شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

الجارديان: مصر تستغل قمة المناخ لتنظيف سمعتها

قالت صحيفة «الجارديان» البريطانية إن النظام المصري يستخدم قضية البيئة من خلال قمة المناخ «كوب27» من أجل تنظيف سمعته السيئة، في ظل القمع الذي يمارسه ضد معارضيه، وحظره للبحث العلمي.

 ناعومي كلاين، سلطت فيها الضوء على سعي النظام المصري إلى تبييض صورته من خلال قمة المناخ التي تستضيفها مصر الشهر المقبل.

وقالت الكاتبة إن النظام المصري يستخدم قضية البيئة من خلال قمة المناخ “كوب27″؛ من أجل تنظيف السمعة السيئة لدولة بوليسية في ظل القمع الذي يمارسه ضد معارضيه.

وأشارت إلى أنه استباقاً لقمة المناخ، التي سوف تنعقد الشهر القادم، يقوم نظام السيسي في مصر باستعراض لوحات الطاقة الشمسية وشفاطات السوائل التي تتحلل بيولوجيا، ولكن في واقع الأمر يسجن النظام النشطاء، ويحظر البحث العلمي. يجدر بحركة المناخ ألا تنخرط في هذه اللعبة.

وجاء في المقال:

لا يعلم أحد ما الذي حصل لخطاب المناخ المفقود. كل ما هو معروف هو الآتي: كتب الخطاب علاء عبد التفاح، أحد أشهر السجناء السياسيين في مصر، بينما كان يخوض إضراباً عن الطعام في زنزانته في أحد سجون مصر الشهر الماضي. ولقد بين فيما بعد أن الخطاب كان “يتعلق بالاحتباس الحراري بسبب الأخبار الواردة من الباكستان.” فقد أقلقته الفيضانات التي شردت ما يقرب من ثلاثة وثلاثين ملون نسمة، وما تنبئ به هذه الفاجعة من صعوبات مناخية قد تحل بالمعمورة في المستقبل وما ستقابل به من ردود فعل هزيلة من قبل الحكومات حول العالم.

يعتبر علاء عبد الفتاح مفكراً وتكنولوجياً مبدعاً، ولقد ذاع صيته – وكذا هاشتاغ أفرجوا عن علاء – لارتباطه بأحداث ثورة 2011 المطالبة بالديمقراطية، والتي حولت ميدان التحرير في القاهرة إلى بحر متلاطم الأمواج من الشباب الذين تمكنوا من إنهاء حكم الدكتاتور المصري حسني مبارك والذي جثم على صدر مصر لما يقرب من ثلاثة عقود. قضى علاء عبد الفتاح جل سنوات العقد المنصرم في السجن، ولم يزل يسمح له ببعث وتلقي الرسائل مرة في الأسبوع الواحد. وتم في وقت مبكر من هذا العام نشر مجموعة من كتاباته داخل السجن في كتاب قوبل بالحفاوة على نطاق واسع تحت عنوان “لم تهزموا بعد”.

تنتظر عائلة علاء عبد الفتاح وأصدقاؤه هذه الرسائل الأسبوعية بفارغ الصبر، وبشكل خاص منذ الثاني من إبريل / نيسان عندما بدأ إضرابه عن الطعام. كان في بداية الأمر لا يتناول سوى الماء والملح، ثم صار يتناول ما لا يزيد عن مائة كالوري في اليوم (مع العلم بأن الجسم يحتاج إلى ما يقرب من ألفي كالوري في اليوم الواحد). والغاية من إضراب علاء عبد الفتاح عن الطعام الاحتجاج على سجنه بتهمة ارتكاب جريمة “نشر أخبار كاذبة” – زعماً بأنه شارك في نشر تدوينة على الفيسبوك حول تعرض سجين آخر للتعذيب. ولكن الجميع يعلم بأن سجنه إنما يقصد منه توجيه رسالة لأي شباب ثوريين قد تراودهم في المستقبل أحلام بالتحول نحو الديمقراطية. يسعى علاء عبد الفتاح من خلال إضرابه إلى الضغط على سجانيه لكي يمنحوه تسهيلات مهمة بما في ذلك القدرة على التواصل مع القنصلية البريطانية (فوالدة علاء عبد الفتاح ولدت في بريطانيا، وبذلك تمكن من الحصول على الجنسية البريطانية). إلا أن سجانيه رفضوا طلباته حتى الآن، ولذلك يستمر في الإضراب، ويستمر جسده في النحول. ومؤخراً قالت شقيقته منى سيف: “لقد تحول إلى هيكل عظمي بذهن في غاية الصفاء.”

وكلما مر زمن أطول على إضراب علاء عبد الفتاح عن الطعام كلما أصبحت هذه الرسائل الأسبوعية أعلى قيمة، فهي بالنسبة لعائلته لا تقل عن كونها دليلاً على أنه مازال على قيد الحياة. ولكن في الأسبوع الذي كتب فيه عن تدهور الوضع المناخي، لم يصل الخطاب إلى والدة علاء عبد الفتاح، ليلى سويف، الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان والمفكرة المعروفة. وفي مراسلات لاحقة لوالدته، خمن علاء بأنه لربما سكب سجانه قهوته على الرسالة. ولكن الاحتمال الأكبر في سبب اختفائها أنها ربما اقتربت من محظور له علاقة بالسياسة العليا – على الرغم من أن علاء عبد التفاح يقول إنه توخى الحذر حتي لا يأتي كثيراً على ذكر الحكومة المصرية أو حتى على “المؤتمر القادم.”

هذه الجزئية الأخيرة بالغة الأهمية، إذ فيها إشارة إلى حقيقة أنه في الشهر القادم، ابتداء من السادس من نوفمبر / تشرين الثاني، سوف يستضيف منتجع شرم الشيخ المصري قمة المناخ كوب27 لهذا العام، والتي تنظمها الأمم المتحدة. يتوقع أن يصل إلى المدينة عشرات الآلاف من أعضاء الوفود – بما في ذلك زعماء دول ووزراء وسفراء ومسؤولون في حكومات بلدانهم بالإضافة إلى نشطاء المناخ ومراقبي المنظمات غير الحكومية والصحفيين – وقد تزينت صدورهم بحبال قصيرة تتدلى منها شارات مشفرة وملونة تحمل أسماءهم.

ومن هنا تنبع أهمية الخطاب المفقود. فهناك ما يشغل بال علاء عبد الفتاح ويؤرقه. فعلى الرغم من استمراره وعائلته في حالة من المعاناة والامتهان الشديد لما يقرب من عقد من الزمن، ها هو يقبع في زنزانته ويفكر بما آلت إليه أوضاع عالمنا الذي يئن تحت وطأة الاحتباس الحراري. ها هو قاعد هناك، ينهكه الجوع البطيء، ومع ذلك تقلقه فيضانات باكستان والتطرف في الهند وانهيار العملة في بريطانيا وترشح لولا للانتخابات الرئاسية في البرازيل، وكلها أتى على ذكرها في خطاباته الأخيرة، والتي أطلعتني عائلته عليها.

كما أن هناك في هذا الأمر، بكل صراحة، ما يدعو إلى الخجل. لأنه بينما ينشغل علاء عبد الفتاح بالتفكير في شؤون العالم، ليس واضحاً على الإطلاق ما إذا كان العالم الذي يستعد للتوجه إلى مصر لحضور قمة المناخ يفكر كثيراً بأحوال علاء، أو حتى بأحوال ما يقرب من ستين ألف سجين سياسي آخرين يقبعون وراء القضبان في مصر، حيث يخضعون في الاعتقال لأشكال همجية من التعذيب يقال إنها تمارس عليهم بطريقة آلية ومنتظمة كما لو كانوا في خط من خطوط التصنيع. ناهيك عن أن يفكر هذا العالم بأحوال نشطاء حقوق الإنسان والدفاع عن البيئة في مصر، أو الصحفيين والأكاديميين الذين ينتقدون سياسات النظام، ويتعرضون بسبب لذلك لألوان من التضييق، ويتم التجسس عليهم، ويحظر عليهم السفر، كجزء مما قالت عنه منظمة هيومان رايتس واتش إنه “مناخ عام من الرعب” وأنه “قمع لا هوادة فيه للمجتمع المدني.”

يتطلع النظام المصري إلى الاحتفال رسمياً بما يسميه “قادة الشباب” من أجل المناخ، والذين يريد لهم أن يكونوا رمزاً على الأمل في كسب المعركة ضد الاحتباس الحراري. ولكن من الصعب ألا يجول بخاطر المرء قادة الشباب الشجعان الذين أفرزهم الربيع العربي، والذين سرعان ما دخل كثيرون منهم مرحلة الكهولة المبكرة بسبب المكابدة طوال ما يزيد عن عقد من عنف الدولة ومن التضييق الذي تمارسه ضدهم أنظمة غارقة في بذخ العيش بفضل المساعدات العسكرية التي تقدمها لها القوى الغربية، وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية. وكأنما تم استبدال أولئك النشطاء لتحل محلهم نماذج جديدة أقل مشاكسة منهم.

في عام 2019، كتب علاء عبد الفتاح قائلاً عن نفسه “أنا شبح ربيع مضى.” إنه الشبح الذي سوف يطارد القمة القادمة، يبث القشعريرة في كل واحدة من كلماتها التي تعبر عن أسمى المبادئ. والسؤال الصامت الذي يوجهه ذلك الشبح: إذا كان التضامن الدولي أضعف من أن ينقذ علاء عبد الفتاح – رمز حلم جيل بأسره – فأي أمل يحدونا في إنقاذ دار تصلح للسكنى.

يشير محمد رافع عارفين، الأستاذ المساعد في الجغرافيا في جامعة بريتش كولومبيا، والذي يجري بحوثاً حول البيئة السياسية الحضرية في مصر، إلى أن “كل قمة مناخ تنظمها الأمم المتحدة تقدم حسبة معقدة للتكاليف والمنافع.” فهناك الكربون الذي يلوث به المناخ أثناء نقل المشاركين في المؤتمر إلى موقع انعقاده، وهناك تكلفة الإقامة لأسبوعين في الفنادق (وهي التكلفة التي ترهق كاهل المنظمات الطوعية)، واحتفالية العلاقات العامة التي تستمتع بها الحكومة المضيفة، والتي لا مفر من أن تنصب نفسها بطلة في مجال الدفاع عن البيئة، ناهيك عن أن ثمة ما يثبت العكس تماماً من ذلك.

ولكن ثمة منافع أيضاً: فهناك حقيقة أنه طوال ذانك الأسبوعين، تتصدر أزمة المناخ الأخبار في وسائل الإعلام العالمية، وعادة ما يتضمن ذلك انفتاح المنصات الإعلامية حول العالم على الأصوات القوية التي تحارب على الخطوط الأولى، من أمازون البرازيل إلى توفالو، فتفسح لها المجال لتخاطب العالم. وهناك التشبيك والتضامن الدولي الذي يحدث عندما يستضيف منظمون محليون في البلد المضيف قمماً مضادة وينظمون “جولات مسمومة” للكشف عن الواقع الحقيقي الذي تسعى حكومتهم إلى التستر عليه من خلال التجمل بقضايا البيئة. ثم، بالطبع، هناك الصفقات التي يجري التفاوض عليها والأموال التي يتم التعهد بها لسكان الأرض الأفقر والأكثر تأثراً بالاحتباس الحراري. إلا أن هذه كلها غير ملزمة، وكما عبرت عن ذلك غريتا ثانبيرغ بكلمات لا تنسى “جل ذلك لا يكاد يتجاوز مجرد الثرثرة، فالثرثرة، فالثرثرة.”

ومع بدء العد التنازلي لانعقاد قمة المناخ القادمة في مصر، يقول لي محمد رافع عارفين: “لقد تغيرت الحسبة المعتادة، ومالت كفة الميزان.” فإلى جانب الكربون والتكاليف الباهظة، فإن الحكومة المضيفة – التي سوف تتاح لها فرصة التوشح باللون الأخضر أمام العالم – ليست حكومة بلد ديمقراطي ليبرالي مراوغ كما جرت عليه العادة. بل إنها، كما يقول، “أكثر أنظمة الحكم قمعاً في تاريخ الدولة المصرية الحديثة.” فهذا النظام الذي يقوده الجنرال عبد الفتاح السيسي، الذي استولى على السلطة في انقلاب عسكري عام 2013 (وظل منذ ذلك الوقت ممسكاً بها ومهيمناً على البلاد من خلال انتخابات صورية)، وبشاهدة منظمات حقوق الإنسان، واحد من أشد الأنظمة توحشاً وقمعاً في العالم. ولا أدل على ذلك من أنه، ومنذ أن استولى على السلطة قبل عقد من الزمن، شيد ما يزيد عن عشرين سجناً جديداً.

بطبيعة الحال لن تعرف ذلك من خلال الطريقة التي ما فتئت مصر تسوق بها نفسها قبيل انعقاد القمة. ولك أن تتأمل في مقطع الفيديو الترويجي المنشور على الصفحة الرسمية لقمة المناخ كوب27، حيث يتم الترحيب بأعضاء الوفود في مدينة شرم الشيخ، “المدينة الخضراء”. وتظهر في الفيديو مجموعة من الممثلين الشباب، بما في ذلك رجال بلحى وضيعة وقلائد، والغاية من ذلك بكل وضوح هي محاكاة الأشكال الشائعة عن نشطاء البيئة – وهم يستمتعون بتناول الشراب مستخدمين شفاطات غير بلاستيكية ويتناولون الطعام من آنية قابلة للتحلل بيولوجياً، ويلتقطون الصور الذاتية (السلفي) على الشاطئ، ويستمتعون بالاستحمام في الأماكن المفتوحة، ويقودون السيارات الكهربائية إلى الصحراء حيث يتمطون ظهور الأبل.

حينما كنت أتابع الفيديو تنبهت وأنا أشاهده إلى أن السيسي قرر استخدام القمة ليقدم للجمهور نوعاً جديداً من برامج تلفزيون الواقع، حيث يقوم الممثلون بدور النشطاء وقد ظهروا بسمات تطابق تلك التي تعرف عن النشطاء الحقيقيين الذين يعانون من التعذيب الذي يمارس بحقهم في أرخبيل سجونه الآخذ بالتمدد بشكل متسارع. لقد تجاوزت هذه القمة مجرد استخدام قضية البيئة من أجل غسل آثام دولة مفسدة – فما يتم غسله هو آثام دولة بوليسية.

لا مكان في شرم الشيخ للمجتمعات والمنظمات المصرية الأكثر تضرراً بما ينال البيئة من تلويث وبما ينال العالم من ارتفاع في درجات الحرارة. لن تنظم جولات سامة ولن تعقد قمم مضادة حيث ينخرط الناس في حوار حر حول البيئة ويحدث أهل البلد الوفود الدولية حول الحقيقة التي تقف من وراء حملة العلاقات الدولية التي قامت بها حكومتهم. فتنظيم مثل هذه النشاطات يودي بالمصريين إلى غياهب السجون بتهمة نشر الأخبار الكاذبة أو بتهمة انتهاك الحظر المفروض على الاحتجاجات والتظاهرات.

والأدهى من ذلك والأمر أن أعضاء الوفود الدولية لا يتمكنون حتى من قراءة الكثير عن التلوث الحالي وعما تتعرض له البيئة من إفساد وتدمير في مصر، لا في الدراسات الأكاديمية ولا في تقارير المنظمات غير الحكومية، وذلك بسبب قانون في غاية القسوة تم سنه في عام 2019 يشترط على الباحثين الحصول على إذن من الحكومة قبل نشر أي معلومات قد تعتبر “سياسية”. (إن البلد بأسره مكمم الأفواه، ومئات المواقع الإلكترونية محظورة، بما في ذلك موقع مدى مصر الذي لا غنى عنه، ومع ذلك يتعرض للتضييق على الدوام.) ذكرت منظمة هيومان رايتس واتش في تقارير لها أن مجموعات الباحثين والنشطاء اضطرت بسبب هذه القيود الجديدة إلى الانضباط الذاتي والإحجام عن إجراء البحوث، حتى أن “واحدة من أشهر المجموعات البيئية في مصر حلت وحدة الأبحاث فيها لأنه بات مستحيلاً بالنسبة لها القيام بأي عمل في الميدان.” ولا أدل على ذلك من أنه لم يبد ولا حتى واحد من النشطاء في مجال البيئة الذين تحدثوا مع هيومان رايتس واتش عن الرقابة والقمع استعداداً لاستخدام اسمه الحقيقي لأن الإجراءات الانتقامية بحق من يفعل ذلك شديدة جداً.

أخبرني عارفين، الذي قام بإجراء بحوث على نطاق واسع حول الفضلات والفيضانات في المدن المصرية قبل سن هذه الجولة الأخيرة من قوانين الرقابة الصارمة، بأنه وآخرين من الأكاديميين والصحفيين الذين ينتقدون الأوضاع في مصر “لم يعد يمكنهم العمل فيها. وبذلك صارت الأضرار البيئية الآن تحدث في الظلام.” وكل من ينتهك الأحكام ويسعى إلى إشعال الأنوار ليبدد الظلام الدامس ينتهي به الأمر في غياهب الزنازين أو حتى فيما هو أسوأ من ذلك.

في تغريدة كتبتها مؤخراً في حسابها على تويتر، تقول شقيقة علاء عبد الفتاح، منى سيف، التي أمضت سنوات وهي تناضل من أجل ضمان إطلاق سراح شقيقها وضمان إطلاق سراح السجناء السياسيين الآخرين: “إن الواقع الذي يختار معظم المشاركين في قمة كوب27 تجاهله هو …. في بلدان مثل مصر، حلفاؤكم الحقيقيون، أولئك الذين يولون اهتماماً حقيقياً لما ستؤول إليه أوضاع الكوكب في المستقبل، هم الذين يقبعون حالياً في السجون.”

إذن، وعلى غير ما جرت عليه العادة في قمم المناخ الأخرى فيما يتذكر الناس، لن تشهد هذه القمة حضوراً لحلفاء محليين حقيقيين. سوف يتواجد في القمة بعض المصريين ممن يدعون أنهم يمثلون “المجتمع المدني”. ولعل بعضهم صادق في زعمه ذاك. إلا أن المشكلة هي أنهم، ومهما حسنت نواياهم، يتحولون إلى لاعبين حقيرين في برنامج تلفزيون الواقع الذي يقدمه السيسي على شاطئ البحر، مع التنويه إلى أنهم جميعاً، وفي مخالفة للقواعد والأحكام العامة للأمم المتحدة، خضعوا جميعاً لتدقيق الحكومة وموافقتها. ونفس تقرير منظمة هيومان رايتس واتش الذي نشر في الشهر الماضي يبين أن تلك المجموعات دعيت للحديث فقط حول مواضيع “مرحب بها.”

وما هي المواضيع المرحب بها بالنسبة للنظام؟ “جمع القمامة، إعادة التدوير، الطاقة المتجددة، الأمن الغذائي، والتمويل المناخي.” وما هي المواضع غير المرحب بها؟ “تلك التي تشير إلى إخفاق الحكومة في حماية حقوق الناس من الأضرار التي تسببها المصالح التجارية الكبرى، بما في ذلك القضايا ذات العلاقة بالأمن المائي، والتلوث الصناعي والأضرار البيئية الناجمة عن قطاع العقارات، والتنمية السياحية والتجارة الزراعية،” وذلك بحسب ما ورد في التقرير. ومن المواضيع غير المرحب بها كذلك: “الأثار البيئية للنشاطات الواسعة والمبهمة التي يمارسها الجيش في المجال التجاري … وهذه بالذات على درجة عالية من الحساسية، وكذلك أيضاً مشاريع البنية التحتية على المستوى الوطني مثل العاصمة الإدارية الجديدة، وهي مشاريع يرتبط كثير منها بمكتب الرئيس وبالجيش.” كما لا يجوز بحال أن تتحدث عن التلوث البلاستيكي الذي تسببه شركة كوكا كولا أو عن كميات المياه التي تستهلكها – لأن الكوكا كولا واحدة من الرعاة الرسميين، بكل فخر، للقمة.

باختصار، إذا كنت ترغب في تركيب ألواح لتوليد الطاقة الشمسية أو جمع القمامة، فلربما تضمن بذلك الحصول على بطاقة تتمكن بها من الحضور إلى شرم الشيخ. ولكن إذا كنت تريد أن تتحدث عن الآثار المدمرة صحياً ومناخياً لمصانع الإسمنت المصرية التي تدار بالفحم، أو عن رصف بعض مما تبقى من المساحات الخضراء داخل القاهرة، فأولى بك أن تتوقع زيارة من عناصر الشرطة السرية – أو من قبل موظفي وزارة التضامن الاجتماعي. وفيما لو سولت لك نفسك، كمواطن مصري، إثارة الشكوك حول أهلية السيسي للحديث نيابة عن الفقراء من شعوب أفريقيا ومن هم عرضة للأخطار المناخية في القارة السوداء، إذا ما أخذنا بالاعتبار ما يعانيه شعبه هو من فقر وجوع وبؤس شديد، فالأجدر بك أن تفعل ذلك بعد أن تكون قد غادرت إلى خارج البلاد.

حتى الآن، لا يمكن وصف استضافة القمة بأقل من كونها صفقة مربحة بالنسبة للسيسي، الرجل الذي يقال إن دونالد ترامب وصفه ذات مرة بالقول إنه “دكتاتوري المفضل”. ومن ذلك الهبة التي ستحظى بها السياحة الساحلية التي كانت قد انهارت في السنوات الأخيرة، ومن الواضح أن النظام يرجو أن تساهم مقاطع الفيديو التي تظهر فيها مناظر المستحمين الأماكن العامة والممتطين لظهور الجمال في تشجيع المزيد من السائحين. ولكن لا يمثل ذلك سوى البداية في هذا السباق المحموم نحو نيل أكبر قدر من الذهب باسم الحفاظ على البيئة وحماية المناخ. في وقت متأخر من الشهر الماضي، أعلن مكتب الاستثمار الدولي البريطاني، والذي يحظى بدعم من الحكومة البريطانية نفسها، أنه سوف يستثمر مائة مليار دولار في المشاريع الناشئة في مصر. كما أنه شريك يملك غالبية الأسهم في غلوبليغ، التي استبقت انعقاد كوب27 بالإعلان عن صفقة قيمتها 11 مليار دولار لإنشاء معمل لإنتاج الهيدروجين الأخضر في مصر. وفي نفس الوقت أكد مكتب الاستثمار الدولي البريطاني “التزامه بتعزيز شراكته مع مصر وزيادة التمويل البيئي لدعم النمو الأخضر في البلاد.”

وهذه هي نفس الحكومة التي يبدو أنها لم تفعل شيئاً يكاد يذكر لضمان إطلاق سراح علاء عبد الفتاح، على الرغم من أنه يحمل الجنسية البريطانية وعلى الرغم من أنه يخوض إضراباً عن الطعام. من سوء حظ علاء عبد الفتاح أن مصيره كان، وعلى مدى شهور، في يد ليز تراس، والتي قبل أن تصبح رئيسة وزراء بريطانيا الخرقاء وقاسية القلب بشكل مدهش، كانت وزيرة خارجية بريطانيا الخرقاء وقاسية القلب بشكل مدهش كذلك. كان بإمكانها أن تستخدم تلك المليارات من الدولارات المخصصة للاستثمار والتنمية في الضغط من أجل إطلاق سراح مواطن بلدها. (في الأسبوع الماضي ذكرت جيليان كيغان، وزيرة الدولة لشؤون أفريقيا في وزارة الخارجية والكمونويلث والتنمية، أنها التقت سفير مصر لدى بريطانيا للمرة الأولى وأنها “أثارت معه قضية علاء عبد الفتاح.”)

ولا تقل بؤساً عن ذلك إخفاقات ألمانيا الأخلاقية. فعندما أصبحت أنالينا بايربوك، الشريك في زعامة حزب الخضر، أول امرأة تحتل منصب وزير الخارجية في ديسمبر / كانون الأول الماضي، أعلنت عن انتهاج “سياسة خارجية جديدة تقوم على الأخلاق” – سياسة تعطي الأولوية لحقوق الإنسان والهموم المناخية. من المعروف أن ألمانيا واحدة من المانحين الرئيسيين لمصر وواحدة من كبار شركائها في التجارة، ولذلك فإن بيدها، مثلها مثل بريطانيا، ورقة من المؤكد أن بإمكانها أن تستخدمها. ولكن بدلاً من ممارسة الضغط عليه لصالح حقوق الإنسان، قدمت بايربوك للسيسي فرصاً دعائية لا تقدر بثمن، بما في ذلك الاشتراك معه في استضافة حوار بيترسبيرغ للمناخ في برلين في شهر يوليو / تموز، تمكن خلاله الدكتاتور الذي لا يعرف الشفقة من تجميل صورته باعتباره زعيماً صديقاً للبيئة.

وبالنظر إلى الصعوبات الناجمة عن اعتماد ألمانيا على الغاز الروسي، تحرص مصر الآن على تهيئة نفسها من أجل تزويد ألمانيا بالغاز والهيدروجين. في هذه الأثناء، أعلن عملاق ألمانيا سيمنز موبيلتي عن إبرام عقد بعدة مليارات من الدولارات لإنشاء سكة حديد للقطارات السريعة عبر مصر.

تتدفق هذه الحقن الدولية من النقد باسم الحفاظ على البيئة في الوقت المناسب لنظام السيسي الذي لم يفتأ يعاني من مشاكل متفاقمة. ففي مواجهة تسونامي من الأزمات العالمية (التضخم، الجائحة، نقص الغذاء، ارتفاع أسعار الوقود، الجفاف، الدين الخارجي) بالإضافة إلى سوء الإدارة المستفحل والفساد المستشري، تقف مصر على حافة إعلان العجز عن سداد دينها الخارجي – وهو وضع مقلق، لأن من شأنه أن يزعزع استقرار حكم السيسي. في هذا السياق تأتي قمة المناخ لتشكل ليس مجرد فرصة للعلاقات العامة، بل لتكون قارب النجاة.

على الرغم من ترددهم في الإعلان عن تخليهم عن هذه العملية، يعترف معظم نشطاء المناخ الجادون بأن تلك القمم لا يكاد ينتج عنها إلا النزر اليسير مما يمكن أن يعتبر فعلاً مناخياً قائماً على البرهان العلمي. فعاماً بعد عام منذ أن بدأت هذه القمم لم تزل الانبعاثات تتزايد باستمرار. إذن، ما الفائدة التي ترجى من دعم قمة هذا العام عندما تكون الغاية الوحيدة التي تم الجزم بتحقيقها هي توفير المزيد من الحصانة والثراء لنظام يستحق، بكل المعايير الأخلاقية، أن يكون في موقع المنبوذ؟

وكما يتساءل محمد رافع عارفين: “ما هي النقطة التي عندها سنقول كفى؟”

ظل المصريون الذين يعيشون في المهجر في أوروبا وفي الولايات المتحدة، وعلى مدى شهور، يناشدون المنظمات غير الحكومية بأن تدرج قضية المساجين السياسيين في بلدهم ضمن أجندة المفاوضات التي تسبق انعقاد القمة، ولكن هذه المنظمات لم تبادر باعتبار هذه القضية من أولوياتها.

كان يقال لهم باستمرار إن هذه القمة خاصة بأفريقيا (فهي عبارة عن مؤتمر للأطراف الموقعة على معاهدة الإطار التابعة للأمم المتحدة حول التغير المناخي)، وأنه على الرغم من كل الإخفاقات السابقة، فإن هذه القمة، وهي السابعة والعشرون، سوف تأخذ على محمل الجد أخيراً مسألة “التطبيق” وكذلك مسألة “الخسارة والضرر” – وهي عبارات تستخدمها الأمم المتحدة لتعبر عن الأمل في أن تقوم البلدان الثرية والأكثر تلويثاً للمناخ أخيراً بدفع ما يستحق عليها للبلدان الفقيرة، مثل باكستان، التي لا تساهم بشيء يكاد يذكر في انبعاث الأبخرة، ولكنها مع ذلك تتحمل العبء الأكبر من التكاليف المتصاعدة.

وكأن المقصود من ذلك بكل وضوح هو القول إن القمة جادة للغاية ومهمة للغاية بحيث لا ينبغي أن تحول بوصلتها وتنشغل بما يفترض أنه مسألة صغيرة تتعلق بسجل حقوق الإنسان في البلد المضيف. ولكن هل تنوي قمة كوب27 التصدي بالفعل لمهمة تحقيق العدالة المناخية؟ هل ستقوم بجلب الطاقة الخضراء والنقل النظيف والسيادة الغذائية وتتيحها للفقراء؟ هل ستواجه القمة بحق الدين المناخي وتتابع مسألة التعويضات، كما يزعم الكثيرون؟ لو أنها فعلاً تفعل.

في مقال يتسم بالأبهة، يؤكد الكاتب والصحفي ومنتج الأفلام والروائي المصري عمر روبرت هاميلتون، أن الحجة لصالح التعويضات المناخية قائمة وواضحة. ويقول: “إن السؤال الأصعب هو كيف يمكن تصميم نظام تعويضات لا يحصن قوى الدولة السلطوية” – نظام يضمن بالفعل أن تساهم الأموال في انتهاج سياسات تصلح لحقبة ما بعد الكربون. ويضيف: “ينبغي أن يكون ذلك في القلب من مفاوضات القمة المناخية بين البلدان الجنوبية والبلدان الشمالية – إلا أن الذين يفاوضون نيابة عن الجنوب يغلب عليهم أنهم من قوى الدولة السلطوية، وهؤلاء تبلغ مصالحهم على المدى القصير من الوهن ما يفوق هشاشة مدراء شركات النفط.”

باختصار، على الرغم من أن الحديث الذي يدور في الدوائر المناخية يؤكد على أن هذه ستكون قمة التطبيق، يغلب الظن على أن قمة القاهرة لن تحقق على مستوى الفعل المناخي أكثر مما حققته القمم السابقة. ولكن ذلك لا يعني أنها لن تحقق شيئاً على الإطلاق. بل من حيث أنها تأتي لمساندة نظام قمعي يمارس التعذيب، وتمطره بالأموال، وتغسل خطاياه بما توفره له من دعاية، فما من شك في أن قمة كوب27 منحة غاية في السخاء.

لطالما اعتبر علاء عبد الفتاح رمزاً لثورة مصر التي ما لبثت أن أطفئت جذوتها من خلال ممارسة القمع العنيف. ولكنه، ومع اقتراب موعد انعقاد القمة، غدا الآن رمزاً لشيء آخر كذلك، ألا وهو عقلية “نطاق التضحية” التي تقع في الصميم من أزمة المناخ. والفكرة هنا هي أن بعض الأماكن وبعض الناس يمكن أن يكونوا غير مرئيين، أو محذوفين، أو ساقطين من الحساب – وكل ذلك باسم تحقيق التقدم. إنني نرى هذه العقلية في ميدان الفعل عندما تتعرض بعض المجتمعات للتسميم أثناء سعيها لاستخلاص وتنقية الوقود الحفري والمعادن. نراها كذلك عندما يتم التضحية بتلك المجتمعات باسم إجازة مشروع قانون يتعلق بالمناخ ولكنه لا يوفر لهم الحماية. وها نحن نراها الآن ضمن سياق قمة مناخ دولية، حيث تتم التضحية بحقوق الناس الذين يعيشون في البلد المضيف ويتم تجاهلهم تماماً كما لو لم يكونوا موجودين أصلاً، وذلك باسم سراب إنجاز ما يسمى “التقدم الحقيقي” في المفاوضات.

إذا كانت قمة السنة الماضية في غلاسكو لا تعدو كونها ثرثرة في ثرثرة في ثرثرة، فإن معنى القمة التي نحن بصددها، وحتى قبل أن تبدأ، أكثر شؤماً. فهذه القمة تتعلق بالدم، فالدم، ثم الدم. إنها دماء ما يقرب من ألف متظاهر ذبحتهم القوات المصرية لكي تضمن أن تؤول السلطة إلى حاكمها الحالي. إنها دماء من مازالوا يتعرضون للاغتيال. إنها دماء أولئك الذين يتعرضون للضرب المبرح في الشوارع أو يتعرضون للتعذيب داخل السجون. إنها دماء ناس من مثل علاء عبد الفتاح.

لربما مازال ثمة وقت لإعادة كتابة النص، ولكي تغدو القمة مصباح بحث يسلط أنواره فيكشف ما بين السلطوية المندفعة والفوضى المناخية حول العالم من ارتباطات – مثل الطريقة التي يتم اللجوء إليها من أجل تغذية الصعود السياسي لزعماء اليمين المتطرف، مثل الإيطالية جورجيا ميلوني، حين يعمدون إلى إثارة الذعر من اللاجئين، بما في ذلك أولئك الذين يلوذون بالفرار هرباً من انهيار المناخ، ومثل الكيفية التي بها يغدق الاتحاد الأوروبي الأموال على الزعماء المتوحشين من مثل السيسي حتى يستمر في منع الأفارقة من الوصول إلى سواحل أوروبا. مازال يوجد وقت لإثبات أنه يستحيل تحقيق العدالة المناخية بدون حرية سياسية.

“على النقيض مني، أنتم لم تهزموا بعد” … تلك هي الكلمات التي كتبها علاء عبد الفتاح في عام 2017. وكان حينذاك قد دعي لإلقاء كلمة أمام رايتكوم، المؤتمر السنوي حول حقوق الإنسان في عصر الرقميات، والذي تشارك في رعايته جميع الشركات التكنولوجية الكبرى. كان المؤتمر ينعقد في الولايات المتحدة، ولكن نظراً لأن علاء عبد الفتاح كان حينها محبوساً ما وراء القضبان في سجن طرة سيء الصيت (وكان عند تلك اللحظة قد مضى عليه داخل السجن أربعة سنين)، فقد أرسل خطاباً إلى المؤتمر نظراً لتعذر حضوره شخصياً. كان ذلك نصاً رائعاً، تحدث فيه حول واجب حماية الإنترنيت كفضاء للإبداع والتجريب وممارسة الحرية. كما شكل الخطاب تحدياً بالنسبة لأولئك الذين ليسوا وراء القضبان (بعد)، الذين يملكون الحرية لفعل أشياء كثيرة، مثل السفر للمشاركة في المؤتمرات، ومثل التحدث حول العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان. في تلك الحرية تكمن المسؤولية. إنها المسؤولية ليس فقط لأن تعيش حراً، ولكن أيضاً لتتصرف بحرية، وتستخدم الحرية لاستغلال كل ما لدى المرء من قدرة كامنة على التحول والتغيير، قبل أن يفوت الفوت ولا يعود ثمة وقت.

وبينما يستعد للسفر إلى شرم الشيخ عشرات الآلاف من أعضاء الوفود المشاركين في كوب27، وهم أشخاص يتمتعون بحرية نسبية، وإذ يتفقدون درجات الحرارة هناك في شهر نوفمبر (والتي تصل في حدها الأعلى إلى 28 درجة مئوية)، ويحزمون أمتعتهم التي تحتوي على ما هو مناسب من الملابس (قمصان خفيفة، ونعالات، وملابس سباحة – فالمرء لا يعلم ماذا قد يحتاج)، يصبح لكلمات علاء عبد الفتاح حول المسؤوليات التي تناط بالمرء حينما لا يكون مهزوماً أهمية خاصة وجديدة. إذا ما أخدنا بالاعتبار الرقابة المكثفة وما سوف يواجهه المصريون المشاركون في القمة من أخطار، نتساءل كيف سيستخدم المشاركون الأجانب حرياتهم؟ طالما أن كينونتهم لم تهزم بعد؟

هل سيتصرفون كما لو أن مصر لا تزيد عن كونها مجرد خلفية؟ وكأنها ليست بلداً حقيقياً حيث خاض أناس مثلهم معارك قضوا نحبهم فيها في سبيل التمتع بنفس الحريات التي يحظون بها، وناضلوا ضد نفس المخاطر الاقتصادية التي تزعزع استقرار المناخات الكوكبية والسياسية في عالمنا؟ أم أنهم سيجدون سبلاً لإثارة بعض الحقائق المرة حول أوضاع السجون المصرية وطرحها داخل قاعات مركز المؤتمرات التي زينت ببهرجة تدعى صداقة البيئة؟ هل سوف يرددون بعض أسماء من غيبوا في الزنازين وراء القضبان؟ هل سيبحثون عما تبقى من منظمات قليلة من منظمات المجتمع المدني المتواجدة في القاهرة – ممن تجمعوا تحت عنوان كوبيسيفيكسبيس.نيت؟ وهل سينظرون في كيفية تقديم العون لها؟

سيكون علاء عبد الفتاح أول من يقول إن ما هو مطلوب ليس الشفقة وليس الصدقة، بل على العكس من ذلك، وباعتباره ناشطاً دولياً يتضامن مع كثير من النضالات حول العالم، من تشاباز إلى فلسطين، فإنه يطالب بوجود رفاق له في معركة باتت لها جبهات في كل واحدة من البلدان. كتب يقول في خطابه الذي بعث به من سجنه إلى مؤتمر حقوق الإنسان رايتسكون: “نمد أيادينا إليكم، ليس بحثاً عن حلفاء أقوياء ولكن لأننا نواجه نفس المشاكل العالمية، ونشترك في القيم الكونية، ولدينا إيمان راسخ وثقة كبيرة بقوة التضامن.”

تبرز القوى المعادية للديمقراطية وذات الطبيعة الفاشية في كل مكان حول العالم. وفي بلد تلو الآخر، باتت الحريات في حالة من التداعي أو ربما غدت مفقودة تماماً. وكل هذا مترابط بعضه ببعض، إذ تتحرك التيارات السياسية على شكل أمواج عبر الحدود، في مختلف الأحوال والظروف، السراء منها والضراء – ولهذا السبب لا يمكن إطلاقاً التضحية بحركة التضامن الدولي بحجة السعي لتحقيق غاية أسمى هي “التقدم”. في البداية كانت ثورة تونس هي الملهم لثورة مصر، ثم بعد ذلك انتشرت “روح ميدان التحرير” في أرجاء المعمورة، وساعدت في إلهام حركات أخرى يقودها الشباب في أوروبا وفي أمريكا الشمالية، بما في ذلك حركة احتلال وول ستريت، والتي ساعدت بدورها في ولادة سياسات بيئية واشتراكية مناهضة للرأسمالية. في الواقع بإمكانك رسم خط يقترب من الاستقامة إلى حد كبير من ميدان التحرير إلى حركة احتلال وول ستريت، إلى حملة الانتخابات الرئاسية للمرشح بيرني ساندرز في عام 2016، إلى انتخاب ألكسندريا أوكازيو كورتيز لعضوية الكونغرس وتصدرها لحركة الصفقة الجديدة الخضراء.

وإذ تتعرض حقوق الإنسان للعدوان، فإن عالم الطبيعة يتعرض للعدوان في نفس الوقت وبنفس الشدة. ففي نهاية المطاف، إن المجتمعات والمنظمات التي تواجه أعتى أشكال القمع وعنف الدولة حول العالم – سواء كانت توجد في الفلبين أو في كندا أو في البرازيل أو في الولايات المتحدة – تتشكل في أغلبية أعضائها من السكان الأصليين التي يحاولون حماية أراضيهم من المشاريع الاستخراجية الملوثة، والتي يساهم كثير منها في تعميق أزمة المناخ. إذن، لا يمكن فصل الدفاع عن حقق الإنسان، حيثما كنا نعيش، من الدفاع عن كوكب يمكن للإنسان أن يحيا فيه.

أضف إلى ذلك أن المدى الذي تبلغه بعض الحكومات أخيراً في سن تشريعات ذات معنى لحماية المناخ يرتبط هو الأخر بشكل وثيق بهامش الحريات السياسية. تم أخيراً جر مجلس الشيوخ الأمريكي وإدارة الرئيس بايدن نحو سن قانون خفض التضخم – رغم ما يعتريه من مشاكل. حصل ذلك كنتيجة مباشرة للضغط الذي يمارسه الجمهور، وتمارسه الصحافة الاستقصائية، وينجم عن العصيان المدني، والاعتصامات أمام مكاتب المشرعين، وعن رفع القضايا في المحاكم، وكل أداة أخرى متاحة في ترسانة اللاعنف. في نهاية المطاف اجتمع المشرعون معاً لسن القانون لأنهم باتوا يخشون مما يمكن أن يحدث حينما يواجهون الناخبين في نوفمبر / تشرين الثاني إذا ما جاءوا إليهم سفر اليدين. لو أن السياسيين في الولايات المتحدة لم يكن لديهم خوف من الجمهور، لأن الجمهور لديه خوف أكبر منهم، لما حدث شيء من ذلك على الإطلاق.

شيء واحد مؤكد: لن نحقق نمط التغيير الذي تتطلبه أزمة المناخ بدون أن تكون لدينا حرية ممارسة التظاهر والاعتصام، وحرية فضح القادة السياسيين وانتقادهم، وحرية الصدع بقول الحق على الملأ. إذا كانت المظاهرات محظورة، وإذا كان يجرم الحديث عن الحقائق التي تعتبر غير مريحة وتصنف باعتبارها “أخباراً كاذبة”، كما هو حادث في مصر السيسي، إذن تكون اللعبة قد انتهت. بدون الإضرابات والاحتجاجات والبحث الاستقصائي، سنكون في وضع أسوأ بكثير مما نحن فيه الآن. والحقيقة المرة هي أن المشاركة في أي من هذه النشاطات يمكن أن تودي بالناشط أو الصحفي المصري إلى زنزانة مظلمة بجوار تلك التي يقبع فيها علاء عبد الفتاح.

لما وردت الأخبار التي تفيد بأن قمة المناخ القادمة التي تنظمها الأمم المتحدة سوف تنعقد في مدينة شرم الشيخ، كان بإمكان النشطاء المصريين داخل البلاد وخارجها مطالبة النشطاء في حركة المناخ بمقاطعتها. ولكنهم اختاروا ألا يطلبوا منهم ذلك، وذلك لأسباب متنوعة. ولكنهم طالبوهم بالتضامن معهم. فعلى سبيل الماثل، دعا معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان المجتمع الدولي إلى استخدام القمة “لتسليط مزيد من الضوء على الجرائم التي ترتكب في مصر وحث السلطات المصرية على تغيير المسار.” كانت تعقد آمال كبيرة على أن يبادر النشطاء في أمريكا الشمالية وفي أوروبا بالضغط على حكوماتهم حتي تشترط على مصر مقابل حضورهم ومشاركتهم في القمة أن تفي الحكومة المصرية بمتطلبات أساسية في مجال حقوق الإنسان – بما في ذلك العفو عن سجناء الضمير الذين يقبعون في السجون لا لجرم ارتكبوه سوى ما يتهمون به من مثل تنظيم المظاهرات أو نشر تصريح يذم النظام أو بحجة تلقي منح مالية من الخارج.

حتى الآن، ومع بقاء أقل من شهر على موعد بدء القمة، لا تكاد تسمع صوتاً من داخل حركة المناخ العالمية رداً على مطالبتها بالتضامن مع نشطاء مصر. هناك الكثير من المجموعات التي أضافت اسمها إلى بعض العرائض، ولقد نشرت بضع مقالات حول وضع حقوق الإنسان في مصر أثناء القمة. ونظم نشطاء المناخ في ألمانيا، وكثيرون منهم مغتربون مصريون، تظاهرة احتجاجية صغيرة رفعوا فيها يافطات كتب على بعضها “لا لقمة كوب27 حتى يتحرر من أسره علاء عبد الفتاح” وكتب على البعض الآخر “لا لغسيل آثام السجون المصرية باسم الحفاظ على البيئة.” ولكننا لم نر شيئاً يمكن أن يرقى إلى مكا يمكن أن يعتبر ضغطاً دولي قد يؤرق الحكام في مصر.

تصعب المبالغة في الحديث عن الطبيعة الجمعية للحرب التي يشنها السيسي على منظمات المجتمع المدني. تقول منظمة هيومان رايتس ووتش في تقريرها: “في عام 2014 عدل السيسي، بمرسوم رئاسي، قانون العقوبات الجزائية بحيث غدا ممكناً إنزال عقوبة الحبس المؤبد أو الإعدام بأي شخص يطلب أو يتلقى أو يساعد في تحويل الأموال، سواء من مصادر أجنبية أو من قبل منظمات محلية، بهدف القيام بأعمال تضر بالمصلحة الوطنية أو باستقلال البلاد أو تقوض الأمن العام أو السلامة.” تصوروا، عقوبة الإعدام لمن يتلقى منحة مالية. وبالرغم من ذلك سوف تتواجد جميع المؤسسات المانحة في الولايات المتحدة وفي أوروبا في شرم الشيخ، وهناك سوف يلتقون بالمجموعات التي يمولونها وسوف يلتقون بمجموعات أخرى قد ينظرون في أمر تمويلها، داخل بلد من يتلقى شيئاً من ذلك المال حتى يصدع بالحق حول ما يجري من إفساد للبيئة في مصر قد يكلفه ذلك حياته.

وهذا كله محير نوعاً ما. فلم تتم دعوة الممولين ومجموعات الحفاظ على البيئة إلى مصر عندما يكون النظام بهذه العداوة الصارخة تجاه النشطاء المحليين الذين يعملون في نفس المجال؟ والحقيقة التي لن يجدها مريحة من سوف يحضرون للمشاركة في القمة هي أنه لا يوجد شيء يمكن أن يخدم السيسي أكثر من تحويل شرم الشيخ إلى ما يشبه حديقة حيوانات غير ربحية للمداعبة، حيث يستطيع نشطاء المناخ الدوليون والممولون قضاء أسبوعين وهم يرفعون عقيرتهم أمام الكاميرات بالحديث عن انعدام العدالة في العلاقة ما بين الشمال والجنوب، بوجود بضع مجموعات محلية يوافق على وجودها النظام من باب إضفاء نوع من المصداقية على المشهد. لماذا؟ لأن مصر حينها سوف تبدو في مظهر لا يشبهها على الإطلاق ولا يمت لها بأدنى صلة: إنه مظهر المجتمع الحر الديمقراطي. مصدر جيد لغازك الطبيعي. أو بلد من المناسب أن يؤتمن على قرض جديد من صندوق النقد الدولي.

طبقاً لجميع المعطيات، تعمل الحكومة المصرية الآن بهلع شديد على بناء فقاعة في شرم الشيخ، تتقمص من خلالها شيئاً يبدو في مظهره كما لو كان الديمقراطية بعينها. والسؤال الذي لا مفر من أن يطرح على مجموعات المجتمع المدني هو: هل ستجارونه في هذه اللعبة – أم أنكم ستفعلون ما بوسعكم لوقف المهزلة؟

في جميع الخطط التي تم إعدادها لانطلاق قمة المناخ الشهر القادم برعاية كوكا كولا، أكثر التفاصيل ترويعاً هو بلا منازع الإعلان عن أن هذا سيكون الملتقى الأول الذي يشتمل على صيوان للأطفال والشباب داخل المقر الرئيسي للقمة: حيز تم تخصيصه من أجل “أن يوفر مكاناً للجلوس حيث تلقى الكلمات، وتقدم الحصص التعليمية، وتتاح الفرصة للحديث عن الإبداع، وتتلى فيه التقارير حول السياسات والإجراءات، وتتوفر فيه مرافق للراحة والاسترخاء، وتجتمع فيه أصوات الشباب من كل أنحاء العالم.” وهذا سيسمح للشباب بأن – لاحظوا هذه العبارة – “يصدعوا بالحق في وجه السلطة.”

لا يساورني شك في أن الكثير من الشباب داخل ذلك الصيوان سوف يلقون كلمات قوية، كما فعلوا في غلاسغو وفي قمم المناخ التي سبقتها. لقد أصبح الشباب بالفعل قادة في مجال المناخ، ولقد ساهموا بحقن ما هو مطلوب من إلحاح ووضوح أخلاقي في كثير من الفضاءات المناخية الرسمية. ما من شك في أن نفس ذلك الوضوح الأخلاقي مطلوب الآن أيضاً.

قبل عقد من الزمن، لم يكن الشباب في مصر يحظون بصيوان ترعاه الدولة. بل كانت لديهم ثورة. كانوا يتدفقون كالطوفان على ميدان التحرير، يطالبون ببلد من نوع مختلف، بلد لا يهيمن عليه ظل دائم من الخوف، بلد لا يختفي فيه الفتيان داخل زنازين الشرطة ثم إذا عادوا وظهروا يكونون في عداد الأموات، وجوههم منتفخة ومدمية. أطاحت تلك الثورة بدكتاتور كان يحكم البلاد منذ ما قبل أن يولدوا. إلا أن أحلامهم ما لبثت أن سحقها الغدر والعنف السياسي. كتب علاء عبد الفتاح في واحد من رسائله الأخيرة يقول كم كان مؤلماً أن يشترك معه في زنزانته فتيان ألقي القبض عليهم عندما كانوا أطفالاً: “كانوا قصراً عندما زج بهم في السجن وما لبثوا يناضلون للخروج منه منذ ما قبل الوصول إلى سن البلوغ القانوني.”

كانت شقيقة علاء عبد الفتاح الصغرى والرائعة سناء سيف واحدة من أولئك الفتيان الذين شاركوا في الاستيلاء على ميدان التحرير في عام 2011. كما شاركت سناء، التي كانت حينذاك في السابعة عشرة من عمرها، في تأسيس صحيفة ثورية اسمها الجورنال، كان يطبع منها عشرات الآلاف من النسخ، حتى غدت صوتاً لميدان التحرير. كما كانت المحرر والمصور في فيلم وثائقي حصل على ترشيح للحصول على جائزة الأوسكار في عام 2013، عنوانه “الميدان”. ولقد تعرضت هي نفسها للسجن مرات عديدة لانتقادها ما كان يقع من تجاوزات وانتهاكات لحقوق الإنسان، ولمطالبتها بإطلاق سراح شقيقها. عندما أجريت معها مقابلة قالت لي إن لديها رسالة تود توجيهها للنشطاء الشباب الذين سيتوجهون إلى الصيوان: “لقد حاولنا. قمنا فعلاً بالصدع بالحق في وجه السلطة.” وهي الآن تقول إن كثيراً من النشطاء يقضون العشرينيات من أعمارهم داخل السجون. تمضي في رسالتها لتقول: “عندما تذهبون إلى هناك تذكروا أن بإمكانكم أن تكونوا صوتاً لغيركم من الشباب. أرجوكم، دعونا نحافظ على ذلك الإرث. أرجوكم، قوموا فعلاً بالصدع بالحق في وجه السلطة. سوف يكون لذلك أثر … والعيون كلها مركزة عليكم.”

ولكن مع اقتراب موعد انطلاق قمة المناخ، وبينما ينال الإضراب عن الطعام من علاء عبد الفتاح في محبسه، تفقد سناء صبرها بسبب استمرار جماعات البيئة في التزام الصمت حتى الآن، فيما يبدو خشية أن يفقدوا بطاقات الدعوة أو خوفاً من أن يتم توقيفهم على الحدود. في الأسبوع الماضي، كتبت سناء عبر حسابها في تويتر تغريدة تقول فيها: “بكل أمانة، لقد سئمت نفاق حركة المناخ. تنهمر عليها الصيحات من داخل مصر منذ شهور محذرة إياها أن قمة كوب27 سوف تتجاوز مجرد غسيل آثام النظام باسم البيئة، وأن التداعيات علينا ستكون مريعة. ورغم ذلك يختار معظمهم تجاهل وضع حقوق الإنسان.”

ثم تشير إلى أن هذا هو السبب الذي يجعل النشاط المناخي يبدو ممارسة نخبوية، في عزلة وانفصال عن عامة الناس وعما يشغل بالهم من هموم يومية ملحة – مثل ضمان خروج أفراد عائلاتهم من السجن. كتبت سناء تقول: “أنتم السبب في ضمان بقاء النشاط المناخي فكرة غريبة لا يهتم بها إلا قلة قليلة من الناس الذين لديهم ترف التفكير فيما هو آت بعد اليوم. إن تخفيف آثار التغير المناخي والدفاع عن حقوق الإنسان نضالان مترابطان، ولا ينبغي الفصل بينهما، وخاصة بما أننا نتعامل مع نظام يحظى بمساندة شركات مثل بريتيش بيتروليوم (شركة النفط البريطانية) وإيني (شركة النفط الإيطالية). وحقيقة، هل هو صعب إثارة القضيتين معاً؟ أطلقوا سراحهم جميعاً، أطلقوا سراح علاء.”

ليس صعباً – ولكنه يتطلب شجاعة. إن الرسالة التي يجدر بالنشطاء حملها إلى قمة المناخ، سواء سافروا إلى مصر أم شاركوا عن بعد، بسيطة، وهي: ما لم يتم الدفاع عن الحريات السياسية فلن يكون هناك نشاط مناخي ذو معنى، لا في مصر ولا في أي مكان آخر. هذه القضايا متشابكة ومترابطة، تماماً مثل مصائرنا.

الساعة متأخرة، ولكن مازال هناك من الوقت ما يكفي للقيام بذلك بشكل صحيح. تقول منظمة هيومان رايتس ووتش إن سكرتارية معاهدة الإطار الأممية حول التغير المناخي، والتي تضع الأحكام التي تضبط هذه القمم، عليها أن “تطور معياراً لحقوق الإنسان يتوجب على البلدان التي ترغب في استضافة قمم المناخ القادمة التعهد بالالتزام به كجزء من الاتفاقية التي تبرم مع البلد المضيف.” فات الفوت بالنسبة لهذه القمة، ولكن لم يفت الوقت بالنسبة لجميع أولئك الذين يهتمون بالعدالة المناخية أن يعربوا عن تضامنهم مع الثوار الذين ألهموا الملايين حول العالم قبل عقد من الزمن، حينما أطاحوا بأحد الطغاة. بل ربما كان هناك من الوقت ما يكفي لتخويف السيسي بإمكانية تحويل التجمع القادم على شاطئ البحر الأحمر إلى كابوس على مستوى العلاقات العامة عله يقرر فتح أبواب بعض الزنازين لديه قبل أن تصل كل تلك الكاميرات. ولأنه، كما يذكرنا علاء عبد الفتاح من داخل زنزانته، نحن لم نهزم بعد.

تم نشر هذه المقالة للوهلة الأولى في موقع ذي إنترسيبت.



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020