شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

«ناشيونال إنتريست»: سوريا بعد تنظيم الدولة.. ساحة معارك سياسية بين قوى إقليمية ودولية

تنظيم الدولة في عاصمته السورية «مدينة الرقة»

بعد انقضاء المعركة الأخيرة للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة مع تنظيم الدولة في عاصمته «مدينة الرقة في سوريا»، أصبح لزامًا على إدارة ترامب أن تقرر الهيئة التي ستتراجع بها على المواجهات المتصاعدة بينها وبين الطرف الروسي في سوريا، حسبما نشرت صحيفة «ناشيونال إنتريست».

وأضافت، وفق ما ترجمته «شبكة رصد»، أنه بمجرد أن يفقد التنظيم باقي الأراضي التي سيطر عليها سيعود إلى مخابئه تحت الأرض، حيث سيؤمّن عودته؛ وهذا ما فعله في العراق، الذي بقي فيه تنظيم القاعدة سابقا بعد تعرّضه إلى الغزو الأميركية في ظل إدارة جورج بوش.

وعندما انسحبت القوات العسكرية الأميركية من العراق عام 2011، قدّر مسؤولو المخابرات الأميركية انخفاض مقاتلي تنظيم الدولة في العراق إلى نحو 700. وعلى الرغم من هزيمتهم في ساحة المعركة، عززت الجماعة مع الوقت وجودها، وعندما عارض السُنّة المضطهدون في العراق وسوريا الحكومات العدائية والفاسدة غير السنية في بغداد ودمشق كان تنظيم الدولة في العراق مستعدًا لاستغلال هذا الوضع الطائفي.

وأدّت الثورة المشتعلة إلى مزيد من النجاح للتنظيم. وفي عام 2013، عزّز من تدفق المتطوعين السوريين والأجانب، الذين حشدهم ضد النظام الوحشي للرئيس السوري بشار الأسد. وأعاد تسمية نفسه «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا».

بحلول أواخر 2014، استولى تنظيم الدولة على جزء كبير من شرق سوريا وغرب العراق، وأعلن تشكيل «الخلافة». وجذب أكثر من 40 ألف مقاتل أجنبي وحكم قرابة عشرة ملايين شخص في الأراضي التي سيطر عليها.

مقاتلو تنظيم الدولة في سوريا – أرشيفية

واليوم، يتراوح عدد مقاتلي التنظيم الذين غادروا سوريا والعراق بين ستة آلاف وعشرة آلاف، ويسيطر على قرابة أربعة آلاف كيلومتر مربع على طول نهر الفرات، الذي يمتد عبر الحدود السورية العراقية، فضلًا عن المناطق القريبة من دمشق (عاصمة سوريا) وفي غرب العراق.

وعلى الرغم من شدة الهزيمة العسكرية، يُعتبر التنظيم شبكة مرنة وقابلة للتكيف ومواصلة نموها الهائل وسط سيطرة الأنظمة المضطربة في بغداد ودمشق، التي كان ينظر إليها على أنها معادية وغير مستجيبة لمصالح العرب السنة، وإذا استمرت هذه الحكومات في إهمال احتياجات العرب السنة؛ فسيتصاعد تنظيم الدولة أو منظمات مسلحة مماثلة في نهاية المطاف مرة أخرى لتحديها.

التهديد مستمر

بالرغم من تفكك تنظيم الدولة؛ ستستمر أيديولوجيته في إلحاق العدوى بالشباب المسلمين الآخرين، بعدما تضخمت عبر شبكات التواصل الاجتماعي الواسعة الانتشار. وفي الواقع، لا يزال التنظيم يزداد قوة في إفريقيا وآسيا، خاصة في شبه جزيرة سيناء في مصر وغرب إفريقيا والفلبين؛ ولا يزال يشكّل تهديدًا قويًا في أوروبا.

تنظيم الدولة عبر الإنترنت

وأرسل التنظيم مئات من المسلحين إلى أوروبا وتركيا، وشكّلوا خلايا نائمة ونسقوا هجمات مع أنصار محليين. وحتى الآن، أعلن التنظيم هذا العام مسؤوليته عن ثلاث هجمات في بريطانيا أسفرت عن مصرع 37 شخصًا، وقصف في إسطنبول أسفر عن مقتل 39 شخصًا، وهجمات في سبع دول أخرى على الأقل.

الجولة القادمة

مع انهيار الخلافة في سوريا والعراق، تتنافس دول متصارعة وجماعات غير الوطنية على ملء فراغ السلطة. وأعلن نظام بشار، المدعوم من إيران وروسيا، عزمه على استعادة السيطرة على كل سوريا، وتهتم موسكو بالجهد الاستخباراتي بهدف تأمين سوريا الغربية؛ حيث توجد قواعدها البحرية والجوية، ولكنها قدّمت دعمًا جويًا للنهوض بالمليشيات السورية والإيرانية التي تتقدم في محافظة دير الزور (شرق سوريا).

أيضًا، لا زالوا في سباق مع القوات السورية الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة، وهي الفصيل المتمرد الذي يقوده الأكراد واستولى على الرقة؛ لنقل حقول النفط والغاز وغيرها من الأصول الاستراتيجية.

كما تسعى إيران وراء الهدف الاستراتيجي، المتمثل في تأمين نفوذها عبر العراق وسوريا ولبنان. ومن شأن ذلك أن يتيح لها تعزيز هيمنتها الإقليمية، وتقوية دعمها اللوجيستي لبديلها الرئيس «حزب الله اللبناني»، ومنع ظهور تهديد إسلامي سنَي آخر لها أوحلفائها؛ وينبغي أن يسمح هذا التأثير لإيران بتفكيك تركيا، وتقويض النفوذ الأميركي، ووضع نفسها باعتبارها التهديد الأكبر لـ«إسرائيل».

ونشرت طهران آلافًا من الحرس الثوري؛ بهدف تدريب المليشيات السورية الموالية لبشار وتقديم المشورة لهم. لكنّ الحراس أيضًا متورطون مع قرابة 20 ألف مقاتل من حزب الله وأكثر من 12 مليشيا شيعية أخرى من العراق وأفغانستان وباكستان.

مليشيا إيرانية في سوريا ترفع راية «لبيك يا حسين»

وتحاول إيران الآن تغيير مسار المشاكل السورية ودوافعها لممارسة ضغوط أكبر على «إسرائيل»، وشكّلت مليشيا شيعية عراقية يسيطر عليها الإيرانيون في سوريا قوة «لتحرير الجولان»، وأعلنت علنًا ​​استعدادها لاتخاذ إجراء ضد «إسرائيل»، التي يبدو أنها على استعداد للحرب ضد إيران في سوريا ولبنان.

ويبدو أن تركيا، التي دخلت سوريا في البداية لدعم المعارضين الذين يقاتلون ضد نظام بشار، تركّز أكثر على تأمين حدودها، واجهاض التمرد الكردي في شرق تركيا، ومنع الأكراد السوريين من إقامة دولة مستقلة يمكن أن تصبح مصدرًا لدعم الانفصاليين الأكراد داخلها.

التحوّل القادم في السياسة الأميركية

يبقى مستقبل السياسة الأميركية علامة استفهام كبرى في سوريا. وقال الرئيس دونالد ترامب إنه بعد سقوط الرقة «ستنتقل الولايات المتحدة قريبًا إلى مرحلة جديدة» في سوريا، وستقدم الدعم لقوات الأمن المحلية؛ لكنّ نطاق هذا الدعم الأميركي وحجمه ومدته لا يزال غير واضح، لا سيما في ضوء نفور الرئيس المعروف بضبابيته.

ونشرت الولايات المتحدة أكثر من 500 قوة من العمليات الخاصة في سوريا وقرابة خمسة آلاف فرد عسكري في العراق؛ بغية التدريب وتقديم الاستشارات.

ويستعد مسؤولو «البنتاجون» إلى المرحلة التالية من الحملة ضد تنظيم الدولة، وسيدعمون هجوم قوات الدفاع الذاتي على قوات التنظيم؛ عبر التقدم تجاه نهر الفرات نحو الحدود العراقية، حيث من المتوقع أن يتعاونوا مع القوات العراقية التي تتقدم على الجانب الآخر من الحدود.

ربما تعطّلت هذه الخطط بسبب التقدم السريع للقوات السورية وحزب الله بقيادة إيران، وبدعم من الضربات الجوية الروسية، قطعت هذه القوات خط التقدم الأكثر مباشرة لقوات الدفاع الذاتي باتجاه البوكمال، معقل تنظيم الدولة الرئيس بالقرب من الحدود.

ويعد أحد أهم التطورات على الساحة السورية هو بناء جسر عائم روسي، مما مكّن القوات المدعومة من إيران من عبور نهر الفرات ومنع مقاتلي قوات الدفاع الذاتي من التقدم على الطريق على الضفة الشرقية للنهر. ولفت معبر النهر إلى دعم روسيا لجهود إيران الرامية إلى إقامة جسر أرضى آمن من طهران إلى دمشق، كما انتهكت إتفاقية عدم التفاهم بين واشنطن وموسكو.

الوحدات الهندسية الروسية تشيّد الجسر العائم على نهر الفرات قرب دير الزور

وبات من الضروري على إدارة ترامب أن تقرّر كيفية التراجع عن سلوك المواجهة المتزايد لروسيا في سوريا. كما يجب عليها أن تقرر أفضل السبل لاحتواء نفوذ إيران المتنامي في سوريا وأماكن أخرى.

وتعتبر قوات الدفاع الذاتي، التي يسيطر عليها الأكراد، إحدى القوات العسكرية القوية في شرق سوريا، ولكنها تسبب أيضًا مشاكل سياسية لواشنطن. فالغالبية العظمى من السكان العرب في الرقة لا يثقون في الأكراد، ويخشون من أن تفرض قواتهم احتلالًا جديدًا لا تحررًا من تنظيم الدولة.

كما تمتنع تركيا عن دعمها للقوات الكردية السورية، وهي حليف للناتو يحارب ضد حزب العمال الكردستاني الذي اعتبرته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منظمة إرهابية. وكان الأكراد السوريون يعتبرون الأسوأ؛ إذ رفعوا لافتة عملاقة في الرقة لزعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، الذي سجن في تركيا بتهمة الإرهاب.

ولا يتضح مدى عمق إدارة ترامب ودقة التزامها تجاه قوات الدفاع الذاتي بقيادة كردية؛ فالتحالف هو الاختيار الحالي الأكثر قابلية للحيلولة دون توطيد الإيرانيين للسيطرة على شرق سوريا. ولكنه أيضًا يمكن أن يقوّض العلاقات الأميركية مع تركيا ومع العرب السنة الذين سرعان ما سيهتفون ضد الحكم الكردستاني.

الخلاصة، سواء مع قوات الدفاع الذاتي أو من دونها، يجب على واشنطن أن تظل منخرطة في سوريا والعراق بعد هزيمة تنظيم الدولة؛ وهذه الطريقة الوحيدة لمنع عودة ظهوره، والتعويض عن جهود إيران الرامية إلى تحويل المشاكل الإقليمية إلى نمط أكثر ملاءمة لمصالحها الخاصة.



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية