شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

الخروج البريطاني دليل فشل النظام الأوروبي

الخروج البريطاني دليل فشل النظام الأوروبي
يقول دعاة الخروج في بريطانيا إن النظام الأوروبي أصبح يمثل قيداً على إرادة بريطانيا واستقلالها.

بريطانيا تناقش فكرة الخروج من النظام الإقليمي الأوروبي، وستتخذ قرارها النهائي بعد أيام قليلة. في الوقت نفسه تخرج دول عربية الواحدة بعد الأخرى من النظام الإقليمي العربي. أسباب الخروج وظروفه في الحالين مختلفة. يقول دعاة الخروج في بريطانيا إن النظام الأوروبي أصبح يمثل قيداً على إرادة بريطانيا واستقلالها. يقولون أيضاً إن البريطانيين يقدسون الديموقراطية، وهم يشعرون بأنهم يفقدونها بعضوية بلادهم في النظام الأوروبي، إذ تصدر القرارات والسياسات الأوروبية بعيداً من لندن، ويضعها بيروقراطيون لا يخضعون لرقابة بريطانية، فضلاً عن أنهم يفرضون ضرائب وواجبات مالية لم يستشر فيها الشعب البريطاني، كذلك يعترضون على وجود محاكم أوروبية تفصل في النزاعات ومجرد وجودها يعني انتقاصاً جسيماً من السيادة البريطانية.

الدول العربية تخرج من النظام العربي، واحدة بعد الأخرى لأسباب ودوافع تختلف عن الأسباب والدوافع التي يطرحها أنصار الخروج في بريطانيا. العرب يخرجون، لأن النظام العربي لم يفرض عليهم التزامات ولم يقيد إرادتهم أو يُحد من سيادتهم الوطنية، فهم يخرجون لأنهم انفرطوا ولم يجدوا النظام الإقليمي الذي ظنوا أنهم في حمايته ليمنعهم من الإنزلاق نحو هاوية التقسيم والفوضى. النظام العربي خذل الشعوب العربية حين طالبت بالديموقراطية وفضلتها على انتظار وتنفيذ وعود بمستوى معيشة أفضل، أدركت أن النظام لم ينفذ مشاريع تكامل اقتصادي ولا نهضة اجتماعية ولا مشاركة ديموقراطية بين الحكام أو من جانب الشعوب في إدارة وتوجيه دفة النظام. لم تحصل الشعوب على ما تستحقه من رخاء ولم يتحقق لها أمل الديموقراطية والحرية فثارت.

هذه الثورة، وتسمى أيضاً انتفاضات وحركات تمرد ومؤامرات دولية، رسمت خطاً فصلت فيه بين مرحلة النظام الإقليمي العربي وأي مرحلة أخرى آتية. حملت المرحلة السابقة وعود وآمال نظام قام من أجل التنمية وتوفير الأمن وتأكيد الهوية القومية. ولم يتحقق منها ما يرضي الشعوب فنشبت الثورات، وخلالها قررت الشعوب الخروج زرافات وفرادى من عباءة نظام قررت أنه خانها وأضر بها وشجع على تفتيتها والإيقاع بين عناصرها. وتذكرت أنه لم يف بوعوده على امتداد سبعين أو ثمانين عاماً من عمره، فلا تنمية مشتركة تحققت، ولا هوية قومية تعززت، ولا استعيدت فلسطين ولا ساد أمن أو سلام.

لمقارنة ما حدث في القارة الأوروبية بما حدث ويحدث في العالم العربي أود أن أستعيد رأياً قيل في وصف تطور النظام الإقليمي الأوروبي بين مرحلتين. انتهت المرحلة الأولى حين سقط في آن واحد تقريباً نظامان اجتماعيان في القارة الأوروبية. سقطت الشيوعية وسقط نظام دولة الرفاه، وبعد سقوطهما جرت وتجري محاولات محبطة لإقامة نظام اقتصادي – اجتماعي شرس وظالم، فتعددت احتجاجات الجماهير ووقعت أزمة مالية عالمية لم ينج منها الكثيرون في العالم الرأسمالي وربما خارجه، وسقطت، أو كادت تسقط، اقتصاديات دول عدة في أوروبا. وفرض النظام الإقليمي الأوروبي على دوله وشعوبه التقشف والبطالة سياسة موحدة، وعادت روسيا تتوسع واستمرت أوروبا من دون نظام أمني موحد ورادع.

في الحالين، حال النظام الإقليمي الأوروبي وحال النظام الإقليمي العربي، سقط ما كنا نعرف ونفهم، ولم يحل محله ما نعرف أو نفهم. نظامان اجتماعيان سقطا في الثمانينات في أوروبا، وسقط نظام سياسي وقومي عربي على أيدي ثورات الربيع، وفي الحالين لم يترك نظام منهما وريثاً، بل ترك لنا أرملته الحامل التي يأبي الجنين في بطنها أن يخرج إلى العالم. ننظر فنعرف أن هناك جنيناً سيخرج، لكنه لم يكتمل أو يرفض الخروج قبل أن تتهيأ له الظروف كافة.

الأوروبيون حتى اليوم غير واثقين تماماً من نوايا القائمين على إدارة الاتحاد الأوروبي والتوجه السياسي والأمني للنظام الأوروبي بوجه عام، بعد مرحلة كانت شعوب أوروبا واثقة من نوايا النظام الشيوعي ونظام دولة الرفاه. هم الآن، ويتصدرهم البريطانيون الذين يتدبرون أمر الرحيل، حائرون متشائمون، وفي الغالب غير واثقين. هنا في عالمنا العربي، حلت ثورات الربيع وراحت، ولم تخلف نظاماً يحل محل النظام العربي الذي شاركت في إسقاطه، بل وراحت الشعوب، كل في اتجاه، وهي نفسها انفرطت جزئيات تحلم وتسعى إلى تكوين كيانات. ولا شيء، لا شيء على الإطلاق، موجود على أرض الواقع يصلح ليكون كياناً إقليمياً جديداً يمكنه أن يضمها معترفاً بها وبشرعية وجودها وحامياً لها ومؤمناً لها النمو والازدهار. هناك على البعد ما زالت الأرملة التي خلفها وراءه النظام الإقليمي العربي حاملاً، لم تلد بعد والجنين في بطنها لا يلح في طلب الخروج.

فشل النظام الأوروبي في إقناع عدد كبير من البريطانيين بالفكرة الأوروبية. لم يكن متوقعاً على كل حال أن ينجح في خلع الهوية البريطانية وإحلال هوية «أوروبية» محلها، لكن بعض قادة أوروبا كانوا يأملون بأنه ستكون هناك مصالح اقتصادية لبريطانيا تبث في نفوس البريطانيين ثقة جديدة في أوروبا والأوروبيين تحل محل الشكوك التاريخية المتجذرة في نفوس البريطانيين تجاه القارة ومشكلاتها وتقلباتها. هناك من يتهم ألمانيا بأنها لم تحاول جدياً إشراك بريطانيا في توجيه دفة النظام الإقليمي الأوروبي، ولكن هناك على الجانب الآخر من يعتقد بأن بريطانيا لم تبذل جهداً حقيقياً لتلعب دوراً قيادياً في النظام الأوروبي. أتصور أن بعض الأوروبيين، وبخاصة الألمان، اعتقدوا بأن الانفكاك المتصاعد للرابطة الأميركية – الإنكليزية سيدفع لندن إن آجلاً أو عاجلاً، إلى بدء صفحة جديدة مع القارة الأوروبية.

فشل النظام الأوروبي، لكنه ليس كفشل النظام العربي. اختلفت الأسباب فاختلفت طبيعة الفشل وحجمه هنا وهناك. في الحالين وقفت السيادة الوطنية عائقاً ضد نجاح النظام، إلا أن هذه السيادة الوطنية لم تفلح في الحال العربية في حماية الدولة من هجمات قوى القمع والاستبداد والانفراط، وقد تكون هي نفسها السبب وراء فشل المملكة المتحدة في حماية وحدتها في حال خروج اسكتلندا من المملكة المتحدة، وهو التطور الأكثر احتمالاً نتيجة خروج بريطانيا من النظام الأوروبي.



تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2023