِ المتّحدةِ. وَقد أكّدتْ نصوصُ الدّستورِ المصريّ، الّذي أشرفتْ على وضعِه حكومةُ مرسي، عَلى منحِ الجيشِ المصريّ ما وُصِفَ بـ (حكمٍ ذاتيٍّ). فَلا أحدَ يتدّخلُ في ميزانيّاتِهِ.
وَيعتقدُ محلّلونَ غربيّونَ أنّ (الإمبراطوريّةَ العسكريّةَ) في مِصْرَ تُشكّلُ أكثرَ مِنْ ثُلثِ الاقتصادِ المصريِّ، فيما يَخشى اقتصاديّونَ أن يُعيقَ الجيشُ مواصلةَ التّحوّلِ من اقتصادٍ تسيطرُ عَليه الدّولةُ، الّذي بدأ في عهدِ الرّئيسِ الرّاحلِ جمال عبد النّاصر، إلى اقتصادٍ أكثر انفتاحًا تطوّرَ في عهدَ الرّئيسِ المخلوعِ حسني مبارك. وَقالَ مديرُ البحثِ الاقتصاديّ في مركزِ الأهرامِ للدّراساتِ السّياسيّةِ والاستراتيجيّةِ، عَبد الفتّاحِ الجبّالي، إنّ (النّاسَ يظنّونَ أنّ اللّيبراليّةَ تخلقُ الفسادَ، وأظنُّ أنّنا سنعودُ إلى الاشتراكيّةِ، ليس بشكلٍ تامٍّ، بل ربّما نصفيّ).
وَيصلُ عددُ أفرادِ القوّاتِ المسلّحةِ المصريّةِ إلى نحوِ ٥٠٠ ألف جنديٍّ نظاميٍّ، إلى جانبِ نحو ٤٥٠ ألفًا من الاحتياطِ. وَهِيَ مجهّزةٌ بنظمِ تسلّحٍ أمريكيّةٍ، تُعطي واشنطن نفوذًا كبيرًا على الجيشِ المصريّ وغيرِه من المؤسّساتِ المهمّةِ. ولم توقفْ قيادةُ البنتاجونِ اتّصالاتها مَعَ المجلسِ الأعلى للقوّاتِ المسلّحةِ منذُ أن كانَ برئاسةِ المشيرِ محمّد حسين طنطاوي، ورئيسِ الأركانِ السّابقِ الفريقِ سامي عنّان، اللّذينِ طَمأنا الولاياتِ المتّحدةَ وإسرائيلَ لجهةِ التزامِ مصرَ بمعاهدةِ كامب ديفيد، الّتي تُعتبرُ حجرَ الزّاويةِ لاستراتيجيّةِ الولاياتِ المتّحدةِ في المنطقةِ. وَهُوَ ما أكّدَهُ أيضًا القائدُ العامُّ للجيشِ المصريِّ الحاليّ الفريقُ السّيسي.
وَقَدْ تلقّتْ مصرُ مُنْذُ عامِ ١٩٧٩م نحوَ ٦٨ مليارَ دولارٍ من المساعداتِ الأمريكيّةِ، بلغتِ الحصّةَ العسكريّةَ منها نحوَ ٤٠ مليارَ دولارٍ. ممّا جعلَ مصرَ ثاني أكبرِ متلقّ لمساعداتٍ من هذا القبيلِ بعدَ إسرائيلَ. ويجري إنفاقُ نحو ٣٠ في المئةِ منَ المساعدةِ العسكريّةِ الأمريكيّةِ على أنظمةِ أسلحةٍ جديدةٍ بما يضمنُ الاستبدالَ التّدريجيَّ لمنظومةِ الأسلحةِ السّوڤييتيّةِ الّتي كَانتْ بحوزةِ الجيشِ المصريّ بأسلحةٍ أمريكيّةٍ. وطبقًا لتقريرٍ لهيئةِ خدماتِ أبحاثِ الكونغرس الأمريكيّ، فإنّ المساعدةَ العسكريّةَ الأمريكيّةَ لمصرَ تُشكّلُ ثلثَ ميزانيّتها الدّفاعيّة الّتي تبلغُ حَوالي ٥ ملياراتِ دولارٍ.
وَيقولُ باحثونَ وخبراءُ ومسؤولونَ عسكريّونَ أمريكيّونَ سَابقونَ إنّ المساعداتِ العسكريّةَ الأمريكيّةَ السّنويّةَ للجيشِ المصريّ سَاهمتْ في تعزيزِ بيروقراطيّةٍ عسكريّةٍ في مِصْرَ أسفرتْ عن خلقِ شبكةٍ من الصفقاتِ الدّاخليّةِ، والفسادِ في الجيشِ. وَتدفعُ وزارةُ الدّفاعِ الأمريكيّةُ معظمَ الأموالِ مباشرةً للشّركاتِ الأمريكيّةِ الّتي تزوّدُ الجيشَ المصريَّ بالأسلحةِ والطّائراتِ والسّفنِ وغيرِهَا.
وَيقولُ معارضونَ مصريّونَ إنّ الرّئيسَ المخلوعَ حسني مبارك وجنرالاتٍ كبارًا تمكّنوا من تحويلِ الأموالِ، على الرّغمِ من إصرارِ المسؤولينَ الأمريكيّينَ على أنّه لا يمكنُ سرقةُ هذا المالِ. لكنْ لا أحدَ يعلمُ كيفَ تُستخدمُ السّلعُ الّتي يحصلُ عليها الجيشُ بعدَ وصولِها إلى مِصْرَ. وَمن بينَ الأمثلةِ على ذلكَ مستشفًى عسكريٌّ موّلتْهُ الولاياتُ المتّحدةُ في بدايةِ التّسعينيّاتِ، وقد حوّلَهُ الجيشُ إلى مستشفًى فخمٍ لاستقبالِ المدنيّينَ والأجانبِ وكسبِ المالِ. كما استخدمَ الجيشُ سربًا من الطّائراتِ النّفّاثةِ الّتي حصلَ عليها من أمريكا للسّفرِ المترفِ. ويقولُ الجنرالُ المتقاعدُ في سلاحِ الجوِّ الأمريكيّ، مايكل كولينغز، الّذي كانَ الملحقَ العسكريَّ ومديرَ مكتبِ التّعاونِ العسكريّ-الأمريكيّ في القاهرةِ بين عامي ٢٠٠٦م-٢٠٠٨م، إنّه قلقٌ من تفشّي الفسادِ في المراتبِ العليا في الجيشِ المصريّ، مُشيرًا إلى أنّ الأمريكيّينَ لم يستطيعوا تتبعَ الأرباحِ الّتي تحقّقها المصانعُ الّتي يديرُهَا الجيشُ. وقالَ إنّه يعتقدُ أنّ الشّعبَ المصريَّ يستحقُّ أفضلَ من ذلكَ. وأوضحَ أنّه حينَ كانَ في مصرَ، أخبره القادةُ العسكريّونَ عن خطّةٍ يوزّعُ بموجبها مبارك الأموالَ على قادةِ الأفرعِ المختلفةِ في الجيشِ من بحريّةٍ وقوّاتٍ جويّةٍ وقوّاتٍ دفاعيّةٍ. وقد أكّدَ مسؤولٌ سابقٌ في الجيشِ المصريّ تصريحاتِ كولينغز.
برامجُ الدّعمِ والمصالحُ الأمريكيّةُ: يرى البيتُ الأبيضُ والسّياسيّونَ الأمريكيّونَ أنّ أيَّ وقفٍ للمساعداتِ الأمريكيّةِ لمصرَ من شأنِهِ أن يعرّضَ المصالحَ الأمريكيّةَ في مصرَ والمنطقةِ إلى التّهديدِ. وقد أوضحَ المتحدّثُ باسمِ البيتِ الأبيضِ، جاي كارني، ذلكَ بقولِهِ: (نعتقدُ أنّه ليسَ من مصلحةِ الولاياتِ المتّحدةِ الإقدامُ على تغييرِ برامجِ الدّعمِ في هذه المرحلةِ)، نافيًا وقفَ المساعداتِ في المدى القريبِ. وَقالَ: (إذ نعتقدُ أنّ ذلكَ الإجراءَ لا يصبُّ في خدمةِ مصالحِنَا بالشّكلِ الأفضلِ). وَفي أساسِ هَذه المصالحِ، الإبقاءُ على التزامِ مصرَ بمعاهدةِ كامب ديفيد.
وَقالتْ مؤسّسةُ راند ذاتُ العلاقةِ الوثيقةِ بالبنتاجونِ إنّ (المنطقَ الرّشيدَ يكمنُ في كونِ المساعداتِ تصبُّ في خِدمةِ الاعتباراتِ الاستراتيجيّةِ الحقيقيّةِ) للولاياتِ المتّحدةِ. وأوضحتْ أنّ المساعداتِ الأمريكيّةَ لا تُمثّلُ سوى واحدٍ في المئةِ من مجملِ الاقتصادِ المصريّ، مقارنةً بنسبةِ سبعةٍ في المئةِ كانتْ تُمثّلها في عامِ ١٩٨٦م، فضلًا عن أنّ نحوَ ٨٠ في المئةِ من مجملِ المساعداتِ هِيَ عسكريّةٌ بطبيعتِها، وَتذهبُ لشراءِ معدّاتٍ أمريكيّةٍ مِنْ شركاتٍ تُنتجُ المدرعاتِ والطّائراتِ المقاتلةَ والمروحيّةَ.
الشّركاتُ الأمريكيّةُ المستفيدُ الأوّلُ: تشترطُ الولاياتُ المتّحدةُ على مصرَ أن تُنفِقَ الأموالَ الأمريكيّةَ على معدّاتٍ وخدماتٍ أمريكيّةٍ، وبالتّالي تُصبحُ مصدرَ دعمٍ فعّالًا للشّركاتِ الأمريكيّةِ. وتُقيمُ شركاتُ (لوكهيد مارتن)، وَ(بوينج)، وَ(جنرال إلتريك)، و(رايثيون)، وَ(جنرال دايناميكس)، وَ(بي إيه أي سيستمز)، صفقاتٍ تجاريّةً كبرى مَعَ القاهرةِ، من خلالِ بيعِ طائراتٍ مقاتلةٍ ودبّاباتٍ وأجهزةِ ردارٍ ومدفعيّةٍ وغيرِها من المعدّاتِ العسكريّةِ إلى مصرَ. وتلقّتْ شركةُ (لوكهيد مارتن) في سنة ٢٠١٠م نحوَ ٢١٣ مليونَ دولارٍ، لقاءَ دفعةٍ جديدةٍ من ٢٠ طائرةً (إف ١٦) لسلاحِ الجوّ المصريّ الّذي يمتلكُ حوالي ١٨٠ من المقاتلاتِ الأمريكيّةِ.
وهذا يجعلُ من مِصْرَ رابعَ أكبرِ مشغّلٍ لطائراتِ (إف ١٦). كما حقّقتْ شركةُ (لوكهيد مارتن) أرباحًا تُقدّرُ بـ ٣،٨ مليارات دولار من بيعِ طائراتِ (إف ١٦) ومبيعاتٍ أخرى إلى مصرَ. فيما كسبتْ شركةُ (بوينج) الّتي تبيعُ القاهرةَ مروحيّاتِ نقلٍ من طرازِ شينوك-٤٧ ما يُقدّرُ بـ ١،٧ مليار دولار. وحقّقتْ (جنرال دايناميكس لاند) ٢،٥ مليار دولار من خلالِ حصولِها في عامِ ١٩٨٨م على ترخيصٍ لإنتاجِ دبّاباتِ (أبرامز إم ١ آي ١) في مصرَ، حيثُ ينصُّ الاتّفاقُ على إنتاجِ ١٢٠٠ دبّابةٍ من نوعِ (أبرامز) في مصانعَ في ضواحي القاهرةِ، بحيثُ يجري إنتاجُ الجزءِ الأكبرِ مِنْ مكوّناتها في مصرَ (٤٠ في المئة) دَعمًا لفرصِ العملِ، فيما يجري تصنيعُ ما تبقّى من مكوّناتٍ في الولاياتِ المتّحدةِ، ويجري شحنُها إلى مصرَ للتّجميعِ النّهائيّ للدّبّابةِ.
في المقابلِ قامتِ الشّركاتُ المملوكةُ للدّولةِ الّتي يسيطرُ عليها الجيشُ والهيئةُ الوطنيّةُ للإنتاجِ الحربيّ بتصنيعِ الأسلحةِ الخفيفةِ والذّخائرِ لجميعِ الأسلحةِ والمدفعيّةِ والصّواريخ ومعدّاتِ الاتّصالاتِ. ومنَ الثّابتِ أنّ معظمَ برامجِ المساعداتِ الأمريكيّةِ المقدّمةِ لمصرَ تذهبُ لتمويلِ الأسلحةِ والمعدّاتِ العسكريّةِ الّتي تُنتجها الشّركاتُ الأمريكيّةُ، بينما يذهبُ جزءٌ ضيئلٌ بالمقارنةِ إلى قطاعِ التّنميةِ الاقتصاديّةِ، ومنها المشاريعُ الّتي تسيطرُ عليها القوّاتُ المسلّحةُ الّتي تُشغّلُ عمّالًا لإنتاجِ مدرّعاتِ (إم-١)، فضلًا عن تطويرِ صناعةٍ داخليّةٍ للمدرّعاتِ قد تضعُها في مصافِ السّوقِ العالميّ في المستقبلِ". ا. هـ .







