شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

تايم: معاملة فرنسا لمسلميها يجب مراجعتها

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

نشرت مجلة “تايم” الأميركية تقريرا للباحثة “ميريام فرانسوا”، تحدثت فيه عن معاملة فرنسا لمسلميها، معتبرة أنها المقياس الحقيقي لالتزامها بـ”قيمها الجمهورية”.

واستهلت “فرانسوا” مقالها، بالحديث عن الهجمات التي شهدتها فرنسا منذ عام 2015، وصولا إلى قتل مدرس التاريخ “صامويل باتي” إثر عرضه صورا مسيئة للرسول محمد على تلامذته، ثم مقتل ثلاثة أشخاص في كنيسة بمدينة نيس، ما جعل البلد يعتقد أنه مستهدف ويتوجب عليه الرد.

وبالنسبة للرئيس إيمانويل ماكرون، بحسب فرانسوا، فالبلد مستهدف من الإرهابيين بسبب “حرية التعبير والحق بالاعتقاد وطريقة حياته”، ولهذا زعم أن “الانعزالية الإسلامية” وجدت أرضية خصبة وسط قطاعات من المجتمع الفرنسي، وأن الطريقة الوحيدة لمواجهتها هي “إسلام فرنسي” تنظمه الدولة.

وتوضح الكاتبة أن هذه ليست المرة الأولى التي تحاول فيها الدولة الفرنسية تنظيم علاقاتها مع مجتمع ديني متنوع عرقيا وبدون قيادة أو مؤسسات للتوسط مع الدولة، فهذا يعود إلى أكثر من عقود وبدون أي نتيجة.

وعزت فرانسوا ذلك الفشل إلى أن المسؤولين الذين عينتهم الدولة كافحوا للحصول على اعتراف في الأوساط الدينية.

وبنفس القدر لن تحظ محاولات ماكرون لتحديد المسلمين بناء على معتقداتهم بقبول واسع، خاصة أن زعيما علمانيا هو من يقوم بتعريف شروط الممارسة الدينية.

وترى الكاتبة أن مفهوم العلمانية أو اللائكية مصمم لحماية الأفراد من تدخل الدولة في حياتهم، ومنع تأثير الدين عليها، لكنه بات في السنوات الأخيرة يعمل العكس، فهو يتدخل أكثر في حياة المواطنين المسلمين، من ناحية الملبس والطعام والتعليم الديني، مستخدما قوة المحاكم، التي كانت قد أقرت تلك “الحريات”.

وفي الوقت الذي يصر فيه ماكرون على أن سياساته لا تستهدف الإسلام بعينه ولكن من يعارضون قيم الجمهورية فإن خطابه وخطاب وزرائه أعطى شعورا غير ذلك. فمن النقاش حول الحجاب والمسابح الخاصة بالنساء وأرفف الطعام الحلال والمظاهر اليومية لحياة المسلمين، كل هذا تم اعتباره من مظاهر الانعزالية المرتبطة بالإرهاب.

وفي تقرير صدر العام الماضي بعنوان “التمييز ضد المسلمين: على الدولة التحرك” وصفت منظمة أمنستي إنترناشونال “مناخا معاديا وخطابا يميز” ضد المسلمين والذي ظهر من تصريحات وزير الداخلية الذي اعتبر حريات دينية أساسية مثل الصلاة والصيام وإطلاق اللحية “علامات تشدد”.

وجاء في التقرير نقلا عن رجل داهمت الشرطة مسجده أن “أسوأ جزء في هذا، أنه لو كان هناك قلق لفتحوا تحقيقا، ولكنني أشعر أنهم يعاقبوننا بدون جريرة”.

وفي جو الخوف الذي باتت فيه زعيمة اليمين المتطرف ماري لوبين تحدد الخطاب العام عن الإسلام والمسلمين فإن عدم رغبة الحكومة التفريق بين ما هي الأشكال العادية من التدين وما هي تلك “المتطرفة” جعلت ملايين المسلمين الفرنسيين عرضة لاتهامات التطرف.

وتم تبرير الإجراءات الأخيرة بناء على فرضية “مناقضة قطاعات من المجتمع المسلم لقيم الجمهورية”، بينما في الواقع لا يوجد ما يثبت هذا، بحسب الكاتبة.

ففي أوسع دراسة نوعية عن العلاقة بين الإرهاب والتمييز في فرنسا، وجد الباحثون في مركز “دراسة النزاع” في باريس العكس تماما، إذ خلصوا إلى أن المسلمين بشكل عام يثقون بمؤسسات الجمهورية باستثناء الشرطة والإعلام.

وقال الباحثون: “ما ظهر من الدراسة يكشف عن التزام ضخم للمسلمين الفرنسيين بالجمهورية”، مضيفة أن الثقة بمؤسسات الجمهورية تتلاشى عبر عامل واحد: تجربة التمييز، وهو أمر من المتوقع أن تفاقمه الإجراءات الأخيرة.

وأكدت نتيجة الدراسة: “لا ترفض غالبية المسلمين قيم ومؤسسات الجمهورية في فرنسا”، لكن ما يثير القلق هو أن التمييز منتشر ضد المسلمين الفرنسيين في كل مجال من مجالات الحياة، من السكن إلى الوظيفة والتعامل مع الشرطة.

وبحسب أرقام الحكومة فإن نسبة 42 بالمائة (بعض الدراسات تقول 58 بالمائة) تحدثوا عن معاناتهم من التمييز، وتزيد النسبة إلى 60 بالمائة بين المحجبات.

وفي استطلاع حديث أجرته “يوغوف”، فإن 67 بالمائة من المسلمين الفرنسيين يعتقدون أن النظرة لدينهم سلبية فيما قالت نسبة 64 بالمائة إن النظرة السلبية متعلقة بأصلهم العرقي.

وبالنسبة للكثيرين، بحسب الكاتبة، فإن السلطوية الزاحفة التي تتم فيها مناقشة حياة المسلمين في البرامج التلفزيونية الرئيسية وعرضها من وجهة نظر إشكالية دليل مقلق حول استخدامها سياسيا، وكأداة للعنصرية.

ومنذ حالة الطوارئ في 2015 التي انتهت عام 2017، أقر البرلمان سلسلة من التشريعات التي قادت إلى انتهاكات بحق الآلاف ومداهمات واعتقالات للمسلمين وبطريقة غير متناسبة.

ومظاهر السلطوية تبدأ على الهامش لكنها لا تنتهي هناك، وفي أعقاب الهجمات الأخيرة تم الدفع بقانونين مثيرين للجدل، أحدهما “الأمن العالمي” الذي يمنح الدولة سلطة استخدام الطائرات المسيرة والسجن وغرامة 45 ألف يورو لأي شخص يحمل صورا تظهر وجه جندي أو رجل شرطة.

وقاد هذا القانون إلى تظاهرات عامة، فيما تزعم الحكومة أن إظهار صور الشرطة على منصات التواصل يعرض حياتهم للخطر، وقال جيرالد دارمانين، وزير الداخلية: “سرطان المجتمع هو عدم احترام السلطة”.

ولكن الصحفيين في فرنسا بدؤوا بقرع الجرس فيما قالت المفوضية الأوروبية: “في فترة الأزمة يجب أن يكون الصحفيون قادرين على القيام بمهمتهم بحرية وأمن كامل”.

وفي الوقت الذي كان البرلمان يناقش فيه مشروع القانون، ظهرت صور للمنتج الموسيقي الأسود ميشيل زكلر وهو يتعرض للضرب على يد أربعة رجال شرطة وهو في ستوديو عمله بباريس، في عمل وصفه الناشطون بأنه آخر مثال على الوحشية المستشرية داخل قوى الأمن الفرنسية.

ويجرم القانون الجديد أي شخص يلتقط صورا للشرطة. ودعا أكايميون وناشطون وخبراء بالأمم المتحدة الحكومة الفرنسية إلى مراجعة قرارها الذي سيترك تداعيات على الحق في الحياة الخاصة والحق بالتظاهر السلمي وحرية التعبير.

ويثير القانون الآخر المتعلق بـ”مبادئ الجمهورية” جدلا وقلقا واسعا، ومن ذلك أن أي شخص يتم الكشف عن تعاطفه أو تبريره للإرهاب، وهي جريمة تفكير أدت إلى اعتقال أطفال لم يتجاوز سنهم العاشرة من العمر، فسيضاف إلى قائمة مراقبة الإرهاب.

وفي شهر واحد تم فتح 270 حالة من هذا النوع. ومنذ مقتل باتي حددت الحكومة 400 خرق لإحياء ذكرى المدرس القتيل منها 150 اعتبرتها الحكومة اعتذارا عن الإرهاب، 50 بالمئة منها حدثت في المدارس.

وأمر وزير الداخلية بالتحقيق في 76 مسجدا متهمة بالانعزالية وتواجه خطر الإغلاق في بلد تعتبر فيه أماكن العبادة محدودة ولا يوجد سوى 2,623 مصلى ومسجدا وقاعة متاحة لـ5.7 مليون مسلم.

وأغلقت السلطات 73 مسجدا على الأقل منذ كانون الثاني/ يناير الماضي بتهمة التطرف. لكن منظمة أمنستي أكدت أن التشدد عادة ما استخدم لوصف “المسلم الملتزم”.

ويشتمل القانون الجديد على بنود تقيد عمل منظمات العمل المدني والقيادة التي سيطلب منها التوافق مع “ميثاق الجمهورية”، وهو قسم ولاء للجمهورية جديد يفرض على المجتمع الذي يشك بولائه.

وتشمل الخطوط الحمر التي وضعتها الدولة على المسلمين “الإسلام السياسي” والتمويل الأجنبي والذي قدم من الناحية التاريخية وبموافقة من الدولة الفرنسية الدعم لمؤسساتهم الدينية والتعليمية.

وسيتم تدريب الأئمة من قبل مؤسسة حكومية تتوافق مع اللائكية. وبهذا فإن الفضاء الذي نطلق عليه الحرية والذي تقوم فيه منظمات المجتمع المدني أو الدينية بتنظيم نفسها بناء على مثلها وبطريقة لا تخرق القوانين بدأ يضيق.

وهذا يطبق بشكل محدد على المسلمين. ففي الأسابيع الماضية حلت الحكومة عددا من المنظمات إحداها أكبر جمعية لمكافحة معاداة الإسلام في فرنسا بحجة دعمها للتطرف. وهو قرار شجبته منظمة أمنستي التي طالبت الحكومة بالتراجع عنه، وقالت: “تعبر أمنستي إنترناشونال عن قلقها العميق من الرسالة التي ترسلها إلى المنظمات غير الحكومية والقتال ضد التمييز في فرنسا”.

وترى الكاتبة أن القوانين المقترحة والإجراءات المتعددة بذريعة الإرهاب تسهم في تراجع الحريات في فرنسا: حرية التعبير والتجمع والتفكير. وبقيامها بالحد من مساحة المعارضة والتفكير باسم الحفاظ على مبادئ الجمهورية تقوم فرنسا بخيانة نفسها.

وقال وزير العدل الفرنسي إريك دوبون مورتي إن “الكثير من الناس يستخدمون قانون 1881 الذي يحمي حرية التعبير للتعبير عن مواقف تتعارض مع قيم الجمهورية”. ولو كانت حرية التعبير تعني شيئا فهي الحرية للتعبير عن مواقف متضادة مع الدولة، بما فيها احتكار قيم الجمهورية.

ووصف وزير التعليم الفرنسي جين ميشل بلانكير الأكاديميين الناقدين لمدخل الحكومة بالإسلامو-يساريين و”المتواطئين فكريا مع الإرهاب واستيراد أيديولوجيات عنصرية محلية وضد الاستعمار” والتي زعم أنها مسؤولة عن “تكييف العنف المتطرف” على حد وصفه.

وتقول الكاتبة إن ماكرون الذي يقدم نفسه كمدافع عن حمى مبادئ الجمهورية متهم بتقويض أهم مبادئها بدءا من حرية الإعلام. ويلعب الرئيس الفرنسي لعبة خطيرة ومزدوجة من خلال التلاعب بالخلافات اللغوية والثقافية للتقليل من مظاهر القلق التي عبر عنها مواطنوه في الإعلام العالمي، وذهب بعيدا لاتهام صحف مثل “نيويورك تايمز” بـ”شرعنة العنف” لأنها نشرت مقالات لم يرض عنها.

وسحبت صحيفة “فايننشال تايمز” مقالا وأبدلت به آخر كتبه الرئيس نفسه، وهو ما اعتبر استجابة لضغوط فرنسية على الإعلام. وتابعت منظمة مراسلون بلا حدود أشكالا مثيرة للقلق من الضغوط القانونية على الصحفيين الاستقصائيين واستقلالية المقالات الافتتاحية في الصحف.

وهناك عدة طرق لتكميم الصحافة من خلال جعل الحقيقة عصية. وبعد أيام من مقتل باتي ألغت وزيرة الشباب اجتماعا مقررا مع الطلاب لمناقشة الدين لأنها لم ترتح للحديث عن التحيز والإسلاموفوبيا.

وكلنا يعرف، بحسب الكاتبة، أن حرية التعبير ليست مطلقة، وبالتأكيد ينطبق ذلك على فرنسا حيث تنظم القوانين خطاب الكراهية، لكن الشباب ليسوا سذجا، لأنهم قادرون على اكتشاف نفاق الساسة الذين يحاضرون عليهم بشأن حرية التعبير وتقبل صور كاريكاتيرية غير مريحة ولكنهم لا يستمعون إليهم عندما يريدون الحديث عن التمييز.

ولا يمكن قياس حرية التعبير من خلال منبر الإليزيه ولكن عبر إسكات من يقاومون سردية الحكومة التي يحملونها مشاكل فرنسا الكثيرة.

وبشكل عام يمكن قياس حرية التعبير في بلد من خلال الهوامش. ومن هنا فمنظور الإرهاب هو حيلة مفيدة لتجاهل الإجراءات العقابية التي تواجه مسلمي فرنسا. ومن الوهم إقناع النفس بأن فقدانهم حرية التعبير لا يعني خسارة الجميع هذه الحرية.

وسيحاول الإرهابيون، من جانب آخر، تكبير نطاقهم المحدود، وتحويل الهجمات بالسكاكين إلى عمل حربي دولي معترف به.

ولكن، ومنذ عام 2012 مات 260 شخصا بسبب الهجمات الإرهابية مقارنة مع 3,000 شخص يموتون سنويا في حوادث طرق و300 شخص يموتون يوميا بسبب كوفيد-19، فهل منظور الإرهاب يبرر تقويض المبادئ الديمقراطية التي قاتل ومات من أجلها الناس؟

يمكننا النظر إلى الهجوم الإرهابي على أنه هجوم على قيمنا وقد نرفض هذا الكلام، لأن قيمنا ليست مهددة بهذه الهجمات بل بطريقة ردنا عليها، ولذلك فقد حان الوقت لأن يتمسك قادتنا بمثل الجمهورية التي يزعمون أنهم يمثلونها.



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020