شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

مابين الميغ والإف 16 – حمزة العبد لله

مابين الميغ والإف 16 – حمزة العبد لله
  أتردد كثيراً عندما أكتب في أمور شائكة، وفي مواضيع قد تفهم على أكثر من وجهة، وتُحمل على حمالات أوجه، ولكن لا بد...

 

أتردد كثيراً عندما أكتب في أمور شائكة، وفي مواضيع قد تفهم على أكثر من وجهة، وتُحمل على حمالات أوجه، ولكن لا بد منها لترسيخ مفهوم، وبيان وجهة نظر، واستنهاض لمواقف متوارية أو خجلى.

تابعت كغيري من أبناء سورية العدوان الإسرائيلي الهمجي على قطاع غزة بكل ألم واستنكار لما حدث، وشغلنا ما حدث لبعض الوقت عما يحدث في وطننا الجريح النازف منذ زهاء عامين، وشغل الأمر كذلك من هم تحت قصف طائرات الميغ في سورية فخرجوا يهتفون لغزة، وينادون بوحدة المصير معها، ولكنني عندما أمعنت النظر في متابعة الوضع آلمني أكثر مدى التفاعل الدولي والعربي والشعبي الذي ظهر مع العدوان على غزة، والذي افتقدناه ولا زلنا في ثورتنا السورية.

ليس هنا مقام مقارنة أو مقاربة أو حتى مزاودة، فالدماء السورية ليست بأغلى علينا من دماء أبناء فلسطين، وليست أرض سورية  بأغلى علينا من أرض غزة، ولكنها خواطر من رحم ألم المعاناة.

وهل هناك فرق بين الميغ والإف 16 إذ تقتل الإنسان وتغتال الحياة!! وهل هناك فرق بين غزة ودمشق إذا ما استهدف فيها الآمنين وهدمت فيها البيوت والمساجد!!!؟ وهل هناك فرق بين الدماء هنا والدماء هناك!!!؟

ما إن حدث الاعتداء على غزة حتى استنفرت الشعوب العربية وبدأت بالتجهيز للمسيرات والمظاهرات المنددة، واتخذت مصر إجراءاً سياسياً بسحب التمثيل الدبلوماسي لها في إسرائيل واستدعاء السفير الإسرائيلي لديها، وهو الأمر الذي طالت المطالبة فيه بالنسبة لسورية ولم يتم حتى اللحظة، إضافة إلى الزيارات وقوافل المساعدات المستعجلة التي دخلت غزة خلال الساعات التي تلت عملية الاغتيال العدوانية.

الثورة السورية التي امتدت منذ ما يقارب السنتين وحتى اليوم، ولا زال فيها الشعب السوري يذود عن كرامته ويحارب عن وجوده وكينونته، وتتكرر فيها بشكل يومي ولحظي جرائم لم تعهدها الإنسانية ولا التاريخ، تفتقر بشكل عميق لتحركات شعبية حقيقية لمناصرتها وتأييدها عربياً وإسلامياً؛ بل وتفتقر إلى تحركات سياسية عربية وإسلامية جادة وصادقة؛ بالرغم من تجاوز شهدائها الموثقين خمسون ألف شهيد، في حين يتحدث الأهالي أن الأعداد فاقت مائة ألف شهيد.

في كل يوم سوري؛ تمر مئات الأخبار المفجعة على أشرطة الأخبار في القنوات، وفي الأخبار العاجلة، حتى اعتاد المشاهد العربي على أعداد الشهداء في سوريا يتابعها كما يتابع بورصة الأسهم مع فنجان القهوة الصباحي، أو في سهلاة مسائية مع رفاقه أو أهله،  دون أن يتململ أو يتأثر أو يمتعض وجهه لانتهاك حرمات الإنسانية في بلد لا تفصله عنه سوى المسافة، ويشترك معه في الدين والتاريخ والجغرافيا والحضارة واللغة.

أنتقد في “جداري الفيسبوكي” المتقاعسين عن نصرة الثورة السورية حتى هذا اليوم؛ الذين لم تحركهم المدن السورية المنكوبة، والبيوت والمساجد والكنائس التي تدك بقذائف طائرات “الميغ” وبراميل التي ان تي، ولم تحركهم أشلاء الأطفال المتناثرة، وبقايا الأعراض المنتهكة، ولم تحركهم مئات الألوف من المهجرين الذين باتوا بينهم أو في دول مجاورة، بينما حادثة اغتيال واحدة في غزة تلهب الحميّة فيهم، وتوقد معاني الرجولة والشهامة والتضامن، فتتغير صور ملفاتهم الشخصية على فيسبوك وتويتر، ويبدأون بالتحرك لعمل ما يمكن عمله لغزة، ويطأون أرض الشارع لأول مرة منذ آخر مرة تظاهروا فيها لأجل قضية مشابهة، وكأن دماء البشر ليست سواء، وحريات الشعوب وكرامتها توزن كل منها في ميزان وضمن مقاييس مختلفة.

أتفاجأ بردود على بريدي الخاص وعلى الجدار الفيسبوكي تنتقدني لذلك الموقف وتلك الانتقادات، وأرى فيها أقل ما يمكن عمله في سبيل محاولة استنهاض ضمائر وقلوب في طور المنازعة، كالمريض يُؤتى به إلى الطوارئ وقد أصابته سكتة قلبية فيقوم الطبيب بصعقه صعقة كهربائية فيفيق منها ويعاود الحياة أو تكون هي إيذان الموت المحتم.

إن إزدواجية التعامل مع القضايا المصيرية للشعوب كحالة التفاعل المتباينة مابين التعاطي الشعبي والرسمي العربي مع الاعتداء على غزة، والتعاطي مع الثورة السورية تعكس اضطراباً في الموازين التي تتحرك بها الشعوب، وتعكس خللاً وهوة كبيرة بين الواقع والعقل الجمعي العربي الذي بات معطلاً ومسلوب المبادرة فيما يخص الثورة السورية.

إن التقاعس عن نصرة الثورة السورية سيولد كثيراً من السخط الدفين مما قد يؤثر مستقبلاً على مواقف مشابهة من الشعب السوري إذا ما انتفضت إحدى جاراتها أو من جاورها.



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020