شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

أسامة جاويش: العناية المركزة بلا أكسجين

” كله مات”.. جملة مؤلمة للغاية، قالها شاهد عيان داخل غرفة العناية المركزة بمستشفى عزل حالات كورونا في مركز الحسينية في محافظة الشرقية، وهو يوثق بكاميرا هاتفه مشاهد مروعة لحالات وفاة لعدد من المرضى المصابين بكورونا داخل غرفة العناية المركزة بعد انقطاع الأكسجين عنهم.

سألني أحد المتابعين على تويتر قائلا: “انقطاع الأكسجين في العناية المركزة! هل تمزح معي”؟ أخبرته أنها حقيقة وواقع في مصر يا عزيزي، نعم الآن في مصر يموت المرضى المصابون بفيروس كورونا نتيجة انقطاع الأكسجين عنهم وليس بسبب أعراض هذا الفيروس، والسبب ببساطة يتلخص في ثلاث كلمات “الإهمال، الفساد، الفشل”. ويتحمل المسئولية كاملة النظام الحالي برئاسة عبد الفتاح السيسي ومن ورائه وزيرة الصحة هالة زايد التي أثبتت مع مرور الأيام انها لا تصلح إلا لترديد تعليمات السيسي دون فعالية حقيقية في مواجهة هذا الوباء أو حماية المصريين، أو حتى توفير الحد الأدنى للفريق الطبي من تجهيزات لمواجهة كورونا.

تخيّل معي.. مواطن مصري جعله حظه السيئ مريضا بكورونا، استدعت حالته أن يتم نقله للعناية المركزة لوضعه على أجهزة تنفس صناعي بعد أن وصل الفيروس إلى رئتيه وباتت حياته في خطر، فجأة ودون سابق إنذار يشعر هذا المريض بالاختناق ويحاول أن يصرخ على طريقة جورج فلويد المواطن الأمريكي من أصول أفريقية قبل قتله: “أنا لا أستطيع التنفس”، ولم يتمكن أحد من سماعه او مساعدته.. كيف كانت لحظاته الأخيرة؟ وبماذا شعر وهو يحاول استراق نفس واحد في الهواء أو دفعة واحدة من الأكسجين تبقيه على قيد الحياة؟ يا إلهي، لقد شعرت بالاختناق الآن وانا أتخيل هذه اللحظات العصيبة والأخيرة في حياة هؤلاء.

تلك المشاهد في الفيديو الذي تم تداوله على نطاق واسع من داخل غرفة العناية المركزة، أظهرت لنا أكثر من خمس حالات ماتت بالفعل بعد توقف الأكسجين عنها، ولكنها أظهرت لنا مشهدا آخر عكس حالة العجز والقهر وقلة الحيلة والألم الشديد التي يعاني منها أعضاء الفريق الطبي في مصر منذ بداية كورونا.. ممرضة أو طبيبة تجلس في زاوية غرفة العناية المركزة على الأرض، وتبدو في حالة انهيار وخوف شديد بعد فشلها في إنقاذ أي حالة أمامها من الموت.

مهمة الفريق الطبي صعبة بشكل عام ولكنها ازدادت صعوبة مع قدوم هذا الوباء. كطبيب سابق أعلم تماما شعور الحزن إذا ما توفي شخص داخل المستشفى ولم نستطع إنقاذه، الألم الشديد، والمسئولية الكبيرة في إبلاغ أهله وأحبائه بالخبر ومواساتهم.. كلها أعباء ثقيلة تقع على عاتق الفريق الطبي، ولكن الألم يكون أكبر عندما يشعر الفريق الطبي أنه عاجز وأن سببا آخر خارجا عن إرادته قد أفضى إلى موت هؤلاء.

لن تنسى تلك الممرضة أو الطبيبة هذه المشاهد طيلة حياتها، ومن المؤكد أنها ستحتاج إلى دعم نفسي لتجاوز هذه الأزمة الكبيرة، ولكن من الذي وضعها في هذا المكان دون أدوات أو إمكانات حقيقية لمواجهة هذا الوباء؟ الإجابة باختصار أن النظام الحالي بقيادة السيسي لم يعبأ كثيرا منذ اللحظة الأولى بمطالبات الأطباء بتطوير المنظومة الصحية وتوفير غرف عناية مركزة أكثر وتجهيزات أكبر، فالنظام بادر بإرسال مساعدات طبية إلى إيطاليا والصين وبريطانيا ولم يساعد الأطباء في مصر في مواجهة كورونا، بل بادر باعتقال ثمانية منهم لمجرد أنهم اشتكوا من ضعف التجهيزات.

يفترض أن جميع المستشفيات مجهزة بما يسمى شبكة الغازات لتوفير الأكسجين إلى غرف العناية المركزة بشكل يضمن عدم انقطاعه عن المرضى، وهناك أيضا أنابيب الأكسجين المركزية التي يتم تشغيلها في حالة انخفاض نسبة الاكسجين داخل شبكة الغازات في أي مستشفى، وهناك أسطوانة صغيرة احتياطية يفترض أن تكون بجوار كل سرير داخل العناية المركزة تكفي لمدة عشر دقائق في حالة حدوث خلل في شبكة الغازات المركزية في المستشفى، ولكن يبدو أن كل هذا لم يتم العمل به وغير موجود بشكل كبير في مصر، فقد تكررت حادثة وفاة مرضى بسبب انقطاع الأكسجين مرتين في أقل من ثمانية وأربعين ساعة وبنفس الطريقة.

السيسي يبني قصورا رئاسية، وينفق ما يقارب ثلاثة مليارات جنيه كتأمين لطائرته الرئاسية، ويسمح باحتفالات في رأس السنة وينفق الملايين على الألعاب النارية، ويقترض مليارات الجنيهات منذ بداية هذا الوباء ولا يعلم أحد عنها شيئا. ولو أنفق السيسي ونظامه جزءا بسيطا من تلك القروض على تجهيز المستشفيات وتوفير اللازم للفريق الطبي، لما توقف الأكسجين داخل غرف العناية المركزة في مصر.

 

عربي 21



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020