شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

معتقلو سجن العقرب.. صرخات من خلف الأسوار تنادي العالم لإنقاذهم

منذ الانتهاء من بنائه في 30 مايو 1993، ظل سجن طرة شديد الحراسة «سجن العقرب» رمزا للقمع والتعذيب والقتل البطيء، حيث خصصته الأجهزة الأمنية في مصر لاحتجاز القيادات المعارضة، وجعل فترات حبسهم جحيما.

أغلب الزنازين انفرادية، عزل فيها المعتقل عن العالم لأسابيع لا ترى عيناه نور الشمس حتى تنقذه جلسة تحقيق أو محاكمة.

الزيارات ممنوعة بشكل شبه دائم لا طعام خارجي، لا علاج، لا كتب، لا صحف، لا أدوات نظافة، لا أوراق، لا أقلام لا ترى عين المعتقل أسرته أو محاميه لسنوات، وليس هناك أي وسائل للاتصال بالعالم.

العديد من التقارير الحقوقية تناولت سجن العقرب كونه مقر الاحتجاز الرسمي الأكثر سوءا في مصر، بدءا من تصميمه الذي يجعل منه مكانا غير مناسب لاحتجاز البشر، ومرورا بإدارته من ضباط ومخبرين والذين هم الأسوأ فيما يتعلق بانتهاك حقوق المعتقلين.

وفي ظل حالة غياب العدالة في مصر وعجز السلطة القضائية عن إنفاذ القانون، فإن السجن لا يخضع لأية رقابة قانونية، ولا إرادة فيه تعلو على إرادة الجلادين الذين وضعوا خصيصا ليمارسوا القتل والقمع والتعذيب بحق معتقلي العقرب دون تمييز.

هذا التقرير هو شهادة حية تفصيلية نقلتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا عن معتقلي العقرب، رسائل مسربة كتبها المعتقلون على مدار سبعة أشهر بوسائل بدائية في محاولة جديدة لنقل معاناتهم وصرختهم حول ما يتعرضون له من قتل بالبطيء وتعذيب وقمع وإهانة بصورة دائمة لا تتوقف.

** صرخة من قلب مقبرة العقرب

من وراء الشمس نناديكم يا أصحاب الضمائر الحية، يا أرباب المنابر الإعلامية الحرة، يا شعوب العالم التي ذاقت الحرية وعاشت الحضارة البشرية، يا ناصري حقوق الإنسان في حياة آدمية كريمة، يا مناهضي التعذيب، الإيذاء البدني، والتنكيل.

صرخة من خلف الأسوار، من جوعى لا يشبعون، من عطشى لا يرتوون، من عرايا لا يكتسون، من مرضى لا يشفون، ممن يعيشون حياة الحرمان في فقر وألم، ومهانة وإذلال وقهر، لا غطاء، لا دواء، لا هواء، لا كساء.

لم يكن لنا أن نصمت؛ لأجل أنفسنا، لأجل التاريخ، لأجل فضح التمثيلية الهزلية المقيتة التي صورت حياة العقرب كحياة الفنادق، ونتذكر كلمات الضابط إيهاب السمرة-رئيس مباحث العقرب عام 2016، حين دخل العنبر الذي كان ينادي مستغيثا لأجل أزمة قلبية أصابت أحد المعتقلين، فدخل وسب المعتقلين ثم قال «انتوا فاكرين اننا شغالين عندكم، هو انتم في الفورسيزون؟».

نعلم بالطبع أننا لسنا كذلك، ولذلك كان ينبغي أن نوضح ونصيح بأعلى أصواتنا، أنقذوا معتقلي العقرب.. أنقذونا.

** حياة غير آدمية

في مقبرة العقرب نحيا أمواتا، بطانية ميري رقيقة متسخة وأغلبنا يلتحف السقف بلا غطاء يحمينا من سقيع الشتاء ونهش البعوض، الجدران إما رمادية أو مختلطة الألوان ما بين تقشير لدهان قديم أو ألوان قاتمة طمس بها الشاويش والعمال الجنائيين كتابات كانت على الحوائط.

الملابس قليلة جدا من غيار إلى ثلاثة على الأكثر، البدل الميري المصنوعة من قماش ليفي يزيد حرارة الصيف ولا يقي بروده الشتاء، يتحايل المعتقلين أثناء دخولهم من الجلسات لإحضار بعض الملابس الداخلية لتخفف من وطأة الشتاء عليهم فيكون يوم عيد للمخبرين حيث يجبرونهم على خلع تلك الملابس ويأخذونها ويقسمونها عليهم قائلين «الحي ابقى من الميت».

كل بضعة أشهر تحدث التجريدة التي هي عدوان متكرر على مقابر المعتقلين يأخذون فيها الأطعمة والملابس البطاطين، الملايات ويتركون الزنازين خاوية ليس فيها شيء سوي أرضها الخرسانية وجدرانها الأسمنتية.

لم تصرف لنا إدارة السجن ملابس جديدة منذ 3 سنوات ولا بطاطين منذ سنتين وكل عام كانت كافتيريا السجن تقوم بالسماح بشراء ملايات وملابس على نفقة المعتقلين الذين لا يجدون بدا من شرائها فقط ليعيشوا أيام شتائهم دون الموت بردا قبل أن يسرقها المخبرون في التجريدة الجديدة.

** بطون خاوية

التجويع سياسة ثابتة دائمة ممنهجة فطعام ما يسمى بالتعيين وهو طعام المعتقلين الذي يطبخه مطبخ السجن بمنتهى الإهمال والفساد يأتي رائحته نتنة، يحمله مسجون جنائي على عربة أمامه ويقوم بتوزيع التعيين في منظر قبيح على أواني محترقة عفنة، أو صفائح تستخدم أحيانا للطعام وأحيانا للقمامة.

تصل إلينا كميات الطعام القليلة فاسدة بلا طهي رائحتها لا تطاق بلا ملح أو زيت، بها بقايا حشرات ميتة ومع كل هذا السوء تكاد لا تسد الرمق ولا تغني من جوع.

وكما يقال «يثني الجوع أعناق الرجال» فنضطر إلى أكل هذا الطعام على رائحته ومنظره ليسد الرمق ولو لساعات ويبقى الجوع صاحبنا حتى الفناء، أما الشباب منا فيصاب الكثير منهم بالهذيان والدوار، ولمرات متعددة حدثت بيننا حالات تسمم جماعي وقيء مستمر، وبالطبع دون علاج.

في أوقات متفرقة كانت تسمح إدارة السجن بشراء وجبات من الكافتيريا الخاصة بالسجن، نقبل عليه متلهفين لا لجودة طعامها لكن جوعنا وفساد طعام التعيين الذي عافته نفوسنا، وتظل إدارة السجن تساومنا على الكافتيريا وتتحجج بأي سبب وإلا أغلقت الكافتيريا، ممنوع وجود مخالفات «ورقة، قلم، صابونة» وإلا أغلقنا الكافتيريا، والرد على المخبر يغلق الكافتيريا، والشكوى من الشاويش تغلق الكافتيريا، حتى أغلقت في 17/9/2017 حتى الآن بلا سبب لنصاحب الجوع دون هدنة.

** الإهمال الطبي

لافته كبيرة مكتوب عليها «مستشفى السجن» وهي مجرد غرف كشف ومعمل تحاليل بلا أجهزة، ودائما خالية من المرضى، إذ تفتح أبوابها في الصباح الباكر عل يد الممرض ويوجد طبيب مقيم ذو رتبه شرطية لكنه غالبا في سكن الضباط، ولا وجود له إلا نادرا.

قد ينجح المعتقل نادرا في الحصول على علاج من الصيدلية يجده بضعة أقراص مقصوصة بمقص ويبصم بإبهامه على استلامه كأنه استلم عهدة رسمية وقد ينجح في الكشف عند أحد الاستشاريين، بسبب رحمة بعض الأطباء الممارسين الذين يقومون بعرض المريض على الاستشاري.

لكن النقل إلى مستشفى متخصصة هو أمر بعيد المنال، يظل المرضى بأمراض خطيرة يتألمون حتى الموت، أو حتى الدخول في غيبوبة كاملة لا يمكن تداركها بالعلاج، ثم ينقلون إلى مستشفى وهم في حالة وفاة سريرية، لتخلي إدارة السجن مسؤوليتها عن وفاتهم، وبالطبع لا يوجد شيء يسمى الإفراج الصحي مهما تردت حالة المعتقل المريض.

في مشهد متكرر يشتد ألم أحد المعتقلين في ساعة من ليل أو نهار يبدأ في الاستنجاد بمن حوله، الآلام تعتصر الصدر، قيئ شديد مستمر، أزمة تنفس قاتلة، آلام الزائدة، أزمة قلبية، نزيف من البواسير يملئ الثياب والأرض دماء، يستغيث منها المعتقل فيتفاعل معه من في الغرفة ومن بجوارهم وتبدأ رحلة من الاستغاثة بالشاويش فلان تعبان في حالة سيئة، فلان بيموت، أحضروا الممرض، ولا مجيب.

قد يستمر النداء نصف ساعة، ساعة، ساعتين في بعض الليالي يستمر النداء حتى الصباح بلا مجيب فإذا جاء الرد فغالبا ما يكون مع سيل من السباب والتأفف ثم إما أن يأتي الممرض بحقنة مسكنة أو الرد يكون لا ممرض الليلة، فيكون على المريض أن يتألم حتى الصباح.

** الحرمان من الزيارة

زيارة الأهالي مسلسل من تلك المعاناة لنا ولأسرنا، حيث تتلذذ إدارة السجن في رغبتنا المبتورة في رؤية ذوينا، وتستخدم في ذلك كل ألوان القهر والإذلال، فيكون الحرمان من الزيارة عقوبة على أتفه الأسباب التي يختلقونها.

ومع ذلك كانت رؤيتنا لأسرنا يشعرنا أننا لا زلنا أحياء ولا زالت لنا نافذة نرى منها الحياة والعالم غير نوافذ الزنازين التي تطل على طرقة مغلقة لا دور لها سوى قتلنا بالبطئ.

أحيانا يطالب سجن العقرب الأهالي بتصريح من النيابة للزيارة وأحيانا بلا تصريح، وأحيانا يأتي التصريح القضائي ولا يسمح بالزيارة وكل ذلك (وفق هوى إدارة السجن) فإذا سمح بالزيارة وعرف الأهالي ذلك توافدوا على أبواب منطقة سجون طره، وهنا لا بد أن يأتوا في ساعات الصباح الأولى، فتسجيل الأسماء ينتهي في السابعة صباحا، حتى اضطر الأهالي للمبيت في الشوارع وافتراش الرصيف أمام بوابة منطقة السجون.

فإذا دخل الأهالي وقفوا أمام بوابة سجن العقرب حتى الثانية ظهرا ثم يدخلونهم إلى كبائن الزيارة ويقفون متلهفين لرؤيتنا فقط ليعلموا أننا مازلنا أحياء فنحاول الخروج مبتسمين
ونتبادل سترة نحاول الحفاظ علي نظافتها خصيصا لزيارة الأهل.

يخرج الزائر منا إلى كابينة الزيارة في مقابلة أهله ينظر من خلف الزجاج العازل ويرفع سماعة التليفون المراقب من الإدارة يسمعهم صوته لدقائق، ثم يأتي المخبر يزجر الأهالي إلى الخارج والعيون تلاحقهم لا تدري هل تراهم بعدها أم لا وسط توسلات من الأمهات والزوجات للضباط للسماح لهم بمصافحتنا.

ويا لها من لحظة فراق أليمة أمام أعين ضباط ومخبرين تجمدت قلوبهم ولا هم لهم سوى أخذ إتاوة الزيارة (مبلغ مالي) من الأسر والتي لم تستغرق سوي 7 دقائق.

أضف إلي ذلك التحرش بالأهالي أثناء دخولهم وتفتيشهم بإهانات متعمدة والغرض منها دفعهم لعدم الحضور، وعندما يئسوا من تحقيق حلمهم بصرف الأهالي عن زيارة ذويهم المعتقلين بدأ مسلسل غلق الزيارة، حيث تم منع الزيارة تماما عن جميع المعتقلين في مارس 2018 وحتى الآن.

** تعذيب لا رحمة

في سجن العقرب التعذيب والتنكيل أمر دائم، نحن هنا في معزل عن العالم ولا تحمينا أية قوانين، وليس لدينا أو وسيلة للشكوى أو التذمر، أو الاعتراض، هنا تنوعت وتعددت أدوات وآلات التعذيب البدني.

سمعنا كثيرا عن جوانتانامو وأبو غريب، ولكن ما شاهدناه وعايشناه في العقرب أشد قسوة وأعظم جرما، يستخدمون شتى الوسائل في التعذيب.

هنا يتم تعليقنا على الأبواب، وهي من أبشع طرق التعذيب، حيث يتم تكبيل اليدين من الخلف، ثم تعلق منهما في وضع عكسي، نشعر عندها وكأن أرواحنا تخرج، لا يتحمل أشدنا قوة هذا الوضع بضع دقائق، نقضيها في صراخ وعويل وتألم، ومنا من يتم تعليقه عشر ساعات متواصلة.

هنا يتم الصعق بالكهرباء، والإغراق في إناء ماء، ونعلق في الشواية، وتطفئ السجائر في أجسادنا، هنا تنتزع الأظافر، وتكسر الأيادي والأقدام وتخلع الأكتاف، نضرب بأسلاك الكهرباء ونُلطم بالأيدي على الوجوه ونركل بالأقدام.

** خاتمة شهادة المعتقلين

قد سمعتم صراخنا، نظرتم بعيوننا بعد أن استطعنا أن نوصل لكم هذه الكلمات والعبارات، كانت مخاطرة كبيرة، ونرجو أن تكون تلك المخاطرة ذات فائدة.

هذه الشهادة الحية من قلب أقبية التعذيب التي أعدت لتكون عزلا لنا عن الحياة بكل ما فيها ومن فيها .

على كل من سمع صوتنا أن يبلغ رسالتنا وأصواتنا التي عاشت مكتومة لسنوات وسنوات حتى مات الإحساس بها وفقدنا الأمل في سماعها ونجدتنا .

قد ظهرت كلماتنا وعلها لا تظهر مرة أخرى، ولعله لن يتاح لنا فرصة مثل هذه للأنين المسموع، فهل من أحياء يستجيبون لاستغاثة من بالمقابر دُفنوا مكرهين؟.

 



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية