شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

السجن عقوبة التصوير في مصر.. قصة بلال دردير الذي نجا من الاعتقال

مصور مصري من بين آلاف يتعرضون إلى مضايقت أثناء عملهم الصحفي

أصبحت مُلاحقة الشباب على أيدي الأجهزة الأمنية تحت حكم عبدالفتاح السيسي الشغل الشاغل للنظام؛ فلم يعد في المجال العام قيد أنملة للتنفيس عن الغضب المتصاعد في الشارع المصري عامة، ولدى الشباب خاصة. ومن الاقتصاد المتردي إلى الأوضاع الاجتماعية المتدهورة، أصبح الظلم والبطش والتنكيل بالشباب الشبحَ الأبرز؛ حتى بات البلد بأكمله سجنًا عسكريًا وإن اتّسعت أراضيه، حسبما نشره موقع «بيتا بيكسل».

وفي التقرير، وفق ما ترجمته «شبكة رصد»، يروي المصوّر الشاب بلال دردير حكايته عندما عاد إلى مصر في أغسطس 2014 بعد دراسة العمل المدني في الولايات المتحدة، ووجد الثورة تفشل، وليست لديه تطلعات. إضافة إلى الاستقطاب الذي مزّق النسيج الوطني؛ فيقول:

بعد ثلاث سنوات من الاحتجاجات والاشتباكات بين السلميين وقوات الأمن، أدركت بإيماني العميق بالليبرالية أنّ مكاني ليس في صفوف الديكتاتورية العسكرية التي تدير البلاد، وكذلك ليس بجوار المعارضة الإسلامية المحافظة، التي تقود الاحتجاجات في الشوارع. وبالرغم من ذلك؛ كنت أتوق إلى المشاركة بتأثير ونشاط في الوضع السياسي.

وعبر «فيس بوك»، عندما وجدت أمامي ألبومات المصور الصحفي مصعب الشامي، التي تعد توثيقًا مرئيًا لتاريخ مصر في السنوات الثلاث الأخيرة؛ من هنا لم أكن لأضيع مزيدًا من الوقت، بذلت كل ما بحوزتي من مال للحصول على كاميرا؛ وبدأت مباشرة التقاط صور للاحتجاجات التي تنشب في شوارع القاهرة.

بعد شهرين تقريبًا، بدأتُ في بيع صوري إلى وكالات أنباء لها مكانتها الإعلامية؛ مثل الأناضول وشينجوا وأسوشيتد برس. وفي الذكرى الرابعة للثورة، وجدت نفسي تحت الأضواء؛ عقب نشر صورة لي عبر وسائل التواصل الاجتماعي تعرض صبيًا يبلغ من العمر عشرة أعوام أصيب بجروح قاتلة في اشتباكات بين المتظاهرين الإسلاميين والشرطة في حيّ بالقاهرة المكتظة.

تسبب هذا في كثير من المشاكل مع الشرطة؛ لكنّ التأثير الذي أحدثته صورتي أكّد في داخلي من جديد اعتقادي بأن عملي مهم وأنني ملتزم بمواصلة أداء ما أقوم به.

ومن ثمّ؛ بدأتُ في كتابة المقالات الخاصة عبر المواقع المعنية بشؤون الشرق الأوسط أوائل 2015، إضافة إلى توثيق الاضطرابات السياسية والاحتجاجات التي شهدتها شوارع القاهرة بشكل يومي تقريبًا، كنت حينها أغطي مجموعة واسعة من القضايا الاجتماعية والدينية. والأهم من ذلك، بالنسبة لي، تغطيتي أيضًا لكيفية تفاعل هذه القضايا وتأثّرها بالوضع السياسي في البلاد.

كان عملي بوصلتي؛ إذ قادني وألهمني إلى التجوّل عبر مصر شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا. لقد كان طريقي لبناء مفهوم أكبر يحتوي شعبي ومجتمعي وبلادي، وأحيانًا الفوضى التي تغوص فيها. أنا حقًا أحبّ عملي؛ قضيتُ أيامًا في التحدّث إلى أشخاص من مختلف أرجاء المحروسة، وجمع قصصهم وتصويرهم، وحصلت على ثمنها.

وبطبيعة الحال، فلا خير دون سيئات تصيبه؛ فعلى الرغم من أنني أحب عملي، دائمًا ما حاصرتني التحديات والمخاطر المتعلقة بظروف العمل صحفيًا في مصر ولاحقتني. مثال: أُصبت بالرصاص مرتين أثناء تغطيتي الاشتباكات في القاهرة؛ ولا زالت في داخل رأسي شظية من رصاصة مستديرة كلفتني تقريبًا عيني اليسرى، كما تعرّضت إلى ضرب بوحشية مرتين على أيدي ضباط الشرطة؛ بسبب المشاركة في محيط الاحتجاجات.

ولم تقتصر المخاطر على قوات الأمن فقط، التي لا تخضع إلى المساءلة؛ بل بلغت حد التعامل مع الناس العاديين في البلاد؛ بسبب ترويج الإعلام المصري، الذي يهيمن عليه الجيش، نظريات المؤامرة؛ إذ يدعي أنّ العالم برمته يتآمر ضد مصر. أدى ذلك، مقترنًا بالفقر والظروف الاقتصادية القاسية ونقص التعليم، إلى تنامي العدائية وصعودها تجاه الصحفيين العاملين مع وسائل الإعلام الأجنبية؛ إذ قبض مواطنون على صحفيين مرات عديدة؛ إما لطرح الأسئلة أو التقاط الصور.

لكنني كنت أبلغ 22 عامًا، شابًا صغيرًا طائشًا ومؤمنًا بشدة بأهمية عملي، ولم يكن ليوقفني عنه رصاص أو عنف أو أشخاص غاضبون؛ لكن كل ذلك تغيّر يوم 1 يوليو 2016، الذي أعتبره أسوأ يوم في حياتي. استيقظت على مكالمة هاتفية من محامٍ لم ألتقه من قبل، وأصرّ على تبليغي بأنني حُكم عليّ غيابيًا بالسجن 15 عامًا؛ لتغطيتي احتجاجًا إبّان 2014.

ويقول «بيتا بيكسل» إنّ الحكومة العسكرية في مصر تستهدف بشكل منهجي الصحفيين والنشطاء والكتاب، وإحدى الطرق الأكثر شيوعًا رفع دعوى ضد الشخص المستهدف دون إخطاره أو إعلامه نهائيًا؛ وبعد إصدار الحكم غيابيًا يطلب القانون المصري من المحكوم عليه أن يُسلّم نفسه. وحتى إذا استأنف فهذه الخطوة تستغرق من سنة إلى ثلاث سنوات.

ويروي بلال أنه بسبب عمله كانت له تجربة مباشرة مع النشطاء والصحفيين الذين اضطروا إلى قضاء سنتين أو ثلاث سنوات في ظروف قاسية في السجن، فقط لإثبات براءتهم؛ وخوفًا من مصير مماثل لشوكان، قرّر أنه لن يسلك هذا الطريق الذي أثبت بالتجربة مدى ظلمه وتنحي العدالة جانبًا عنه نهائيًا.

البيروقراطية في مصر هي السبب الذي اضطرني إلى الهروب من البلاد؛ فبعد إصدار الحكم تُرسل الشرطة اسمك إلى مطارات البلاد، في إجراء يستغرق -لحسن الحظ- أسبوعين تقريبًا. ومع ذلك، ما زلت أواجه مشكلة أخرى: لم يُسمح لي بالسفر خارج البلاد؛ لأنني لم أقض فترة التجنيد في الجيش، وهو أمر إجباري على جميع الشباب المصري أداؤه لمدة سنة واحدة.

أجريت اتصالات، وعرضتُ على مزوّر، ووافق على إصدار تصريح سفر لي. ويعاقب على التزوير بالسجن لمدة ثلاث سنوات بموجب القانون؛ لكنني حُكم علي بالفعل بالسجن لمدة 15 عامًا. إذًا؛ ماذا تعني ثلاث سنوات أخرى؟! وعبر هذا المنطق في عقلي، سلّمت التصريح المزور إلى ضابط المطار، كان وجهي ثابتًا؛ ولكنّ قلبي يكاد يتوقف من الخوف.

وبعد ساعة، كنتُ على متن الطائرة المتوجهة إلى هونغ كونغ، كانت هذه المرة الأولى التي آكل فيها شيئًا منذ الصباح الذي علمت فيه بأمر عقوبتي؛ إذ فقدت خمسة كيلوجرامات في ثلاثة أيام.
اختياري لمدينة هونغ كونغ يرجع إلى أنه ليس ضروريًا إصدار تأشيرة لدخول البلاد؛ فلم يكن لدي متسع من الوقت لإضاعته في إجراءات طلب الحصول على تأشيرة لدخول دولة ما، وفجأة أصبحت في هونغ كونغ، كانت لدي مئات من الدولارات، ولم تكن هناك وسيلة لكسب المال. قضيت عشرة أيام وليالٍ في مطار هونغ كونغ الدولي، فكّرت في نفسي في حال يُشابه الممثل الأميركي توم هانكس في فيلم «المحطة».

في الأشهر الستة التالية، سافرت عبر جنوب شرق آسيا؛ إذ كنت أقفز من بلد إلى آخر بمجرد انتهاء تأشيرتي السياحية، كوّنت كثيرًا من الأصدقاء، الذين ساعدوني كلما كان ذلك ممكنًا، وتقدّمت بطلبات للحصول على برامج الحماسة الدولية عندما احتجت الذهاب إلى بلد لم أستطع البقاء فيه قانونًا؛ لكنني كنت أدرك أنني لا أستطيع مواصلة السفر من بلد إلى آخر بقية حياتي.

وبمساعدة منظمة العفو الدولية، تقدّمت بطلب للحصول على برنامج تمويل من الحكومة الإسبانية، يُمنح منه أربعة من المدافعين عن حقوق الإنسان المعرضين للخطر تأشيرة دخول وإقامة في إسبانيا لمدة عام. قُبلت في منتصف ديسمبر ووصلت إلى إسبانيا في اليوم الأخير من 2016.

في إسبانيا، بدأ فصل جديد من حياتي، هذه المرحلة لا تخلو من المصاعب، وأهم عقبة كانت اللغة. ولكن، بعد ثمانية أشهر من دراسة الإسبانية يوميًا، وعدد لا يحصى من الساعات قضيتها في المكتبات العامة في مدريد؛ يسرني أن أقول إن اللغة لم تعد عقبة.

ويسرني أيضًا أن أذكر أنني تقدمت بطلب اللجوء في أبريل، وقُبل طلبي في مايو. والآن، أنا أمسك البطاقة الحمراء للاجئين، وستكون قادرة على العمل بشكل قانوني في أكتوبر، حتى ذلك اليوم، سأقضي أيامي في دراسة لغتي وإتقانها، والسفر في جميع أنحاء إسبانيا وحضور مهرجانات إسبانية قدر ما استطعت.

الجانب السلبي الوحيد في وضعي هو حقيقة أنني لا أستطيع السفر خارج إسبانيا، على الأقل ليس حاليًا، كما اضطررت إلى خسارة جنسيتي المصرية وجواز السفر في المرحلة الأولى من اللجوء. ومع ذلك، وبالنظر إلى أنه كان يمكن أن أكون جالسًا في زنزانة صغرى في المعتقل المتكدس الآن؛ ليس لدي حق بأن تبدر مني أي شكوى!



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020