شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

معضلة الإخوان.. نظرة تحليلية من الداخل

معضلة الإخوان.. نظرة تحليلية من الداخل
خلال تصاعد أزمة الإخوان الأخيرة، طلب مني بعض إخواني النصيحة، وأحيانًا التعليق والتحليل لما يحدث، بعض من تواصل معي قيادات وكوادر في مستوى متقدم من هرم الإدارة، وبعضهم من عموم شباب الإخوان وهم الأولى عندي في التفاعل معهم.

خلال تصاعد أزمة الإخوان الأخيرة، طلب مني بعض إخواني النصيحة، وأحيانًا التعليق والتحليل لما يحدث، بعض من تواصل معي قيادات وكوادر في مستوى متقدم من هرم الإدارة، وبعضهم من عموم شباب الإخوان وهم الأولى عندي في التفاعل معهم.

لا أدعي أن لدي الكثير لأدلي به، بل إنني أحيانًا أكثر حيرة ممن يسألني وأتصنع التماسك ومن داخلي صراع ولكن سأجتهد فيما أظنه صوابًا لعلي أنال أحد الأجرين، لعل بعض من يسأل يتوقع أن عندي ما يذكر لمهمتي التنظيمية التي جعلتني قريبًا من معظم القيادات التي تعتبر أطراف الأزمة الجارية من الفريقين.

هذه المهمة التنظيمية التي ابتليت بها، خلال عام ونصف العام مضت، أعطتني فرصة مقابلة هؤلاء الأساتذة والحوار معهم لمرات عديدة وامتدت بعضها لساعات طويلة. وحيث إن مهمتي بدأت في التلاشي لظروف طبيعية بسبب الأزمة ولأسباب غيرها، لا وقت ولا مكان لذكرها، فليس لدي محظور الآن في الكتابة، طبعًا مع الضوابط التي على رأسها عدم الخوض في أمور تنظيمية ولا أسرار مؤتمن عليها، وسأتناول الأمر من منظور فكري بحت، كما أنني أرحب بتلبية أي دعوة سواءً جلسة تبادل آراء لمدارسة وتحليل ما سبق، أو مزيد من المصارحة لأمور يصعب تدوالها عبر الإعلام، وذلك لأي تجمع من شباب الإخوان أو مكاتب أو لجان تنظيمية في أي مكان.

نصيحة عملية سريعة:

بعضٌ ممن سيقرأ السطور التالية قد لا يكون مهتمًا بالتنظير والتحليل والكلام المطول، وله مني نصيحة مباشرة وعملية تناسب عموم صف الإخوان للتعامل مع الأزمة الحالية:

لا تبني وجهة نظرك فيما يحدث حتى تعرف الحقيقة كاملة، ولن تعرفها من الإعلام وحده، كما أن ما يصدر إليك من بيانات من الطريق الإداري الداخلي ستجده للأسف متحيزًا حسب موقعك الجغرافي وموقف مسؤولي مكتبك الإداري من دعم أحد طرفي الأزمة، كما أن بعض من قد يتكلم باسم أحد الأطراف يكون شر من يمثله. كذلك بعض الشائعات الكاذبة تصدر تشوه كلا الطرفين، سيقول لي البعض إذًا كيف أعرف الحقيقة الكاملة وأرد عليه بأنه إن لم تكن لديك المصادر التي تجعلك تسمع من الطرفين فلا حاجة لك أن تظلم نفسك بالحكم على أحدهما وابق على حيادك نحو الأشخاص. يكفيك أن تنحاز للفكرة والتوجه الثوري أو السلمي -والذي ليس له علاقة مباشرة بالخلاف كما سأبين في التفاصيل- وتدافع عنه بكل أدب وتتفهم أن أيًا منهما مجرد خيار سياسي والآخر أيضًا مقبول.

الأزمة الجارية.. عرض أم مرض؟

لا يخفى على كثير ممن يتناولون أزمة الإخوان بالنقد والتحليل، أن أكثر ما يجري هو نتيجة وعارض لأسباب تراكمت وتجذرت منذ سنوات طوال، وبعضها يعود لعقود مضت وما يحدث منها الآن لا يعدو إلا أن يكون ظهورها على السطح بعدما أصبحت الأحداث الأخيرة المتلاحقة كمثل الإبرة التي فقعت بالونة ممتلئة فأخرجت ما فيها فجأة محدثة انفجارًا مدويًا.

مشكلتنا الآن هي أن هذه الأسباب والجذور لها ثلاث سمات تجعلها صعبة الاستقراء، فضلًا عن استشراف الحل:

1- أنها متراكمة عبر السنين، ولم تكن هناك محاولات جادة أو ناجحة لحلها حتى أضحى بعضها عادة ألفتها العقول ولم تعد تلفت الأنظار.

2- أن العلاقة بينها متشابكة لدرجة أن بعضها يؤدي للآخر في متاهة تشبه البيضة والدجاجة، بخلاف أن بعضها امتزج مع عناصر أخرى طبيعية ليست سببًا لمشاكل في حد ذاتها ولكنها تداخلت مع أسباب أخرى وجعلتها مركبة ومضاعفة مثل السكين الذي يعتبر أداة مفيدة لطهي الطعام ولكن لو وضع في يد إنسان متهور وفي موقف به شجار عنيف ستتحول لشيء آخر.

3- أن الظواهر والنتائج التي ترتبت عليها وانفجرت الآن معقدة في جذورها؛ بحيث لا يصلح أن تعزى مشكلة ما لسبب واحد، بل إن المشكلة الواحدة يمكن إرجاعها لعدة عناصر وأسباب متداخلة وبأوزان نسبية مختلفة وبعضها متناقض مع بعضه الآخر.

العناصر الأساسية لمعضلة الإخوان:

1- شيخوخة المنظمات: تعتري المنظمات ما يعتري البشر من عوامل التقدم في العمر والإصابة بالأمراض، بل إن البعض يدعي أن هناك أعمارًا للمنظمات (تدور حول 50 عامًا) تموت بعدها إن لم تتجدد وتولد من جديد، وربما حان أجل جماعة الإخوان منذ تأسيسها الثاني في السبعينات إن لم تولد من جديد، وتلخص منهجية متخصصة في دورة حياة المنظمات أن أهم أسباب شيخوخة المنظمات تدور حول الجمود وتفاصيلها هي: عدم المرونة في التعامل مع متغيرات الواقع، تضخيم المناصب والألقاب والمبالغة في تقديسها، الدخول في حالة من نكران الواقع والانفصام عنه، المعارك بين قياداتها على الصلاحيات، طغيان التنظيم على الوظيفة، انتقال النفوذ من الصفة الاعتبارية للصفة الشخصية، التناقض بين المسؤوليات والصلاحيات الممنوحة لمن يقوم بالمهمة.

وتنطبق هذه الصفات، بعضها إن لم يكن كلها، على واقع الإخوان للأسف الشديد، وتخلص هذه المنهجية إلى أن الحل في هذه الحالة يكمن في أن تأخذ المنظمة قفزات “غير متوقعة” وليست على المنوال النمطي حتى تخرج من حالة الشيخوخة أو الموت.

2- العقلية الجمعية: أو ما يطلق عليها “عقلية القطيع” ولكن لعل التسمية الأخيرة بها تلميح بإهانة ليست من سياق الحديث ولا أرضاها لهذا التحليل المهني، والمقصود بهذا أنه عندما تتعايش مجموعة من الأفراد بعضها مع البعض الآخر في صورة مجموعة متماسكة تبدأ هيمنة نمط معين من التفكير الجماعي على أفراد هذه المجموعة بغض النظر عن مدى صحته أو قناعتهم به، ولدينا تجربة شهيرة لعالم نفس تسمى تجربة “سولومون آش للامتثال” كانت خلاصتها أن ثلث أفراد المجموعة يتماشون مع باقي زملائهم على طول الخط رغم أنهم على يقين بأن موقفهم خاطئ وأن ثلاثة أرباعهم يوافقون زملاءهم في المجموعة لمرة واحدة على الأقل تماشيًا معهم رغم أنهم على خطأ.

ولعل الوضع في معظم المؤسسات التي تصنع القرارات في الإخوان مثل مكتب الإرشاد والشورى العام والتنظيم الدولي والرابطة، قد مرّ على أفرادها وقت كاف -بغض النظر عن مناقشة آليات تداول السلطة- وظروف خارجية عصيبة خارجة عن الإرادة أفرزت مجموعة متناغمة يعتريها ما يعتري باقي مجموعات البشر، كما وصّفها العلماء والباحثون مع التسليم بأنها نقيصة بشرية يجب أن نجاهد أنفسنا فيها. ولذلك طبيعي أن نجد المختلف عن هذا التفكير الجمعي إما حديث عهد بتلك المجموعات لم يكن قد دمغ بالنمط الجمعي بعد، مثل أحد أعضاء مكتب الارشاد الذي يوصف “بالانحراف على ثوابت الجماعة” وكذلك الأفراد الجدد من المستويات التالية الذين تم تصعيدهم نظراً للضربة الأمنية التي قضت على كثير من القيادات.

4- الثقافة التنظيمية: بعد تحليل الباحثين للقواعد والثقافة والمعرفة التي تسود المجتمع الإنساني وجدوا أن نسبة المكتوب أو المنطوق منها أقل بكثير (يصل أحيانًا إلى 10%) من الضمني غير المسجل منها. إذا وضعنا ذلك بجانب عناصر أخرى مثل اتساع رقعة انتشار الإخوان جغرافيًا وعدديًا وكذلك حجم التغيير الذي طرأ على بيئتهم بثورات الربيع العربي ثم بالثورات المضادة – بجانب حقيقة أن معظم صناع القرار وقياداتهم اختفوا فجأة بالضربات الأمنية المتلاحقة- سيجد الإخوان أنفسهم أمام موجة من التخبط الثقافي الداخلي لا يجد العدد الكافي من القيادات التي كانت تعرف “الضمني” منه.

5- تسارع التغيير: يقول ريتشارد هاس، أحد أهم عرابي السياسة الأميركية الخارجية، إن معدل التغيير الإستراتيجي في الشرق الأوسط اختصر من معدل 10 سنوات قبل انتفاضة 87، إلى 5 سنوات من بعدها، وظل في التسارع إلى أن وصل بعد الربيع العربي 2011 لمعدل تغيير إستراتيجي إقليمي يحدث كل عدة أشهر، وهذا يعتبر معدلًا سريعًا جدًا في أعمار الأمم وهو يتماشى مع علامات آخر الزمان من طي الوقت.

إذًا بحسبة بسيطة، سنجد أن من عاش الأحداث في السنوات الخمس الماضية تراكمت لديه خبرة وتجربة ربما توازي من عاصر الأحداث في منذ فترة الخمسينيات وحتى أوائل الألفية! لست من أنصار التصنيف على أساس الأجيال لأن كلًا من معسكري الخلاف لديه شيوخ وشباب، ولكن كذلك لا أستطيع تجاهل أن من يتحاور مع الأساتذة الكرام قيادات الجماعة التاريخية يجد نفسه أمام فجوة في طريقة التفكير؛ حيث تجد كل استشهاداته من واقع خبرته في عام 54 فعل كذا وفي 67 فعل كذا وكذا (ولست بصدد نقاش صحة ما فعله من عدمه) وقلّما يذكر أمثلة مما فعله بعد ثورة يناير؛ لأن الواقع يقول وبلا مجاملة أو مواربة (مع كامل الاحترام والتبجيل للشخص) إن القيادة النظامية للإخوان كانت متأخرة عن الحدث فيما بعد ثورة يناير عدة خطوات وشباب الإخوان كانوا يسبقونهم على الأرض.

هذا فضلًا عن اختفاء القيادة تمامًا (ليس لتخاذلها بالطبع ولكن بما هو خارج عن إرادتها) بعد فض رابعة ولمدة عامين تقريبًا والشباب هم من كانوا يديرون الدفة (بغض النظر عن صحة خياراتهم من عدم صحتها) في ظل لجنة إدارية مؤقتة تعطي مساحات كبيرة لحركة الشباب وتصعيد القيادات الوسطى سواءً كان ذلك عن قصد منهم أو بسبب ضعفهم وترددهم لسبب أو لآخر، طبعًا سيتبادر للذهن أننا لا بد أن نقرأ التاريخ ونستشهد بأحداث حدثت من آلاف السنين فكيف نهمل تجربة حصلت من 50 سنة وأصحابها على قيد الحياة ونصفها بأنها لا تصلح للتطبيق.

هذا فضلًا عن أن المكتوب منه لا يعبر عن الواقع الحالي ولا ينظمه؛ فمثلًا معظم اللوائح التي يفترض أن يرجع إليها عند الاختلاف لتنظيم آلية العمل كتبت قبل الأحداث الأخيرة المزلزلة منذ ثورة يناير ومرورًا بفض “رابعة” بسنوات طويلة، ومن ثم لا تعبر عن الحالة التي نحن فيها بل أصبح لدينا فراغ لائحي.

فمثلًا اللجنة الإدارية العليا ومكتب الخارج ليس لهما ذكر من قريب أو بعيد في اللائحة المعتمدة، ومن ثم الخلاف حولهما لن تحله الأنظمة الحالية المكتوبة، مثال آخر هو عضو “الشورى العام” الذي يقيم في الخارج الآن، فاللائحة تذكر أن أعضاء “الشورى العام” في الخارج، والذين يرجعون للإقامة في مصر يفقدون بصفة نهائية صفتهم، بينما سكتت اللائحة عن الحالة العكسية والتي نحن فيها الآن؛ لأن من كتب اللائحة قبل سنوات لم يكن يتخيل الوضع الذي يجعل ربع أعضاء “الشورى العام” يضطرون للخروج من البلد والإقامة في الخارج.

كما أن هذا البند يرتبط بمتاهة؛ وهو من له حق تفسير اللائحة في هذا البند الغائب، الطبيعي أن أعلى سلطة تشريعية هم أعضاء الشورى أنفسهم، ومن ثم هناك “تنازع مصالح” ولا توجد لدينا محكمة دستورية داخلية مثلًا للفتوى في هذه الحالة، بل إن كثيرًا من بنود اللائحة لا يمكن أن تفعل حسب المذكور لأسباب عدة؛ منها صعوبة اكتمال نصاب مكتب الإرشاد وشخص المرشد، وتجميع “الشورى العام” وعدد أفراده المتاحين. كما أن الشرخ الذي أصاب الأفراد نتيجة الإخفاقات المتتالية (بغض النظر عما إذا كانت مقصودة أم مبررة) بجانب التنازع بين القيادات، جعلت الثقة على المحك ويصعب معها توافر ثقافة “الأب الروحي” الذي يقول فيسمع له ويطاع دون طلب دليل أو مناقشته في قوله (هذا لو فرضنا أن هذه ثقافة سليمة من الأساس).

وإذا أضفنا لذلك أن جماعة الإخوان المسلمين لها هيكل تنظيمي هرمي مثل معظم المنظمات الشبيهة بل هو النمط الأكثر انتشارًا، ولكن بخلاف محاسنه التي منها وحدة التحكم ونفاذ القرار، توجد له آثار سلبية؛ خاصة إذا وضعنا بجوارها الظروف الأمنية التي تقتضي نوعًا من السرية التنظيمية، فمثلًا من هذه الآثار بطء الحركة والاستجابة للتغيير. كذلك صعوبة الرقابة ومعالجة الانحراف الإداري من المستوى الأدنى للمستوى الذي يعلوه، وإذا وصل هذا العطب لأعلى حلقة في الهرم فيصعب تغييره إلا بحركة تغيير عنيفة لها ضريبة باهظة.

5- لسنا ملائكة: إذا فرضنا جدلًا أن أحدهم يقف في شرفة منزله يستنجد بالناس لأن زوجته تغتصب بالداخل وقام أحدهم واعظًا إياه بموعظة الرسول “لا تغضب” وهي موعظة حق فما رأيك؟ هذا ما يحدث عندما يصدر كثير من الوعاظ -ولعل ذلك مطلوب أحيانًا لكي لا تميل الكفة- عندما نحلل سلوك شخص أجرم في حق الجماعة، المقولة الشهيرة أن نحسن الظن وألا نشكك في النوايا والقلوب بيد الرحمن، صحيح ولا يستطيع عاقل نفي ذلك ولكن ليس هذا بالمقام.

النية الحسنة لا تبرر الفعل القبيح، والخطأ الجسيم وحسن النية يجب أن يصاحبه صحة العمل ليكون مقبولًا ولا يصح أن يترك فاعله بلا محاسبة بذريعة حسن النية، بل الأسوأ من ذلك أن يستمر في إدارته الكارثية في العمل، هذه تعتبر سذاجة وليس إحسان الظن، فقد أقر القرآن بأن “منكم من يريد الدنيا” وعاقب الرسول عليه الصلاة والسلام الثلاثة المخلفين وأرسل علي والزبير في طلب المرأة التي هربت رسالة حاطب في فتح مكة وهددوها بخلع ثيابها.

فلا يمنع أبدًا أن أحسن الظن بأساتذة كرام، أن أنتبه أن يكون منهم هلباوي أو حبيب آخر دون ما ندري، بل إن القداسة التي ننسجها حوله نساعد شيطانه عليه. يجب أن نأخذ بيديه ونحاسبه على أفعاله ونفسر ونحقق فيما وراء فعله مع إحالة النوايا لخالقه. كما أننا لا بد أن نعترف بلا سذاجة أو دفن الرءوس في الرمال أن هناك من تحركه الدوافع الشخصية والأهواء والمصالح في الأزمة الأخيرة ويحتاج لمن يقف معه وقفة يصحح له بوصلته قبل أن يستفحل أمره. أما فيما يتعلق بالعمالة والاختراق، فلا بد أن يدرس في الغرف المغلقة وبأسلوب حكيم لا يستبعده تمامًا أو لا قدر الله يشهر بالأبرياء. ولدينا تجربة حديثة ناضجة مع المراقب العام السابق للأردن.



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020