بوسطن جلوب: «إندونيسيا» نموذج لمحاولة زعزعة السعودية استقرارَ العالم

منذ أشهر، كان باسوكي تجاهاجا بورناما، حاكم «جاكرتا»، كبرى مدن إندونيسيا، على وشك الفوز مرة أخرى بانتخابات العاصمة؛ على الرغم من كونه مسيحيًّا في دولة ذات أغلبية مسلمة. فجأة، تحوّل الوضع إلى عنف؛ بذريعة تصريحات غير رسمية أدلى بها الحاكم عن «القرآن»، ونزل الآلاف إلى الشوارع للتنديد؛ وبعدها بفترة بسيطة خسر الانتخابات وأُلقي القبض عليه وحوكم بتهمة ازدراء الأديان وحكم عليه بالسجن سنتين.

واُعتُبرت هذه الحالة جرس إنذار؛ لأن إندونيسيا تتسم بالتسامح الديني وتتّبع تفسيرًا متسامحًا للإسلام. ولكنّ سقوط حاكم "جاكرتا" أظهر تعصّبًا وكرهًا طائفيًا واحتقارًا للديمقراطية، وبدأت الأصولية تتزايد في إندونيسيا؛ وهو ما لم يحدث من قبل.

عملت السعودية لعقود للتأثير على إندونيسيا حتى تتخلص من اعتدالها الإسلامي وتدخل في الشكل الوهابي الذي تتبعه الرياض، واتسمت حملة السعودية بالصبر وتعدد الأوجه والتمويل القويّ.

أكد رؤساء أميركا أن السعودية لا تريد الأذى؛ إلا أن أسامة بن لادن وغالبية إرهابيي «11 سبتمبر» كانوا سعوديين. وكما قالت هيلاري كلينتون منذ ثماني سنوات، «يمثّل المتبرعون السعوديون أكبر مصدر لتمويل الجماعات المتطرفة في العالم».

وسلّطت الأحداث الأخيرة في إندونيسيا الضوء على المشروع السعودي، الذي يعد أكثر ضراوة من مجرد تمويل الإرهابيين. واستخدمت السعودية ثروتها لتحويل دولٍ بأكملها إلى الإسلام المتطرف. برفض الاحتجاج أو الاعتراف الرسمي بهذا المشروع؛ فإننا نشارك في نشره.

وتتركز حملة السعودية لتحويل إندونيسيا إلى الوهابية على وجود جامعة من دون مصاريف دراسية في جاكرتا، تُعطى كل المحاضرات بـ«العربية» على أيدي واعظين سعوديين ومن دول أخرى. في هذه الجامعة، يُفصل بين الجنسين، بجانب وجود قواعد صارمة في الملابس، وتُمنع الأغاني والتلفاز وأيّ ضحكات بصوتٍ عالٍ، ويتعلم الطلاب شكلًا متحفظًا للغاية عن الإسلام عكس الذي اتّبعته إندونيسيا في السنوات الماضية.

يدرس في الجامعة طلاب من قرابة مائة مدرسة داخلية تدعمها السعودية، أو حضروا دروسًا في واحد من 150 مسجدًا بنتهم الرياض في إندونيسيا، ويُعطى أفضل الطلاب فرصة للدراسة في السعودية؛ ثم يعودون لإثارة الفوضى الاجتماعية والسياسية والدينية في وطنهم ويدعمون جماعات إرهابية لم تكن موجودة قبل وصول السعودية إلى إندونيسيا.

حرص الملك سلمان على الضغط لمصلحته أثناء زيارته لإندونيسيا في مارس الماضي، بالتماس الإذن بفتح فرع جديد للجامعة الموجودة في جاكرتا، ووافق على السماح لمائتي ألف إندونيسي بالحج في السعودية كل عام. 

حاول الشعب الإندونيسي الضغط من أجل وقف الهجوم السعودي على قيمهم، لكن من الصعب منع إنشاء مدارس دينية عندما تفشل الحكومة في تقديم بديل علماني لائق؛ بسبب انتشار الفساد من الحكومة المركزية في إندونيسيا والبطالة، وحاولت السعودية استغلال الوضع لنشر مذهبها.

تزايدُ الأصولية -التي ساهمت في تحويل الوضع في إندونيسيا- يمكن أن نتعلم منه دروسًا؛ أهمها أن طبيعة الحكومة السعودية مَلَكية مطلقة تدعمها واحدة من أكثر الطوائف الدينية الرجعية في العالم، وتعطي شيوخها أموالًا لتعزيز مليشياتهم المناهضة للسلام، في مقابل امتناع رجال الدين عن انتقاد الملكية السعودية؛ لذا يجب أن تكون هذه الحقيقة أمام أعيننا في سياساتنا تجاه الشرق الأوسط، خاصة فيما يتعلق بقرار اختيار طرف على حسب الآخر؛ مثلما حدث في أزمة قطر الأخيرة.

نجاح السعودية في إعادة تشكيل إندونيسيا يُظهر أهمية معركة الأفكار العالمية، بينما يرى عديدون في واشنطن أن الإنفاق على المشاريع الثقافية مضيعة للأموال فإن السعوديين يفعلون العكس؛ بضخهم الأموال والموارد لتعزيز منهجهم في العالم.

حملة السعودية لنشر تفسير متطرف للإسلام على نطاق عالمي تُظهر أن الأحداث القوية تحدث عادة ببطء، وتركّز وسائل الإعلام والصحافة على أخبار اليوم متجاهلة قصصًا أهمّ وأعمق تحاول فيها الرياض سحب المسلمين في العالم إلى القرن السابع عن طريق حملتها، ولا يلاحظ ذلك سوى القليل؛ ولكننا نلاحظ تأثيره في انتشار التطرف.

المصدر