حديث السيسي عن "الرحيل".. بحث عن "كبش فداء" أم ورقة في كتاب المراوغة؟

"أوعوا تفتكروا إنكم واقفين وراء غدر وخيانة أو مكر ودسائس، لا إحنا مش عندنا الكلام ده، أنا بأكد علشان أفكر نفسي وأفكركم: نحن لا نخون، ولا نتآمر، ولا نغدر، ولا نكيد". هكذا خاطب السيسي جنود الشرطة وضباطها يومًا ما، مؤكدًا أمامهم أنه لم يتم التنسيق مع أي دولة لإتمام التغيرات السياسية التي حدثت في مصر في يوليو 2013.

إلا أنه تبين لاحقًا، بدلائل عديدة، كذب ما قال ومخالفته للواقع؛ فنشرت "واشنطن بوست" تصريح السيسي الشهير لها الذي جاء فيه أن "الولايات المتحدة لم تكن بعيدة بأي حال من الأحوال عما يجري هنا، وكنا حريصين على أن نمد مسؤوليهم بإحاطات كافية حول الوضع الراهن، ومنذ شهور أخبرتهم بأن هناك مشكلة كبيرة في مصر، وطلبت دعمهم ومشورتهم ونصيحتهم كشريك استراتيجي وحليف لنا".

وكثيرًا ما أقسم السيسي على أمور ادعى أنها حقيقية ثم اتضح كذبها، والأغرب في الأمر علمه أن الوصول إلى الحقيقة في هذه الأمور من السهل بمكان؛ بحيث يتضح كذبه.

وخرج السيسي على المصريين في مؤتمر الشباب بالإسماعيلية (الأربعاء) بعديد من القسم "بالله" على أمور جديدة؛ أبرزها أنه إذا رأى المصريين لا يريدونه في الحكم فإنه سيرحل، مشفعًا كلامه بتشجيع للمصريين على الإقبال على الانتخابات الرئاسية القادمة، وهو ما تضمّن اعترافًا ضمنيًا بضعف الإقبال في الانتخابات التي أتت به رئيسًا في 2014 عقب انقلاب يوليو 2013.

فهل يشعر السيسي بالفعل أنه على وشك الرحيل عن كرسي الحكم أم أنها خدعة جديدة للمصريين سينكشف كذبها عمّا قريب؟ وهل فتح هذا الملف في هذه الفترة على وجه الخصوص يحمل رسائل معينة أراد السيسي إيصالها للداخل والخارج؟ ولماذا سعى السيسي كثيرًا إلى التأكيد على الشعب بأمور هي عكس الواقع، كما يتضح فيما بعد؟

مريض بالكذب

في هذا الصدد، يقول د. أحمد عبدالله، طبيب نفسي، إن البعض يظن هذا نوعًا من "الفصام" أو الشيزوفرينيا؛ إلا أنه لا علاقة له بالفصام، المسألة تتعلق بالخداع؛ فالسيسي وغيره من العسكريين لديهم تصور معين عن الشعب المصري بأنه من السهل خداعه من خلال عدة أمور، أوّلها العاطفة، وهو حين يكذب على الناس يكون مدفوعًا بحالة قد تصل إلى المرض؛ بدليل علمه أن الأمر سينكشف مع الوقت.

ويتابع: الشخص الذي اعتاد الكذب يقع في اعتقاده أن الطريق الأسلم لتحقيق أهدافه هو الكذب والمراوغة، كما ينظر إلى الأمور بمستوى خططي يتعلق بالزمن القريب ولا يحمل هم المستقبل، المهمّ عنده أن يتجاوز الموقف كما يريد؛ والسيسي يحصل دائمًا على التصفيق والتشجيع بعد كل كلمة أو وعد يعد به الشعب، وكان ذلك ابتداء من وعده أنه لن يترشح للرئاسة حتى لا يظن الناس أن الجيش يسعى إلى مكاسب سلطوية أو غير ذلك، مرورًا بوعده أنه خلال سنتين ستتحسن أمور البلاد وسيرى المواطن الرخاء ويحيا حياة رغيدة، ورغم علمه أن هذا لن يحدث؛ إلا أنه يصر على الكذب، وهي حالة مرضية محضة.

ويستطرد: السيسي تناول يومًا قصة عن النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وأضاف إليها أمورًا لم ترِد عن الرسول؛ فما هو دافعه أن يفعل ذلك وهو غير مضطر إليه؟ ويجيب نفسه قائلًا: إنه المرض بالكذب.

ما بين التخويف والكذب

من جانبه، يرى الصحفي الاقتصادي إبراهيم الصحاري أن مناخ التخويف الذي يتسيّده السيسي ساهم في دحر الشفافية؛ خاصة في المؤشرات الاقتصادية، في ظل عدم وجود صحافة اقتصادية تمثل ضغطًا على الحكومة في الإعلان عن أرقامها.

ويرى أن السيسي كذب على الشعب عندما استغل مصطلح "الحرب على الإرهاب" لضرب المعارضة التي تحذر من أخطار تداعيات سياساته، فيما يروج إعلام النظام اتهامات العمالة والخيانة على هذه المعارضة؛ فالديمقراطية لن تعمل في صالح ديكتاتور يدير دولة مثلما يدير مؤسسته العسكرية.

ويتابع في تصريحات صحفية: النظام لم يحقق أي إنجازات على الأرض يستطيع من خلالها استيعاب الغضب الشعبي؛ لذلك يلجأ إلى الترويج لأكاذيب خادعة بالتوازي مع استخدام يد العنف المفرطة لفرض سيطرته ضد شبح ثورة يناير الذي سيطارده، لكن ذلك لن يطول الشعب المصري أو ينطلي عليه.

قفزة للأمام

وعن دوافع السيسي للحديث عن استعداده للرحيل طالما أن الشعب لا يريده، يقول المتحدث الإعلامي لحزب "الحرية والعدالة" د. حمزة زوبع إن السيسي عندما يعلن أنه سيرحل إذا أراد الناس ذلك فهو يمهّد للترشح من جديد ويحاول أن يرسم صورة أنه لم يكن مسؤولًا عن كل الدمار والخراب للفترة الحالية؛ فهو يقفز للأمام حتى لا يسأله أحد عما مضى.

ويتابع، في تصريحات خاصة لـ"رصد"، أن السيسي أذكى من ألا يترشح، ويراهن على القوة والبطش لأنه يعلم أن الناس لا تستطيع الآن أن تخرج للاعتراض عليه. ويضيف أن السيسي يوجه رسالة إلى الغرب بأنه رئيس ديمقراطي ويرضى بالمنافسة مع غيره؛ إلا أن الرسالة إلى الداخل مفادها "لو فيكم راجل يترشح".

الخطاب للخارج

وفي هذا السياق، يقول الكاتب الصحفي مسعود حامد إن خطاب السيسي عادة لا يوجهه أبدًا إلى الشعب ولا الشباب، فهو لا يرى هؤلاء ولا يحسب لهم أي حساب ما دامت أجهزته البوليسية على أتم الاستعداد.

ويضيف: السيسي يخاطب من يحمونه، إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية والغرب، فيقول: أنا خادم أمين، لو أردتموني أستمر أستمر، وهو يدرك أنه مرفوض شعبيًا؛ لكن المشكلة في غياب البديل الكفء المحافظ لمصالحهم؛ ولذلك فإن قَسَمَه مجرد تمويه مكرر أكثر منه اعتماد على الكذب لإلهاء الرأي العام الداخلي، وهو أسلوب استخباراتي بالأساس.

المؤسسة العسكرية في ورطة

من جانبه، يرى محمد غانم، (اسم مستعار) لناشط سياسي ومسؤول إداري بأحد الأحزاب المنحلة، أن المؤسسة العسكرية في ورطة؛ حيث ترى أن شعبية السيسي في تراجع شديد، وفي حال إجراء انتخابات حقيقية لن يتم اختياره للرئاسة؛ وبالتالي ليس أمامهم سوى تثبيت السيسي في الحكم بطرق أخرى، ولو وصل الأمر إلى البحث عن بديل مدني يتحمل المسؤولية بدلًا من السيسي والمؤسسة العسكرية.

ويتابع: السيسي عندما يقول إنه سيرحل إذا لم يكن الشعب يريده فهذا فتح لملف خطير يلمح إلى المأزق الذي يعيشه والذي ورّط فيه القوات المسلحة معه؛ فالدولة المصرية في حالة انهيار، وهذا التصريح منه يستهدف التمهيد إلى أن أي مرشح قادمًا سيكون حسابه متضمنًا "القديم والجديد"، على حد قوله.

ويرى حاتم عزام، نائب رئيس حزب الوسط، أن السيسي يكذب كما يتنفس، والكذب هو الوسيلة الأولى عنده لتحقيق أغراضه؛ إلا أنه دائمًا ما تنتهي مشاريعه بالفشل؛ نظرًا لعدم كفاءته في الأساس.

غياب الثقة

ورصد مراقبون عشرات من المواقف التي يرونها ساهمت بشدّة في تراجع شعبية السيسي لدى المصريين؛ منها ادعاؤه وساطة د. محمد العوا بين الجيش والرئيس الأسبق محمد مرسي، وكذّبه العوا في ذلك. ومنها أيضًا ادعاؤه عدم مشاورة أحد أو إدخال أحد في الشؤون المصرية إبّان انقلاب 3 يوليو، ثم اعترافه للواشنطن بوست باستشارته لمسؤولين أميركان في هذا الأمر.

ومن أبرز كذباته أيضًا ادعاؤه عدم الترشح إلى الرئاسة "حماية للجيش وللشعب"، وتصريحه بأن انحياز الجيش إلى أي طرف سياسي لا يعد من الوطنية في شيء، وغير ذلك مما أعده مراقبون كذبًا واضحًا على الشعب؛ ما يجعل أخذ تصريحاته الأخيرة على محمل الجد أمرًا صعبًا، كما يرى المراقبون.