شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

بدا قزما في روسيا – وليد أبوالنجا

بدا قزما في روسيا – وليد أبوالنجا
  بدا على حقيقته في روسيا، بدا قزما. ضعيفا مرتبكا متلعثما، يكرر الكلمات، متواضع الإمكانيات، على جميع...

 

بدا على حقيقته في روسيا، بدا قزما. ضعيفا مرتبكا متلعثما، يكرر الكلمات، متواضع الإمكانيات، على جميع المستويات: اللباقة، واللياقة، والتحكم الانفعالي، وارتجال الكلمات، وعرض الأفكار.

بدا كما يبدو الصغير حين يلبس ثوبا جديدا، أو يحصل على لعبة جديدة، فرحانا جذلا، متهلل الأسارير. ها قد اقتربتُ من تحقيق مناماتي.

 

بدا الرجل كما هو، لا كما يحب أن يُصوَّر، ستيني عجوز بدون وسامة مدعاة، وبدون هالة من العظمة الكذابة تحيط به، وليس الذنب ذنبه، وإنما هي طبيعة الهالة، محلية الصنع، محلية الاستخدام، غير صالحة للتصدير أو الاستعمال في بلاد ما وراء النهر وبلاد الفرنجة.

 

هل تعرف الفرق بين ممثل يعتلي خشبة المسرح (أبو الفنون) ويحفظ الدور، ويواجه الجمهور، وممثل السينما الذي يمكن أن يكرر المشهد عشرات المرات (كلاكيت)، ليخرج منها باللقطة التي يريد؟ في مصر هو ممثل سينما، لا تخرج لقطاته على الناس إلا بعد المداولة، والعرض على الشؤون المعنوية، وانتقاء أفضل اللقطات، والقص واللصق (المونتاج).

 

هل رأيت يوما فريقا من فرق كرة القدم عندنا يصول ويجول محليا، ويكتسح البطولات، فإذا لاعب فريقا عالميا غُلب بنصف دستة أهداف، وظهر مستواه على حقيقته، وخرج المشاهد بقناعة أننا نلعب (كرة شراب) لا كرة قدم؟

هل انقطع التيار الكهربائي يوما ومرَّ جرذ أو طفل بجوار شمعة تضيء المكان، فظهر ظله وكأنه ديناصور أو عملاق، فلما عاد التيار الكهربائي، عاد الجرذ جرذا والطفل طفلا؟ فحين يسود الظلام لا تظهر الأشياء على حقيقتها.

 

تلاعب به الدب الروسي كيفما شاء، وهو يحسب أنه يحسن صنعا بترويضه.

لم يبدُ كزعيم أو منقذ أو مخلص، أو مبعوث للعناية الإلهية لإنقاذ الشعب المصري، لم يبد كموسى كما يقول (الهلالي)، وأين الضعيف الخائن من القوي الأمين؟ بل لم يبد كعبد الناصر، أو مرسي، أو حتى سيده حسني مبارك.

هل حقا هذا هو وزير دفاع مصر، هل هذا هو من يريدون تنصيبه رئيسا لمصر في انتخابات صورية، أو ملكا متوجا بلا انتخابات، هل هزلت مصر إلى هذه الدرجة؟

 

لقد هزلت حتى بدا من هزالها * * * كُلاها، وحتى سامها كل مفلس.

 

زيارة أثارت من الأسئلة أكثر مما قدمت من إجابات، لماذا الآن، لماذا روسيا، من الذي استقبل قائد الانقلاب في المطار، ولماذا لم يستقبله بوتين ولو على باب القصر، ولماذا انتفض المهدي المنتظر بمجرد دخول بوتين لقاعة الاجتماعات، ولماذا وقف مطأطئ الرأس منحنيا، وما سر المعطف ذي النجمة الحمراء؟ الذي ادعى المدعون أنه معطف لا يلبسه إلا العظماء، فلماذا لم يلبسه بوتين إذن؟! وقالوا: أن بوتين أهداه له بذات نفسه! وزعم آخرون أنه لحراس بوتين الشخصيين، أو لفريق الهوكي. وربما الأمر أبسط من ذلك، أن اللواء السابق كان مرتعشا من هول اللقاء، فحسبوه بردانا فاستعاروا له معطفا من أحد جنود روسيا.

 

أسئلة بلا إجابات، لأن الأجابات في أحيان كثيرة تكون محرجة.

 

فعل الرجل الذي يتخفي خلف نظارته السوداء ما فعل ليجذب عدسات الكاميرات، فليكن له ما يريد، لكن الكاميرات ليست مثل البشر تكذب وتتجمل، إنما تنقل الصورة كما هي، بلا رتوش أو تجميل، أو تكبير أو تصغير.

 

يكنُّ الرجل اعتزازا خاصا لبوتين على المستوى الإنساني، ويظهر هذا في نظرات الإعجاب التي رمقه بها بعد أن صافحه، كأنه لا يكاد يصدق أنه صافح بوتين شخصيا، بشحمه ولحمه. تسطيع أن تقول: إن بوتين أحد مُثله العليا – بعد هتلر كما يقول عباس مدير مكتبه – فبوتين رجل مخابرات، وصل إلى سدة الحكم في روسيا، بل استطاع أن يعود لفترة ثالثة بالالتفاف على الدستور، بحيلة جديدة يمكن أن تسجل باسمه في موسوعة جينيس، وهي تبادل المواقع مع صديقه الوفي مدفيديف.

 

يعيش الرجل فترة استثنائية من حياته، للدرجة التي قد يسأل فيه نفسه: (هو أنا في حلم ولا في علم)، أمستيقظ أنا أم نائم؟

 

قالوا في الأمثال: تكلم حتى أراك. فماذا قال الرجل حين تكلم؟ قال: (أهنئكم على التنظيم الرائع لأولمبياد سوتشي .. الحقيقة أنا سعدت اليوم بلقائكم … الحقيقة أنا أود أن أشكركم على ترحيبكم بنا وامتناني الحقيقة بالحفاوة … الحقيقة زيارتنا اليوم تمثل انطلاقا للعلاقة التاريخة التي جمعت بين روسيا الاتحادية ومصر … الحقيقة العالم الآن يعيش مرحلة دقيقة من تاريخه …). والحقيقة أنا لا أدري لماذا تكررت كلمة الحقيقة، هل من يكذب يكثر الحديث عن الحقيقة؟ ربما.

 

وقال: (السيد الرئيس اسمح لي في البداية أن أتوجه بالتحية والتقدير لشخص حضرتك، وأنا يعني متشكر جدا أنك أتحت لي الفرصة لهذا اللقاء، رغم المشاغل الكبيرة التي تواجه منصب الرئيس هنا في روسيا)!!

 

لم يتكلم الرجل باسم مصر، ولا باسم الرئيس المعين، ولا باسم رئيس الوزراء المعين، ولا باسم الحكومة الانقلابية المعينة التي ينتمي إليها، وإنما تحدث باسم نفسه فقط، فهو لا يمثل إلا نفسه.

 

المصدر: الجزيرة مباشر مصر



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020