شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

المسكوت عنه في أزمة إخوان مصر

المسكوت عنه في أزمة إخوان مصر
استبشر المتابعون ببيان الدكتور «يوسف القرضاوي» الذي سعى لنزع فتيل الأزمة الداخلية التي تواجهها جماعة الإخوان من خلال بنود وإجراءات محددة، وتوقع كثيرون أن رمزية "الشيخ" والأسماء المؤثرة التي شاركت في جهود "التحكيم"

استبشر المتابعون ببيان الدكتور «يوسف القرضاوي» الذي سعى لنزع فتيل الأزمة الداخلية التي تواجهها جماعة الإخوان من خلال بنود وإجراءات محددة، وتوقع كثيرون أن رمزية “الشيخ” والأسماء المؤثرة التي شاركت في جهود “التحكيم” كفيلة بأن تنهي الخلاف، إلا أن المؤشرات التالية على البيان ترجح أنه تحول إلى مجرد وثيقة تاريخية سجلت موقف الشيخ وعدد من أبرز رموز الحركة الإسلامية.

اختلف مستوى “ترحيب وقبول” طرفي الأزمة، وجميعهم استفاد من الصياغة العامة لبيان القرضاوي، وقال إن موقفه يتماشى مع دعوة الشيخ. أراد الشيخ من خلال الصياغة العامة أن يقف على مسافة متساوية من الجميع، وأن يتجنب إحراج كلا الطرفين إعلاميًا حتى لا يؤجج الخلاف المحتد أصلًا. لكنّ الصياغات العامة استفاد منها الجميع في تبرير الاستمرار في موقفه: الدكتور «طلعت فهمي» قال إن دعوة الشيخ لاحترام مؤسسات الجماعة تتماشى مع القرارات المؤسسية التي أفضت إلى إيقاف بعض القيادات وحل مكتب الخارج، وفي الناحية الأخرى رأى الدكتور «محمد كمال» أن الحفاظ على مؤسسات الجماعة وفق بيان الشيخ يعني إلغاء كل القرارات التي مست بهذه المؤسسات ومن بينها اللجنة الإدارية في الداخل ومكتب الخارج.

هل المشكلة في بيان الشيخ؟ لا، المشكلة الحقيقية والتي لن تجدي معها أية مبادرات هي أن الجميع شغلوا بـ«الخلاف»، بينما تم تجاهل «الأزمة» الحقيقية، وهي غياب رؤية واضحة يمكنها توحيد موقف الجماعة (قيادة وأعضاء).

الخلاف الآن يتمظهر بصورة حصرية في استقطابات شخصية، وتم تصديره في صورة ثنائيات من نوع: السلمية/العنف- الشباب/الشيوخ- الثورية/الإصلاح… إلخ. بالتأكيد يوجد جدال داخلي حول هذه الثنائيات، لكن الخلاف الحالي لم يثر أي منها بصورة حقيقية وعميقة، بدليل أن الجماعة لم تشهد أي نقاش داخلي جاد ومنهجي حول التوصل لرؤية مكتملة تجيب على هذه التساؤلات، بل حاول البعض توظيف هذه الثنائيات للتخويف من الطرف الآخر، أو لاستقطاب بعض الرأي العام الداخلي.

ليست هذه هي المشكلة الرئيسية، الأكثر خطورة هو أن ينحصر وينحسر الخلاف إلى مساحة اللوائح، والصلاحيات، والشرعية التنظيمية؛ لأن الخلاف في هذه الحالة ستحسمه توازنات القوى داخل التنظيم، وأدوات التنظيم الإدارية. وهو ما يعني أن الصراع سيكون صفريًا وإقصائيًا وبلا أفق للتوافق وأن الجماعة تتجه رويدًا نحو المزيد من القرارات التنظيمية ظنًا أنهم ستنهي الخلاف. وإذا كانت الأزمة هذه المرة أعمق مما يستوعبه عقل الجماعة التقليدي فإن قيادة الجماعة هذه المرة لن تكتفي بمعاقبة بعض القيادات المخالفة في الرأي، وإنما تتجه دون وعي نحو قرار تقسيم غير مسبوق.

الخلاف حول الرؤى، والجدال حول الثنائيات السابقة وغيرها، كفيل أن تحسمه النقاشات والحجة المستندة لتحديات الواقع الواضحة. وهو ما يعني أن ما تسكت عنه الجماعة وتؤجله هو الشيء الوحيد القادر على توحيدها وتقوية صفها، وأن الاستسلام للاستقطابات الفردية والصراع حول الصلاحيات واللوائح هو مجرد وهم يجافي الواقع الذي بات يقلق غالبية المعنيين بمصلحة الحركة الإسلامية.

توجد مبررات مفهومة لمن يضع الانتخابات كمخرج لإنهاء الخلاف الداخلي، باعتبار أن وجود قيادة منتخبة وفاعلة سيضع آليات محددة لإدارة حوار داخلي يفضي لتبني رؤية بعينها عبر هذه القيادة التي ستتحمل هذه المسؤولية. لكن من جهة أخرى ليس من المضمون الرهان على الانتخابات في ظل الاستقطاب الداخلي الحاد، والتباين الكبير حول أسئلة جوهرية وأساسية، لأن الانتخابات في هذه الحالة قد تعمق الانقسام وتعززه بشرعية جديدة تفرض رؤيتها دون قناعة أو نقاش، وتقصي جميع الآراء الأخرى.

طبيعة التحديات التي تواجهها الجماعة تتطلب مراجعات لأسئلة التأسيس نفسها: تعريف الجماعة، ودورها في الأمة، وإستراتيجيات عملها… إلخ، وليس فقط خططها لمواجهة الانقلاب العسكري والثورة المضادة. وهي أسئلة يلزمها حوارات داخلية معمقة، وتدافع فكري أدواته الوحيدة هي النقاش والحجة واستقراء الواقع وتقييم مسيرة الجماعة.

من المفهوم أن تتباين التقديرات حول أولوية المسارين السابقين، لأنه توجد مبررات منطقية لتقديم أي منهما على الآخر في سبيل إنهاء الخلاف الحالي. لكنّ غير المفهوم أن يوجد من يرفض كل شيء، ويدفع الجماعة -بوعي أو دون وعي- نحو سيناريوهات مؤلمة، يبدو أنها لم تعد مستبعدة.



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية