شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

معركة الثورة مع التاريخ

معركة الثورة مع التاريخ
قال أستاذنا جلال كشك: إن الخلاف حول تفسير التاريخ ليس ترفًا، وإنما هو في الحقيقة خلاف حول المستقبل وحول طريق الحل.

قال أستاذنا جلال كشك، إن الخلاف حول تفسير التاريخ ليس ترفًا، وإنما هو في الحقيقة خلاف حول المستقبل وحول طريق الحل.

2. إن أولى التواريخ بإعادة الكتابة، هو تاريخ مصر الحديث، من عصر محمد علي باشا؛ فتلك الحقبة قد اجتمعت عليها الأطمار وتراكمت عليها الأحجار.

3. وإن المعركة الدائرة في مصر هي في واحدة من أبرز وجوهها معركة حول دولة محمد علي، “الدولة الوطنية الحديثة”.. وهل كان محمد علي باني مصر الحديثة، أم أنه كان الطاغية الجبار الدموي قاهر الشعب المصري وساحق كرامته والمتاجر في دمه وثروته.

4. إن المؤرخ “الوطني، القومي، المصري” عبدالرحمن الرافعي، هو واحد ممن يتحمل النصيب الأوفر من تزيين صورة محمد علي وصورة دولته، مع أن المرء يستطيع -بصعوبة بالغة- أن يتفهم دوافعه الوطنية، وما ذاك إلا لأن العصر عصر احتلال، والحقبة حقبة الأفكار القومية الوطنية.

5. إن الدولة التي بناها محمد علي، هي أساس المشكلات، هذه الدولة التي جعلت الأمة رهينة للسلطة بل خادمة عندها، وعملت لا على امتصاص دمائها فحسب، بل على إقناع الأمة بأن دورها في الحياة هو الخضوع للسلطة، وأن “السلطة القوية” هي الغاية التي ينبغي أن تسعى لها الأمة الكادحة!

6. هذه الدولة التي بناها محمد علي، مصممة بطبيعتها على أن تُخْضِع الأمة، وهي مصممة منذ نشأتها على التبعية للخارج الأجنبي، وقد تدخل الخارج للحيلولة دون انهيارها أربع مرات على الأقل: الاحتلال الإنجليزي لمنع إفلات السلطة إلى عرابي ممثل الشعب، المناورة الشكلية القانونية لاحتواء ثورة 1919، انقلاب يوليو واستباق الثورة الشعبية ضد الإنجليز، ثم الانقلاب العسكري على مرسي.

7. ولذلك، فلا حل للمعركة الدائرة بين الثورة وبين هذه الدولة، إلا أن تنتصر السلطة بالقهر والذبح والدم، أو تنفذ مناورة شكلية لإخفاء السيسي والتضحية به ليبقى النظام.

(تماما مثلما فرطوا في مبارك ليبقى النظام، وفرطوا في طنطاوي ليبقى النظام.. وتمامًا مثلما لا يفرطون في بشار لأنهم لا يجدون بديلًا مناسبًا ليبقى معه النظام).

(وقد عُرِض على رياض الأسعد، قبل نحو سنتين، أن يذهب بشار بشرط الإبقاء على الأجهزة الأمنية والعسكرية كما هي.. فلما رفض، قال له رجل المخابرات البريطاني: إذن ستطول المعركة).

8. والغرب لن يفرط في السيسي إلا في حالتين؛

أ. الأولى: بالسلم، وذلك عندما يحصل على كل الضمانات التي تطمئنه إلى انتهاء الفعل الثوري إذا ذهب السيسي.

(وهذا ملخص ما يدور في الأروقة منذ زمن، لكن الأزمة في أمرين؛ أنه لا أحد في الصف الإسلامي يملك إعطاء هذه الضمانة؛ لأن الأمر أفلت من الجميع؛ ولأن الأمل قائم في قدرة السيسي على إخماد الثورة بالدم والقهر ودون حاجة إلى تنازلات).

ب. الثانية: بالحرب، وذلك حين يفشل السيسي في هذا الإخماد، بل يكون وجوده هو المحفز المثير للشعور الإسلامي والجهادي وتزايده، فهنا تكون التضحية بالسيسي لوقف هذا المسار، فإن صلح شفيق في احتوائه فبها ونعمت، وإلا فليعد مرسي والإخوان لإعادة احتواء هذا المد الثوري الجهادي.

(وهذا الحل محفوف بالمخاطر من كل جوانبه؛ فمجرد سقوط السيسي يساوي انتصار الشعب، وهذا له آثار بعيدة على مستوى الثورات والشعوب والأنظمة في المنطقة، إضافة إلى التصدع الذي قد يحدث في قلب النظام ولا يُدرى إلى أي حد تمتد تفاعلاته، خصوصا إذا لم يبق إلا عودة مرسي والإخوان والذين يعد اللجوء إليهم نوعًا من المقامرة في ظل عجز الجميع عن إيقاف المد الثوري الجهادي)

ولكل سيناريو من هذا مسارات وتفاصيل متشعبة، لكن يجمعها أنه لا أحد يملك إنفاذ الحل؛ إذ الوضع منفلت من يد الجميع.. ولا يبقى في الأفق البعيد إلا نزول الجيوش بعد انهيار الأنظمة الإقليمية الموالية.

9. والمقصود أن “الدولة الوطنية الحديثة” ذات المؤسسات القاهرة العتيقة المنظمة لحياة الناس والمتحكمة في مواردهم لن تبقى كما هي في حال نجاح الثورة.. بل لا بد أن يقضي أحدهما على الآخر.. تمامًا كما كانت البداية وتعاملت هذه الدولة -دولة محمد علي- مع الوضع السابق عليها بالعنف والقهر والتدمير.

10. إن الذي يتصور أن محمد علي “باني مصر الحديثة” لن يفقه طبيعة هذه الثورة ولن يدري كيف يتصرف مع هذه الدولة حتى ولو أتيح له حكمها.. بينما الذي يعرف على كم من الجماجم والجثث والدماء قامت، وعلى كم من الكرامة المذبوحة والحرية المهدورة نشأت، هو من سيعرف كيف يكون البديل، وإلى أي مدى يجب أن تستمر هذه الثورة وإلى أي حد يمكن أن يقف النهج الثوري ليبدأ بعده النهج الإصلاحي.



تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2023