شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

تحقيق صحيفة نيويورك تايمز حول برنامج التجسس الإسرائيلي «بيجاسوس»

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية تحقيقا تحدثت فيه عن المكاسب الدبلوماسية التي جنتها «إسرائيل» في جميع أنحاء العالم من برنامج التجسس «بيجاسوس» التابع لشركة «إن إس أو»، وهو البرنامج الذي اشترته الولايات المتحدة قبل أن تقرر حظره.

وقالت الصحيفة في التحقيق الذي ترجمته «عربي21» إن مكتب التحقيقات الفدرالي اشترى نسخة من برنامج «بيجاسوس»، أداة التجسس من مجموعة «إن إس أو»، التي وعدت بأنها تستطيع فعل ما لا يمكن لأي شركة خاصة ولا حتى جهاز استخبارات حكومي القيام به، حيث أكدت قدرتها على كسر الاتصالات المشفرة لأي هاتف ذكي يعمل بنظام «آي فون» أو «أندرويد».

منذ أن ظهر برنامج «بيجاسوس» في السوق العالمية سنة 2011، تم استخدامه لحل العديد من القضايا، مثل إحباط المؤامرات الإرهابية، ومكافحة الجريمة المنظمة، وتحديد عشرات المشتبه بهم في أكثر من 40 دولة.

ويبدو أن منتجات «إن إس أو» قادرة على حل واحدة من أكبر المشاكل التي تواجه وكالات إنفاذ القانون والاستخبارات في القرن الحادي والعشرين، وهي أن المجرمين والإرهابيين لديهم تقنية أفضل لتشفير اتصالاتهم والتي كان على المحققين فك تشفيرها.

لكن تم في الآن ذاته توثيق العديد من الانتهاكات المرتبطة باستخدام برنامج «بيجاسوس»، حيث استخدمته المكسيك ضد الصحفيين والمعارضين السياسيين، واستخدمته الإمارات العربية المتحدة لاختراق هاتف ناشط في مجال الحقوق المدنية وضعته الحكومة في السجن. كما استخدمته السعودية للتجسس على اتصالات الصحفي جمال خاشقجي.

لم تمنع هذه الانتهاكات العملاء الجدد من الاتصال بمجموعة «إن إس أو»، بما في ذلك الولايات المتحدة. وفي نفس السنة التي قُتل فيها خاشقجي، رتبت وكالة المخابرات المركزية ودفعت لحكومة جيبوتي لشراء برنامج «بيجاسوس» لمساعدتها في مكافحة الإرهاب، على الرغم من المخاوف بشأن انتهاكات حقوق الإنسان هناك. كما أجرت كل من وزارة الدفاع الأمريكية والمخابرات السرية والقيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا مناقشات مع مجموعة «إن إس أو» لاستخدام برنامجها.


بين التجسس والدبلوماسية

تم تصميم برنامج «بيجاسوس» بحيث لا يتمكن من اختراق الأرقام الأميركية. يسمح البرنامج بالاطلاع على كل البيانات المخزنة على الهاتف، كل بريد إلكتروني، كل صورة، كل سلسلة نصية، كل جهة اتصال شخصية. كما تمكن المراقبون أيضًا من رؤية موقع الهاتف والتحكم في الكاميرا والميكروفون. تم تخزين كل ذلك على الشاشات الكبيرة لأجهزة الكمبيوتر المتصلة ببرنامج «بيجاسوس».

خلال عرض تقديمي للمسؤولين في واشنطن، عرضت الشركة نظامًا جديدًا يسمى «فانتوم»، يمكنه اختراق أي رقم في الولايات المتحدة يقرر مكتب التحقيقات استهدافه، وقد منحت «إسرائيل» ترخيصًا خاصًا لشركة «إن إس أو»، تسمح من خلاله لنظام «فانتوم» بمهاجمة الأرقام الأميركية. ويسمح هذا الترخيص لجهة واحدة فقط بالتجسس على الأميركيين وهي وكالات إنفاذ القانون والتجسس الأميركية.

في نوفمبر، أعلنت الولايات المتحدة ما بدا أنه تغيير كامل في سياسة التعامل مع مجموعة «إن إس أو»، حيث أضافت وزارة التجارة الأميركية الشركة الإسرائيلية إلى «قائمة الكيانات المحظورة» لقيامها بأنشطة تتعارض مع مصالح الأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة، والتي تضمنت في السنوات الأخيرة العديد من شركات الأسلحة السيبرانية. لم يعد بإمكان مجموعة «إن إس أو» الحصول على الإمدادات الأساسية من الشركات الأميركية.

كان الأمر بمثابة توبيخ علني لشركة أصبحت رائدة في مجال الصناعات الدفاعية الإسرائيلية. ودون الوصول إلى التكنولوجيا الأميركية التي تحتاجها لتشغيل عملياتها، فإن نشاطها أصبح مهددا بشكل غير مسبوق. وقد سلمت الولايات المتحدة قرار الحظر إلى وزارة الدفاع الإسرائيلية قبل أقل من ساعة من إعلانه، وجاء رد السلطات الإسرائيلية كما لو أن الحظر كان هجومًا على الدولة نفسها. قال إيغال أونا، المدير العام لمديرية الإنترنت الوطنية الإسرائيلية: «الأشخاص الذين يصوبون سهامهم ضد مجموعة «إن إس أو»، هم في الواقع يستهدفون العلم الأزرق والأبيض الموجود خلفها»، في إشارة إلى العلم الإسرائيلي.

تمتلك إسرائيل، من خلال سياسة إصدار التراخيص الداخلية، الكلمة المطلقة بشأن الجهة التي يمكن لمجموعة «إن إس أو» أن تبيع لها برامجها للتجسس. سمح ذلك لإسرائيل بجعل المجموعة عنصرا محوريا في استراتيجيتها للأمن القومي لسنوات، وذلك بتوظيفها، مع الشركات المماثلة، لتعزيز مصالح الدولة في جميع أنحاء العالم.

يُظهر التحقيق الذي أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» على مدار عام، بما في ذلك عشرات المقابلات مع مسؤولين حكوميين، ومسؤولي وكالات الاستخبارات وإنفاذ القانون، وخبراء الأسلحة السيبرانية، ورجال الأعمال وناشطين في مجال حماية الخصوصية في عشرات البلدان، كيف أصبحت قدرة «إسرائيل» على الموافقة أو رفض الوصول إلى الأسلحة الإلكترونية الخاصة بالمجموعة متشابكة مع دبلوماسيتها.

كشفت تحقيقات «نيويورك تايمز» أيضًا عن الدور الخفي والحاسم لمبيعات برنامج «بيجاسوس» في تأمين دعم الدول العربية للحملة الإسرائيلية ضد إيران وفي التفاوض على اتفاقيات “أبراهام”.

تُظهر المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول «إن إس أو» كيف تنظر الحكومات إلى الأسلحة السيبرانية بالطريقة نفسها التي لطالما نظرت بها إلى المعدات العسكرية، ليس فقط على أنها سلاح مهم، ولكن أيضًا باعتبارها عملة لشراء النفوذ حول العالم.

غيرت الأسلحة الإلكترونية العلاقات الدولية بشكل أعمق من أي وقت آخر، منذ ظهور القنبلة الذرية. يمكنها أن تكون بطريقة ما، مزعزعة للاستقرار بشكل كبير، لكونها قليلة التكلفة نسبيًا، ويمكن توزيعها بسهولة ويمكن نشرها دون عواقب. إن التعامل مع انتشارها يغير بشكل جذري طبيعة العلاقات الدولية، وهو الأمر الذي اكتشفته إسرائيل منذ فترة طويلة، وبدأ بقية العالم الآن في فهمه.

عندما بدأت الأسلحة الإلكترونية تتفوق على الطائرات المقاتلة، ظهر نوع مختلف من صناعة الأسلحة في «إسرائيل». تدفق قدامى المحاربين في الوحدة 8200، على الشركات الناشئة السرية في القطاع الخاص، مما أدى إلى ظهور صناعة الأمن الإلكتروني بمليارات الدولارات. وكما هو الحال مع موردي الأسلحة التقليدية، يُطلب من صانعي الأسلحة الإلكترونية الحصول على تراخيص تصدير من وزارة الدفاع الإسرائيلية لبيع منتجاتهم في الخارج، مما يوفر فرصة مهمة للحكومة للتأثير على الشركات، وفي بعض الحالات، على الدول التي تشتري منها.

لم تكن أي من هذه الشركات ناجحة أو مفيدة من الناحية الاستراتيجية للحكومة الإسرائيلية، مثلما كانت مجموعة «إن إس أو».

من بين مؤسسي الشركات الناشئة، تميز شاليف هوليو الذي كان يتمتع بشخصية جذابة عن المبرمجين المخضرمين الآخرين. قام مع شريكه أومري لافي بتطوير منتج لتسويق الفيديو لكن المشروع فشل في ظل الركود العالمي سنة 2008. ثم شرعا بتحضير شركة أخرى، وهي «كوميني تايك»، التي منحت موظفي الدعم الفني للهواتف المحمولة القدرة على التحكم في أجهزة عملائهم بإذن منهم.

قُوبلت هذه الفكرة بقليل من الحماس، لذلك اتجه الشريكان إلى نوع جديد من العملاء. يقول هوليو في إحدى المقابلات: «اكتشفت وكالة استخبارات أوروبية ابتكارنا واتصلت بي». إثر ذلك، أظهر منتجهم القدرة على حل مشكلة أكبر بكثير من خدمة العملاء.

تمكنت وكالات إنفاذ القانون والاستخبارات لعدة سنوات من اعتراض وفهم الاتصالات العابرة، وهو ما أصبح صعبا مع توفر التشفير القوي على نطاق واسع. اكتشفت «كوميني تايك» بالفعل كيفية التحكم في الأجهزة وما يحتاجه الشركاء للقيام بذلك حتى دون الحصول على إذن.

يُعد جميع موظفي الشركة من خريجي دورات النخبة، بما في ذلك موظفو برنامج «الوحدة 8200» السري والمرموق المعروف بـ«أرام»، والذي لا يقبل سوى عدد قليل من أفضل المجندين ويدربهم على أكثر الأساليب تقدما في برمجة الأسلحة السيبرانية.

انتهى مهندسو «إن إس أو» سنة 2011 من برمجة أول نسخة من «بيجاسوس» بأداتها الجديدة القوية، لكن العديد من الدول، وخاصة الأوروبية، كانت حذرة من شراء منتجات استخبارات أجنبية.

كان هناك قلق خاص بشأن الشركات الإسرائيلية التي يعمل بها كبار مسؤولي الاستخبارات السابقين، إذ يخشى العملاء أن تكون برامج التجسس الخاصة بهم مصحوبة ببرامج تجسس أعمق، مما يسمح للموساد بالوصول إلى أنظمتهم الداخلية.

عين هوليو الميجور جنرال أفيغدور بن غال، أحد الناجين من المحرقة والضابط السابق، رئيسا لشركة «إن إس أو»، وأسس ما عُرف بالركائز الأربع الرئيسية للشركة: لن تقوم «إن إس أو» بتشغيل النظام ذاته، وسوف تبيع النظام للحكومات، وليس للأفراد أو الشركات، وستكون انتقائية بشأن الحكومات التي يمكنها استخدام البرنامج، وستتعاون مع وكالة مراقبة الصادرات الدفاعية الإسرائيلية لترخيص كل عملية بيع.

أكدت القرارات التي اتخذتها «إن إس أو» في وقت مبكر مدى ارتباطها وتحالفها الوثيق مع السياسة الخارجية الإسرائيلية. بدت السلطات راضية عن هذا التوجه، وأكدت وزارة الدفاع خضوع «إن إس أو» طواعية لإجراءات الرقابة.

شرح أحد المساعدين العسكريين السابقين لبنيامين نتنياهو، في ذلك الوقت، المزايا بشكل واضح قائلا: «إن قيام وزارة دفاع بضبط تحركات هذه الأنظمة من شأنه أن يساعدنا على استغلالها وجني المكاسب الدبلوماسية».


صفقة مع المكسيك

أبلغت وزارة الدفاع الإسرائيلية «إن إس أو» بعدم وجود مشكلة في بيع بيجاسوس إلى المكسيك، وتم عقد الصفقة. أصبح للمحققين القدرة على رؤية محتوى الرسائل ومواقع أجهزة بلاك بيري المختلفة. لا يوجد دليل مباشر على أن عقود المكسيك مع «إن إس أو» قد أحدثت تغييرا في السياسة الخارجية للبلاد تجاه إسرائيل، ولكن يمكن ملاحظة نوع من الارتباط بين الأمرين.

في 2017، أفاد باحثون في سيتيزن لاب، وهي مجموعة مراقبة مقرها جامعة تورنتو، أن السلطات المكسيكية استخدمت «بيجاسوس» لاختراق حسابات النشطاء المدافعين عن ضريبة الصودا، كجزء من حملة أوسع تستهدف نشطاء حقوق الإنسان وحركات المعارضة السياسية والصحفيين.

أدى التردد الأميركي في تبادل المعلومات الاستخبارية إلى خلق فرص أخرى لـ «إن إس أو» و«إسرائيل». في أغسطس 2009، وفقا لبرقية وزارة الخارجية التي نشرها موقع ويكيليكس، حاول رئيس بنما الجديد، ريكاردو مارتينيلي، الذي بدأ حملته الانتخابية الرئاسية بوعود بـ«القضاء على الفساد السياسي»، إقناع الدبلوماسيين الأمريكيين في البلاد بمنحه معدات مراقبة للتجسس على «التهديدات الأمنية والمعارضين السياسيين». رد نائب رئيس البعثة الأميركية قائلا إن الولايات المتحدة «لن تكون طرفا في أي جهد يرمي إلى توسيع عمليات التنصت على الأهداف السياسية المحلية».

تمكنت «إسرائيل» في غضون عامين من أن تقدم واحدة من أكثر الأدوات تطورا إلى حد الآن. بعد تثبيت أنظمة «إن إس أو» في مدينة بنما في عام 2012، صوتت حكومة مارتينيلي لصالح «إسرائيل» في مناسبات عديدة، بما في ذلك معارضة قرار الأمم المتحدة لرفع مستوى الوفد الفلسطيني.

استنادا إلى شهادة أدلى بها إسماعيل بيتي، المحلل في مجلس الأمن القومي في بنما، فقد اُستخدمت المعدات في حملة واسعة النطاق «لانتهاك خصوصية المواطنين البنميين وغيرهم من المعارضين السياسيين والقضاة وقادة النقابات والمنافسين التجاريين دون اتباع الإجراءات القانونية».

تعزيز نفوذ اليمين في أوروبا

من خلال سلسلة من الصفقات الجديدة، ساعد «بيجاسوس» في تعزيز نفوذ جيل صاعد من قادة اليمين في جميع أنحاء العالم. وقعت بولندا اتفاقية مع «إن إس أو» لشراء نظام «بيجاسوس» للمكتب المركزي لمكافحة الفساد. وذكرت سيتيزن لاب في ديسمبر 2021 أن هواتف ثلاثة أفراد من المعارضة البولندية تعرضت لهجوم بواسطة البرنامج الإسرائيلي. وعندما أصدرت الحكومة البولندية قوانين اعتبرها كثير من اليهود إنكارا للمحرقة، لم يأمر نتنياهو بقطع نظام «بيجاسوس».

كما رخصت وزارة الدفاع الإسرائيلية بيع برامج «بيجاسوس» إلى المجر، على الرغم من حملة رئيس الوزراء فيكتور أوربان لاضطهاد خصومه السياسيين. يُذكر أن أوربان استهدف شخصيات معارضة ونشطاء وصحفيين أجروا تحقيقات ضده، وعائلات شركاء سابقين أصبحوا منافسين له، باستخدم برامج التجسس، وكان أوربان الداعم المخلص لـ«إسرائيل» في الاتحاد الأوروبي.

سنة 2020، كانت المجر واحدة من الدول القليلة التي لم تتحدث علنًا ضد خطة «إسرائيل» في ذلك الوقت لضم مساحات من الضفة الغربية من جانب واحد. في شهر مايو من تلك السنة، حاول وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي التوصل إلى إجماع لوقف إطلاق النار بين «إسرائيل» وحركة حماس، وكذلك لزيادة المساعدات الإنسانية لغزة، وقد رفضت المجر ضم صوتها إلى 26 دولة أخرى.

بيجاسوس والدول العربية 

يمكن القول إن برنامج «بيجاسوس» عزز التحالف بين «إسرائيل» وجيرانها العرب. بعد أن قام الموساد بتسميم قيادي بارز في حركة حماس في أحد فنادق دبي في سنة 2010، أمر ولي العهد محمد بن زايد بقطع العلاقات مع «إسرائيل»، ولكن في سنة 2013، عرضت «إسرائيل» على محمد بن زايد فرصة شراء برنامج «بيجاسوس»، فوافق على الفور.

لم تتردد الحكومة الإماراتية في استخدام برنامج «بيجاسوس» ضد المعارضين. أعلن أحمد منصور، أحد النشطاء المعارضين للنظام، أن هاتفه تم اختراقه بواسطة «بيجاسوس». وقد تعرض منصور لسرقة سيارته واختُرق حساب بريده الإلكتروني، وخضع موقعه للرقابة، وجُرّد من جواز سفره، وتم اختلاس 140 ألف دولار من حسابه المصرفي، وطُرد من وظيفته، وتعرض للضرب على يد غرباء في الشارع عدة مرات.

تعززت العلاقات بين الإمارات و«إسرائيل» خلال السنوات اللاحقة، وبدأ يتشكّل تحالف جديد بين «إسرائيل» والدول السنية في الخليج العربي، حيث اعتبروا إسرائيل حليفا مهما ضد إيران.

يؤيد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان هذه السياسة بشكل كبير. يُذكر أن السلطات الإسرائيلية قررت سنة 2017 بيع برامج «بيجاسوس» للمملكة، وقد أشرفت مجموعة صغيرة من كبار المسؤولين الإسرائيليين المقربين من نتنياهو على تسهيل العملية مع السعوديين في خضم “إجراءات سرية مشددة”، وتم توقيع الصفقة سنة 2017 مقابل 55 مليون دولار.

قبل سنوات، شكلت مجموعة «إن إس أو» لجنة أخلاقيات تتألف من فريق من المسؤولين السابقين في السياسة الخارجية الأميركية الذين يقدمون المشورة بشأن العملاء المحتملين. بعد مقتل خاشقجي سنة 2018، طلب أعضاء اللجنة عقد اجتماع عاجل لمناقشة الأخبار المتداولة بشأن تورط مجموعة «إن إس أو» في عملية الاغتيال.

نفى هوليو بشكل قاطع استهداف خاشقجي بواسطة برامج «بيجاسوس»، وقال إن موظفيه اتبعوا ولم يجدوا ما يُوثق استخدام السعودية لأي منتج أو تقنية تابعة لمجموعة «إن إس أو» ضد خاشقجي.
مع ذلك، حثت اللجنة على إغلاق نظام «بيجاسوس» في المملكة العربية السعودية، فاستجابت الشركة لذلك. كما نصحت اللجنة مجموعة «إن إس أو» برفض طلب لاحق من الحكومة الإسرائيلية لإعادة تفعيل نظام التجسس في المملكة العربية السعودية.

في السنة الموالية، عكست المجموعة مسارها، حيث وافقت مطلع سنة 2019 على إعادة تشغيل نظام «بيجاسوس» في المملكة. كان إرضاء السعوديين أمرا مهما بالنسبة لنتنياهو، في خضم مبادرة دبلوماسية سرية يعتقد أنها ستعزز إرثه بتحقيق التقارب الرسمي بين إسرائيل والعديد من الدول العربية.

في سبتمبر 2020، وقّع نتنياهو ودونالد ترامب، ووزيرا خارجية الإمارات العربية المتحدة والبحرين على اتفاقيات إبراهام، وأعلن جميع الموقعين حقبة جديدة من السلام في المنطقة. بحلول الوقت الذي تم فيه الإعلان عن اتفاقيات أبراهام، كانت إسرائيل قد منحت تراخيص لبيع «بيجاسوس» لجميع الدول الموقّعة على الاتفاقيات.

انتهت لاحقا رخصة بيع البرنامج للسعودية، وتُرك الأمر لوزارة الدفاع الإسرائيلية لتقرر ما إذا كانت ستجددها أم لا، ولم تتمكن مجموعة «إن إس أو» من تزويد الرياض بالصيانة الروتينية للبرنامج دون ترخيص التصدير.

أجرى وليّ العهد السعودي مكالمة هاتفية عاجلة مباشرة مع نتنياهو، طالبًا تجديد الترخيص، وذلك بعد فشل العديد من المكالمات التي أجراها مساعدو ابن سلمان مع مجموعة «إن أس أو» والموساد ووزارة الدفاع الإسرائيلية.

سُمح لجزء مهم من الاتفاقية بالمضي قدمًا، وهو استخدام المجال الجوي السعودي، ولأول مرة على الإطلاق، من قبل الطائرات الإسرائيلية التي حلقت شرقًا في طريقها إلى الخليج العربي، وكانت هناك خشية من أن يغيّر السعوديون رأيهم بشأن استخدام مجالهم الجوي.

بعد المحادثة مع الأمير محمد بن سلمان، أمر مكتب نتنياهو وزارة الدفاع على الفور بإصلاح المشكلة، وفي تلك الليلة اتصل مسؤول في الوزارة بغرفة عمليات شركة «إن إس أو» لإعادة تشغيل الأنظمة السعودية، لكن مسؤول الامتثال في الشركة رفض الطلب دون ترخيص موقع. وعندما أُخبر أن الأوامر جاءت مباشرة من نتنياهو، وافق بعد وصول رسالة بريد إلكتروني من وزارة الدفاع، وعاد بيغاسوس في المملكة العربية السعودية للعمل مرة أخرى.

تطور الموقف الأميركي

في ديسمبر 2021، وبعد أسابيع فقط من وضع شركة «إن إس أو» على القائمة السوداء الأميركية، وصل مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض، جيك سوليفان، إلى «إسرائيل» لعقد اجتماعات مع المسؤولين الإسرائيليين للحديث حول إحدى أولويات السياسة الخارجية العليا لإدارة بايدن: الحصول على اتفاق نووي جديد مع إيران بعد ثلاث سنوات من انسحاب الرئيس ترامب من الصفقة الأصلية.

كانت الزيارة ذات وزن تاريخي؛ ففي سنة 2012، كان سوليفان من أوائل المسؤولين الأميركيين الذين تحدثوا مع المسؤولين الإيرانيين حول اتفاق نووي محتمل، وهي الاجتماعات التي اختار الرئيس أوباما إبقاءها سرية عن الإسرائيليين خوفًا من أنهم قد يحاولون إفساد المفاوضات، وكان المسؤولون الإسرائيليون غاضبين عندما اكتشفوا ذلك. والآن بعد سنوات، وصل سوليفان إلى القدس ليطرح الفكرة من أجل جبهة موحدة في الجولة التالية من المساعي للوصول إلى اتفاق جديد.

لكن كانت هناك مسألة أخرى أراد المسؤولون الإسرائيليون – بما في ذلك رئيس الوزراء ووزير الدفاع ووزير الخارجية – مناقشتها مع سوليفان: مستقبل «إن إس أو». ضغط الإسرائيليون على سوليفان بشأن قرار وضع الشركة في القائمة السوداء، كما حذروا من أنه إذا أفلست «إن إس أو» فقد تملأ روسيا والصين الفراغ من خلال بيع أدوات القرصنة الخاصة بهما إلى الدول التي لم تعد قادرة على الشراء من إسرائيل.

يقول أونا، الرئيس السابق للمديرية الإلكترونية الوطنية الإسرائيلية، إنه يعتقد أن التحرك ضد الشركات الإسرائيلية، هو جزء من خطة أكبر لتحييد تفوق إسرائيل في الأسلحة الإلكترونية، ويضيف: “علينا الاستعداد لمعركة الدفاع عن السمعة الجيدة التي كسبناها”.

يرفض مسؤولو إدارة بايدن الحديث عن وجود مؤامرة، قائلين إن القرار بشأن «إن إس أو» له علاقة بكبح جماح شركة خطيرة ولا علاقة له بعلاقة أمريكا بإسرائيل. كما يقولون إن هناك الكثير من الأمور على المحك في التحالف المستمر منذ عقود أكثر أهمية من مصير شركة قرصنة، وهو ما يؤكد عليه مارتن إنديك، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل. يقول إنديك: “كانت إن إس أو توفر الوسائل للدول للتجسس على شعوبها” مضيفًا: “من وجهة نظري، هذا واضح ومباشر. هذه المسألة لا تتعلق بأمن إسرائيل. إنه يتعلق بشيء خرج عن السيطرة”.

وبموجب الحظر، أصبح مستقبل «إن إس أو» موضع شك، ليس فقط بسبب اعتمادها على التكنولوجيا الأميركية، ولكن أيضًا لأن وجودها في القائمة السوداء الأمريكية من المحتمل أن يخيف العملاء المحتملين والموظفين.

يقول المسؤولون الإسرائيليون والمسؤولون التنفيذيون في هذه الصناعة إن هناك حاليًا عددا من الشركات الأمريكية، بعضها له علاقات وثيقة بوكالات الاستخبارات وإنفاذ القانون، المهتمة بشراء الشركة، وإذا حدث ذلك فمن المحتمل أن يجعل المالك الجديد الشركة متوافقة مع اللوائح الأمريكية ويبدأ في بيع منتجاتها إلى وكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي والوكالات الأمريكية الأخرى.

ويخشى المسؤولون الإسرائيليون الآن من الاستيلاء الاستراتيجي على «إن إس أو»، أي أن تتولى شركة أخرى – أو دولة – السيطرة على كيفية ومكان استخدام السلاح. وقال مسؤول إسرائيلي كبير: «لا يمكن لدولة إسرائيل أن تسمح بفقدان السيطرة على هذا النوع من الشركات».

ولم تمر رغبة حكومة الولايات المتحدة في الاستحواذ على أدوات القرصنة الهجومية دون أن يلاحظها المنافسون الأمريكيون المحتملون للشركة. في يناير 2021، قدمت شركة الأسلحة الإلكترونية «بولد إند» عرضًا إلى رايثون، عملاق الصناعة الدفاعية، لتطوير ترسانات خاصة من الأسلحة لمهاجمة الهواتف المحمولة والأجهزة الأخرى، لفائدة الوكالات الحكومية الأميركية.

وبالإضافة إلى مسألة من يتحكم في الأسلحة، فإن الخطر يكمن في المسؤولية عن الأضرار الناجمة عن استخدامها، ولطالما كان دفاع شركة «إن إس أو» هو أنها تبيع التكنولوجيا فقط للحكومات الأجنبية وليس لها دور – أو مسؤولية – في استهداف أفراد معينين.



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020