شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

«فايننشال تايمز»: غضب الفلسطينيين حطم أوهام نتنياهو

قالت صحيفة فايننشال تايمز، إن أوهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي تفاخرت بأنها حشرت الفلسطينيين بالزاوية عبر حفلات التطبيع التي أجراها مع بعض العرب، تحطمت أمام غضب الفلسطينيين، بعد محاولة الاقتراب من ثالث أقدس مكان لدى المسلمين، وهو المسجد الأقصى.

وقالت الصحيفة في مقال لمجموعة كتّاب ترجمته «عربي21»، إن «إسرائيل» غدت في قتال مع ثورة فلسطينية على 3 جبهات، في إحداها تطلق آلاف الصواريخ، واشتباكات عنيفة في الداخل مع الفلسطينيين حملة الجنسية الإسرائيلية، والثالثة مع آلاف المحتجين المشتبكين مع الجنود في الضفة الغربية.

وفيما يلي النص الكامل للمقال:

بالكاد قبل أسبوعين فقط، كانت قلة قليلة من الإسرائيليين تتساءل عما توج به بنيامين نتنياهو إنجازاته خلال حياته السياسية على مدى ثلاثة عقود: إنها قدرة رئيس الوزراء على إبقاء الفلسطينيين محشورين في الزاوية بينما مضى يعزز أفضل علاقات «إسرائيل» مع جيرانها العرب منذ قيام الدولة قبل ثلاثة وسبعين عاما.

من خلال تركيزه الشديد على إيران، توصل نتنياهو في العام الماضي إلى إبرام اتفاق سلام تاريخي مع الإمارات العربية المتحدة، الدولة الخليجية المتنفذة، مع وجود مؤشرات على تحرك نحو إقامة علاقات أكثر انفتاحا مع الجائزة الكبرى، المملكة العربية السعودية.

كان الإسرائيليون ينعمون في ديارهم بالرخاء والأمن، كما قال نتنياهو للناخبين، وغدوا مرحبا بهم بين جيرانهم الذين كانوا ذات يوم خصوما.

إلا أنه لم يضع في الحسبان مصطفى جابر وآلاف الشباب الفلسطينيين داخل القدس الشرقية المحتلة، بوتقة صراع «إسرائيل» مع الفلسطينيين. كان مصطفى جابر، الموسيقي الثرثار من الحي الإسلام في البلدة القديمة، منخرطا في مواجهة مع الشرطة الإسرائيلية داخل مجمع ثالث أقدس مكان في الإسلام، المسجد الأقصى.

كان ذلك في شهر رمضان المبارك، وكان اليمين المتطرف في إسرائيل، بتشجيع من حلفاء نتنياهو، غاية في العدوانية، ويكرر التوعد بطرد العرب من القدس الشرقية وفرض السيادة الإسرائيلية على المجمع الذي يقع داخله المسجد، وهو موقع يقدسه اليهود ويسمونه «جبل الهيكل».

على مدى ثلاث ليال متتابعة، كان مصطفى جابر ينام داخل المجمع، يلتقط الحجارة ويبني الحواجز. كان في الصباح يقارع شرطة الشغب التي سعت لإخراجه والمئات من أصدقائه من المكان. في حمى قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع وتحت وطأة ضربات الشرطة، يقول مصطفى جابر إنه وجد أخيرا هدفا لحياته التي كانت حتى ذلك الوقت بلا غاية. «إنه حماية المسجد الأقصى من الاحتلال» كما قال وعيناه المدمعتان على شرفة خطيبته اليهودية. في تلك الأثناء يرقد شقيقه التوأم في المستشفى على أثر إصابته برصاصة مطاطية.

بينما انطلقت نداءات النفير لحماية الأقصى، أحد أكثر المواقع إثارة ورمزية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وتردد صداها في كل أرجاء الأرض التي تسيطر عليها «إسرائيل»، تحطمت أوهام نتنياهو بأن بإمكان البلد أن يعيش في سلام دون أن يحل الصراع الفلسطيني.

فجأة غدت «إسرائيل» في قتال مع ثورة فلسطينية تشتعل على ثلاث جبهات: حماس، المجموعة المسلحة التي تسيطر على غزة والتي كانت تطلق آلاف الصواريخ على المدن والبلدات الإسرائيلية، والاشتباكات التي نشبت داخل المجتمع الإسرائيلي بين الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية وجيرانهم اليهود، ثم الضفة الغربية المحتلة، حيث اشتبك آلاف المحتجين مع الجنود الإسرائيليين.

أخذت إسرائيل على حين غرة وفوجئت بضراوة الغضب الفلسطيني. فحتى أواخر شهر إبريل، كانت جل المؤسسة العسكرية والدبلوماسية تركز على إيران، وخاصة بعد أن تعهد الرئيس الأميركي جو بايدن بالعودة إلى اتفاق النووي الذي أبرمته القوى العالمية مع طهران في عام 2015.

لأربعة أعوام خلال رئاسة دونالد ترامب نعم نتنياهو بدعم إدارة لا تعرف الخجل في تأييدها لـ«إسرائيل» حتى أنها عزلت الفلسطينيين بينما انتهجت سياسات تجاه إيران كانت الأكثر عدوانية منذ عقود.

كانت الضفة الغربية طوال ذلك الوقت هادئة، بينما أدى النزاع الفصائلي الداخلي والخمول إلى تبلد القيادة الفلسطينية التي بدت عاجزة تماما إزاء تأييد ترامب ضمنيا لتهديدات نتنياهو بضم مساحات كبيرة من الأراضي المحتلة. جرت آخر انتخابات فلسطينية في عام 2006، وقام محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية الذي يبلغ من العمر خمسة وثمانين عاما، بتأجيل الانتخابات التي كان مقررا لها أن تجري هذا الشهر.

يقول مصطفى البرغوثي، العضو المتنفذ في منظمة التحرير الفلسطينية: «ظنت إسرائيل أن بإمكانها أسرلة الفلسطينيين في الداخل وتدجين الفلسطينيين في الضفة الغربية تحت الاحتلال، وظنوا أن بإمكانهم فصل غزة إلى الأبد. إلا أنهم أخفقوا في الثلاثة أمور، والآن أضحى الفلسطينيون في كل مكان مجمعين على هدف واحد – إنهاء الأبارتايد الإسرائيلي، وهو تطور غير مسبوق منذ عام 1948».

بعد أحد عشر يوما من العنف، تبددت أي آمال إسرائيلية بأنه من الممكن احتواء القضية الفلسطينية وراء الجدران والحواجز بينما تستمر «إسرائيل» في توسيع المستوطنات – والتي يعتبرها معظم العالم غير شرعية – في الضفة الغربية وتستمر في عزل غزة التي تعاني من الفقر والحرمان تحت وطأة الحصار.

يقول إيميل حكيم، الخبير في شؤون الشرق الأوسط لدى المعهد الدولي للدراسات الأمنية: «يجب حل القضية الفلسطيني عن جدارة، ولكن أيضا لأن ثمة مرحل استراتيجي وسياسي. فلو حصل الفلسطينيون على دولتهم وعلى حقوقهم، فإنك أيضا ستمنع الأكسجين عن بعض أكثر القضايا تفجرا في المنطقة. ولكن إسرائيل ترفض هذه الرؤية. ومن الخطأ التظاهر بأن إيران هي الهم الاستراتيجي الوحيد بقدر ما هو خطأ القول إن هذا الصراع يثبت أن إيران مسألة ثانوية».

نصر مراوغ

مع دخول وقف إطلاق النار مع حماس حيز التنفيذ منذ الجمعة، تُرك الجيش الإسرائيلي ليعيد النظر فيما صدر عنه هو من تقديرات تفيد بأنه نجح في ردع المسلحين بما يحول دون عودتهم ثانية إلى إطلاق الصواريخ على إسرائيل. فعلى مدى سبع سنين اعتمد على سياسة أطلق عليها عبارة «قص العشب» تمثلت في توجيه رسائل تحذير إلى المجموعة المسلحة عبر ضربات جوية استراتيجية محدودة كلما لاحت في الأفق أجواء التصعيد.

إلا أن حماس، التي استغلت انعدام شعبية عباس وضعف السلطة لكي توسع من دعم الجماهير لها، أثبتت تارة أخرى أنها على استعداد لمواجهة واحد من أفضل جيوش العالم تسليحا، وذلك عندما اندلعت أشد جولات القتال ضراوة منذ عام 2014.

ذاق الفلسطينيون في غزة القوة المرعبة لسلاح الجو الإسرائيلي. أطاحت القنابل بمباني متعددة الطوابق، واستهدفت الصواريخ ما وصفه الجيش بأنه شبكة من الأنفاق التي أقيمت تحت الشوارع والبيوت، فدمر ما تبقى من بنية تحتية بالية أنهكها حصار استمر لأكثر من عقد وثلاث حروب.

قتل أكثر من 240 فلسطينيا من بينهم ما يزيد عن 100 امرأة وطفل، وذلك بحسب البيانات الصادرة عن مسؤولي وزارة الصحة. قتل 42 من هؤلاء في ضربة واحدة عندما انهارت ثلاث بنايات. قالت إسرائيل إن قتلهم لم يكن مقصودا، وأن البنايات السكنية انهارت بسبب تضعضع أساساتها تحت وطأة ضربات جوية استهدفت الأنفاق.

إلا أنه ثبت أن النصر مراوغ كما كان عليه الحال في الحروب السابقة. فلم تتمكن «إسرائيل» من منع حماس من إطلاق ما يزيد عن 4000 صاروخ مصنع محليا باتجاه عمق الدولة اليهودية. أغلق مبنى الكنيست لبرهة قصيرة، وتم تحويل رحلات الطيران إلى مطار بعيد عن متناول حماس، وخلت شوارع تل أبيب، العاصمة المالية، من الناس لأيام، ولقي 12 إسرائيليا حتفهم، بما في ذلك طفلان، بسبب نيران صواريخ حماس.

يقول إيهود أولمرت، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق الذي كان قد أرسل القوات البرية إلى غزة في عام 2009: «كيف تقيس النجاح أو الفشل؟ فمن جهة لديك أقوى إمبراطورية عسكرية في المنطقة قاطبة وفي المقابل لديك منظمة إرهابية لا يوجد لديها سوى شيء واحد – الصواريخ، وصواريخ بدائية جدا. ومع ذلك نجحت حماس حقيقة في بث الرعب في أوصال البلد بأسره – كنا نقبع في منتصف الليل داخل الملاجئ في تل أبيب».

بالنسبة لحماس، قد يكون القصف الإسرائيلي الشديد سببا في انتكاسة تكتيكية «تعبوية»، فقد تم تدمير جل شبكة الأنفاق، التي يطلق عليها اسم «ميترو غزة» والتي صممت من أجل نقل المقاتلين والأسلحة دون أن ينكشف أمرهم.

كما قتلت «إسرائيل» عددا من كبار القادة، إلا أنها فشلت في الوصول إلى أهم هدف مطلوب لديها، القائد العسكري لحماس محمد الضيف، والذي فقد زوجته واثنين من أطفاله وعينه ويده في ثمان محاولات اغتيال تعرض لها – ونجا من اثنتين أخريين هذا الأسبوع.

إلا أن «إسرائيل» ليس لديها خيار جيد في التعامل مع حماس، كما يقول دافيد ماكوفسكي، الخبير في العلاقات العربية الإسرائيلية في معهد واشنطن. ويضيف: «لم يرغب الإسرائيليون في التوغل إلى هناك لأنها مهمة دموية، كما لا يرغبون في فقد الكثير من عناصرهم ولا الاشتباك في قتال من بيت إلى بيت».

ويضيف بأن إسرائيل لربما تمكنت من تعزيز قدراتها الردعية إلى حين، ولكن الصراع سينشب مجددا في المستقبل. ويقول: «من المحتم أن يتكرر حدوث ذلك».

على الرغم من أنها محطمة ومدماة إلا أن حماس تدعي إنجاز نصر رمزي يتمثل في توجيه ضربة للدولة اليهودية، مما يعزز تباهيها بأنها رائدة النضال الفلسطيني في وقت تخمد فيه المزيد من الأصوات المعتدلة بفعل النزاعات الداخلية وأفعال «إسرائيل».

«ظننت أننا في أمان»

بعد توقف الحملة التي أطلقت عليها «إسرائيل» اسم «عملية حراس الجدران» فإنه سيتوجب على نتنياهو الآن الالتفات إلى المخاطر المحدقة داخل جدران «إسرائيل» نفسها. فقد أطلق نداء النفير «أنقذوا الأقصى» ظاهرة لم تشهدها الدولة اليهودية من قبل على هذا المستوى – اليهود والأقلية العربية ينقض منهم الجار على جاره.

في عنف مجتمعي عم تقريبا جميع مدن «إسرائيل» المختلطة، خرجت مجموعات غوغائية من اليهود والعرب إلى الشوارع في الليل يحرقون السيارات والمنازل ويعتدي بعضهم على بعض وفي بعض الحالات المتناثرة يعتدون على الأبرياء من المارة.

تقول كيرين إيشار، وهي أم يهودية تعيش في مدينة اللد المركز الذي انطلق منه العنف: «لا أدري ماذا أظن – الناس في بنايتنا حاولوا قتلنا». فقد أحرق رجال عرب حضانة أطفالها ومعبدا يهوديا. ومضت تقول: “كنا جيرانا طيبين، ولكن الآن، لم أعد أعرف – لم نكن نخاف منهم في الماضي. لطالما ظننت أننا في أمان.”

وجدت الشرطة مشقة في إعادة فرض النظام، حتى مع استدعاء المزيد من القوات ونشرها.

تدفق المستوطنون اليهود من أتباع التيار اليميني من الضفة الغربية وهم يحملون أسلحتهم، بينما هتافهم «الموت للعرب» يجري بثه مباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي. وراح العرب يطرقون على نوافذ السيارات في يافا والقدس الشرقية ويسألون من فيها «يهودي أم عربي؟».

في حوادث منفصلة لقي شخصان على الأقل حتفهما، أحدهما عربي والآخر يهودي. وأدخل العشرات إلى المستشفيات، وألقي القبض على المئات. قالت الشرطة الإسرائيلية إن ثمانية من كل عشرة اعتقلوا كانوا عربا، مع أنهم يشكلون خمس السكان، إحصائية ما من شك في أنها ستغذي الإحساس بالتمييز الذي طالما اشتكت منه الأقلية العربية.

كانت الشرارة التي تسببت في إشعال الغضب العربي الإسرائيلي هي المسجد الأقصى حيث كان مصطفى جابر، الموسيقي، وأصدقاؤه يقبعون لأيام. في اللحظة التي كانت فيها صور الإجراءات القمعية للشرطة ضد الفلسطينيين في القدس الشرقية تتدفق عبر الأخبار، كان عرب «إسرائيل» قد بدأوا شد الرحال إلى المسجد لقضاء أعظم ليلة في رمضان، ليلة القدر.

وما أن وصلت الحافلات التي تقلهم مشارف القدس حتى قابلتهم الشرطة بالحواجز والتفتيش قائلة إنها تبحث عن المحرضين. تمكن ما يقرب من تسعين ألفا من الوصول إلى المسجد، بعضهم مشيا على الأقدام عبر التلال الوعرة. أما الباقون فمكثوا يشتاطون غضبا.

تقول ديانا بطو، وهي فلسطينية من مواطني إسرائيل وكانت في الماضي قد عملت في محادثات السلام التي أخفقت: «إن السبب في اتساع رقعة الاحتجاجات هو المساس بالدين أثناء أقدس الشهور، والأهم من ذلك، في أقدس الأيام. ولهذا نرى هذه الاحتجاجات تنتشر سريعا، وحتى الآن – تماما كما حدث في عام 2000». كانت تلك هي السنة التي دخل فيها رئيس الوزراء السابق آرييل شارون بطريقة مستفزة إلى جبل الهيكل فكان ذلك بمثابة الشرارة التي أشعلت الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

ومع تصاعد التوتر، أطلقت حماس مجموعة من الصواريخ باتجاه القدس، فردت «إسرائيل» على ذلك بقوة. وبينما كانت إسرائيل تقصف غزة اندلع العنف المجتمعي في «إسرائيل» ونظم الفلسطينيون في الضفة الغربية أكبر احتجاجات لهم منذ سنين، حتى قال مسؤول أمني إسرائيلي هذا الأسبوع: «لا أحب أن أستخدم كلمة الانتفاضة، ولكننا نرى أشياء تشي بأن الأمور توشك أن تخرج عن السيطرة».

فقط بعد يومين، وبينما كان وقف إطلاق النار مع حماس قيد التفاوض، وتتوالى الضغوط على «إسرائيل» من قبل إدارة بايدن، سعى نتنياهو إلى العودة بالنقاش ثانية إلى إيران، حيث قال لوزير الخارجية الألماني هيكو مآس: «بينما نقاتل على عدة جبهات فإن المساند الحقيقي لكثير من هذا العدوان هي إيران».

إلا أن ذلك لا ينطلي على الفلسطينيين الذين يصرون على أنهم إنما يخوضون نضالهم هم، وأن النضال لن يتوقف حتى ينالوا حقوقهم وينتهي الاحتلال وتولد دولتهم.

تقول مريم البرغوثي، وهي ناشطة من الضفة الغربية: «إننا نستعيد صوتنا وروايتنا. قبل أن تتحدث عن أي حل دبلوماسي للصراع، عليك أن تتطرق إلى الأبارتايد، وإلى عنف الجيش، وإلى عنف المستوطنين، وإلى الحصار المفروض على غزة … قبل التطرق لكل هذه الأمور .. فأنت فقط تتكلم».



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020