محمد ثابت يكتب:

رمضان الذي ننتظره وفريضة التفكير!

عُرفٌ عربي يكاد يعم العالم الإسلامي، اللهم إلا مَنْ رحم ربي،  بداية من الحاكم للوزير حتى أصغر مسئول .. إذ يُمثلُ شهر رمضان لهم "فرصة ذهبية" للراحة والاستجمام من مجرد إعمال العقل أو التفكير، فدولاب العمل في دولنا يدور في الشهر المُبارك دورانه الروتيني النمطي، وإن استعصى أمر فيه، وهو على حاله كالعهد به طوال العام مُضنيًا مُعطلًا للجهود في جميع مفاصل الأمة، فإن استعصى أمر على في متاهة الاستكانة الحالية على موظف أو حتى رئيس للوزارء قيل له انتظر حتى يمر شهر رمضان!

يأتي الشهر الفضيل في هذا العام والأمة في فترة من أحلك فترات ظلامها، الشرفاء مُطاردون في ربوعها، فلا تجد عالمًا أو مُجيدًا في مجاله ومُخلصًا في توجهه إلا وهو إما مُتخفٍ يسأل الله السلامة ويتلمس طريقه متبرئًا، في العلن، من أفكاره وتوجهه الذي يؤمن به، وإما مُطاردٌ في وطنه أو حتى مُبعدٌ عنه، أو اختار الخروج بعد معاناة مع السجن أو الإصابة، وكم من معتقل لو كان خارج الأمة لاُحتفيَ به كما ينبغي لعلمه وجهده؟ وكم من مُشرد في الغربة ولو كان في غير أمتنا لاُستفيد من ثمار جهده الكثير؟

 تعاني الأمة الإسلامية في فلسطين كما العراق وأفغانستان وسوريا ومصر وتونس والجزائر واليمن .. وغيرها، ولا يبدو أفق لنهاية معاناتها .. حتى إذا جاء شهر رمضان أُغلقت أبواب العقول والتفكير من جانب السُّلطات الرسمية فيها أكثر مما هي مُغلقة طوال العام، وقضى كبار المسئولين مع الحكام الزيارات الضرورية والمهام الأكثر من تقليدية في شعبان، ليتفرغ كثير منهم للسفر للسياحة أو القصور الخارجية، أما عامة الناس فيلفهم عالم آخر غير عالمنا الذي نعرفه أو حتى العالم الافتراضي الخاص بالشبكة العنكبوبتية (الإنترنت).

يلف الوطن العربي من المحيط إلى الخليج ليل طويل بالغ السواد يبدأ من أول ليالي الشهر، الذي لا يزور إلا مرة في العام، وينتهي في أول أيام العيد، وأحيانًا بعده بأيام، لإنه ليل "الدراما الرمضانية" البالغ الحلكة التي يبث في أذهان الصغار والمُقبلين على الحياة وقليلي الثقافة من أهلنا في ربوع بلداننا أن الحياة ما هي إلا فرصة للنهل من المتع والملذات الحسية، مع الحرص على الاستحواذ على كل مُتاح أو حتى مُحال من المال والنساء الجميلات؛ وهكذا لدينا في النهاية شبكة من المسلسلات تغطي اليوم الرمضاني كله من أذان الفجر قبل رمضان بيوم حتى أيام العيد بلا انقطاع..!

وفي المُنتصف تُظلل الأمة غيمة تحاول إفساد صيامها عليها من لحظة هبوب نسائم الرحمة حتى انقضاء رمضان.

أما المُخلصون الشرفاء الذين نذروا جهودهم لرب العزة، من الذين يعانون طوال العام، فيرون في الشهر الفضيل فرصة ليخلدوا إلى الطاعة والعبادة، مع الأعمال المُكلفين بها، ومع نزاهة توجههم ونُبل غايتهم يغيب عن كثيرين منهم أننا حينما نظن ان شهر رمضان للطاعة والعبادة مع ترك واقع الأمة على ما هي عليه، فلكأننا دخلنا بستانًا من ثمار وفواكه رائعة مع نعم من راحة وطمأنينة تبقى في الحياتين الدنيا والآخرة، فنكتفي بما هو أمامنا منها، ولا نتجول بأعيننا في أرجاء وأنحاء المكان الراقي الرائع، لنرى فيوضات النعيم المعنوي قبل الحسي الرائقة، وأنهار القدرة على التفريج عن ملايين المقهورين والمُظلومين من أبناء الأمة.

إننا نشتاق إلى إعمال العقل في شهر رمضان، ذلك الإعمال لملايين الخلايا التي نفتقد القدرة على الاستفادة منها طوال العام نتيجة للقهر والظلم الذي يعم أرجاء بلادنا، وغلّ أرواحنا بمتطلبات الحياة والأجساد، فإذا جاء شهر رمضان ونشط الطغاة في مُختلف أرجاء العالم للاستحواذ على مقدرات أمتنا قبل بدايته، في السياق المعروف من أحداث وزيارات وقمة مؤخرًا، فلماذا لا يجعل شرفاء الأمة من مخلصيها في المقابل الشهر الكريم كفرصة للتنادي بإعمال الفكر وتنشيط العقل، وسباحة الروح في البحث عن موطئ قدم للخروج من أزمات الأمة الحالية؟ فإن قضاء ساعة في خدمة أحد عباد الله خير وأحب لدى الخالق من اعتكاف في مسجده الحرام لعشرات الساعات على الاقل، وتفريج كربة لمؤمن في الدنيا .. تفريج لكربة الفاعل يوم القيامة كما أخبرنا الرسول، صلى الله عليه وسلم، فما بالنا والأمر يتعلق بأزمات طاحنة تلف ملايين المسلمين في ظل حكام، إلا مَنْ رحم ربي، يتسببون في زيادة جحيم وآتون هذه المعاناة.

لا تمام لصيام أحدنا عن الطعام والشراب والملذات، إن لم يعمل عقله في حل للأزمات الطاحنة المحيطة بنا، وإنني لأدعو الشرفاء المخلصين في مختلف أرجاء وطننا العربي الإسلامي إلى الارتقاء عن مصاف الأهداف والغايات المُباشرة، وإنزال أحكام الشريعة الغراء منازلها بداية من فقه الأوليات مع فهم رائق لمقاصد الشريعة، واستخدام لعلمائنا ومنظرينا من المُفكرين والأدباء للخروج من الآلام التي لا نكاد نرى أفقًا لنهايتها .. لكي ما يأتي رمضان المقبل إلا وقد وضعنا أيدينا على أماكن الخلل إن لم نكن بدأنا في علاجها وفق منظومة تفيد الأمة وتحفظ عليها طاقاتها.

إن الشهر الكريم بداية من حياة الرسول العظيم وغزوة بدر الكبرى في 17 من رمضان من العام الثاني للهجرة حتى فتح مكة في 21 من رمضان في العام العاشر، مرورًا بموقعة البويب ضد الفرس بقيادة "المُثنى بن حارثة" عام 13 هـ في الأسبوع الأخير من رمضان وإحراز فتح عظيم ضد الفرس، ومرورًا بفتح "طارق بن زياد" وجيشه للأندلس في ومضان عام 92هـ ليستمر الوجود الإسلامي لثمانية قرون فيها.

وإن "عين جالوت" في 25 من رمضان عام 658 هـ بقياد "سيف الدين قطز" وانتصاره على حجافل التتار للمرة الاولى بعد احتلال بدأ عام 616هـ، وبعد 42 عامًا من الذل والهوان غير المسبوق في حياة المسلمين، نهاية بانتصار 10من رمضان 1393 هـ (6 من أكتوبر/تشرين الأول 1973م)، كل هذه الأحداث العظيمة، رضي الله عن كل الذين شاركوا فيها، تشهد بإنه ما يكاد يكون انتصار بارز في حياة أمتنا وتاريخها منذ بعثة الرسول العظيم إلا وتم التخطيط المُباشر لها قبل التنفيذ في رمضان، وما من مواجهة لعدو للأمة وبالتالي تمكين لها داخليًا وخارجيًا إلا وكان للشهر الفضيل منه نصيب كبير، فكيف يظن مخلصوها اليوم أن غاية مناهم من رمضان الصيام والقيام فحسب إنما لم يكن تخطيط واعٍ حضاري للخروج من مأزقها اليوم؟!

 كل عام وأمتنا قادرة على مواجهة التحديات المُحدقة التي تغزوها في عقر دارها بالتفكير وحسن استخدام طاقاتها للإعداد لذلك .. كل عام والتفكير فريضة إسلامية ..!





هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه