صحافة مصر بين نارين

تجري، يوم الجمعة المقبل، الانتخابات على مقعد النقيب ونصف أعضاء مجلس نقابة الصحافيين المصريين، بعد عدم اكتمال نصاب الجمعية العمومية في المرة الأولى. تغلب على الانتخابات، هذه المرة، أجواء استنفار وتحفّز لدى مختلف أطرافها، سواء أصحابها الأصليون (الصحافيون)، ناخبين ومرشحين، أو الأطراف الأخرى المعنية بها، خصوصا مؤسسات الدولة. ويسري بين هؤلاء جميعاً شعورٌ واحدٌ بأن هذه الانتخابات منعطفٌ سيحدّد مستقبل العلاقة بين صحافيي مصر والدولة. لكن أحداً لم يلحظ أنها انتخاباتٌ مفصليةٌ في ما هو أهم، وهو العلاقة بين مجلس النقابة وجموع الصحافيين الذين يفترض أن تمثلهم النقابة أمام الدولة والمجتمع، فجوانب العلاقة ثلاثية متشابكة يصعب فصمها، وقد كانت كذلك دائماً. 

ففي الماضي، كانت مؤسسات الدولة الرسمية تتعامل مع مؤسسات المجتمع المدني باعتبارها من مكونات الدولة المصرية. وتسعى إلى الحفاظ على توازن العلاقة معها، بما يحفظ لتلك المؤسسات خصوصيتها واستقلالها ولو ظاهرياً، مع عدم السماح لها بتجاوز الخطوط الحمراء. وكانت نقابة الصحافيين تتحرك في هذه المسافة الفاصلة بين الخضوع الكامل للسلطة والانفصال المطلق عنها. وكان لشخص نقيب الصحافيين دور جوهري في الطابع الذي يميز أداء النقابة. 

لم تكن نقابة الصحافيين المصريين حالةً متفردةً في هذا النمط، بل كانت معها نقابات أخرى، مثل المحامين والأطباء. لكن، لطبيعتها المرتبطة بالعمل العام ووسائل الإعلام والقدرة على التأثير في الرأي العام، كان لنقابة الصحافيين وزن أكبر وتقدير أعلى. الوضع حالياً مختلف كلية، فوضعية ومكانة ودور النقابات وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني صارت على المحك.

هذه المرة، صحافة مصر مُخَيرة بين تيارين، يميل أحدهما إلى التوافق مع الدولة والعمل تحت عباءتها أو حسب تعبير أحد المرشحين (النقابة جزء من الدولة). ويركز هذا التيار على الوجه الخدمي في دور النقابة. ويعزف مرشحوه على وتر الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية للصحافيين، على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية في المجتمع المصري بشكل عام، في ظل قفزاتٍ متتالية للأسعار، وثبات مستمر للأجور، بينما يرفع التيار الثاني شعار كرامة الصحافي والحفاظ على المهنة واستقلال النقابة. ويسوق معركته الانتخابية على أنها معركةٌ ضد رغبة السلطة في إحكام السيطرة على النقابة وإخضاعها، ويرفض مقايضة الخدمات والامتيازات بالتنازل عن الكرامة والحرية.

الأصل في النقابات أنها مؤسساتٌ خدميةٌ تحقق مصالح أعضائها، وتصون حقوقهم المادية في مواجهة صاحب العمل، وتضبط الأداء لصالح المهنة والمجتمع. لكن معضلة نقابة الصحافيين أن طبيعة عمل أعضائها في المجال العام، وطالما كان للنقابة مواقف وأدوار سياسية، ما لا يمكن معه الفصل بين النقابي والسياسي، أو تمييز الخاص عن العام والخدمي من المهني. فإذا كانت مصالح الأعضاء وحقوقهم المهنية والمادية تتداخل عضوياً مع المواقف السياسية والشأن العام في البلد، فلا مجال لعزل النقابة عن هذا السياق العام الذي يحيط بأعضائها ويتفاعلون معه، بحكم عملهم، ولكونهم في النهاية مواطنين. وقد باتت أوضاع الصحافيين المصريين الاقتصادية متدنيةً إلى حد مخجل، ما انعكس بصورةٍ مباشرةٍ وفجةٍ على الأداء والعمل الصحافي، فبات الخبر يتبع الإعلان والرأي يميل ناحية المال.

وفي المقابل، يجب أن يكون النقيب وأعضاء مجلس النقابة على مستوى المسؤولية. فعلى من يرفع شعار الكرامة والاستقلال النقابي، أن يتمتع بجرأة المضي في هذا الطريق حتى النهاية، شريطة امتلاك أدواتٍ خوض صراع حاد ومتشعب، بذكاء وعقلانية. المطلوب نقابةٌ تتسع لجميع أعضائها، وتُمثَّل فيها كل أطياف الجماعة الصحافية، نقابة تضع قواعد واضحة للعمل النقابي، توازن بين السياسي والخدمي، تضمن للصحافي قُوْتَه وتحمي صوته. فلا تذوب النقابة، وتصير ذراعاً لمؤسسات الدولة، ولا تخوض معاركها بعنتريةٍ، ثم تنتهي بتراجع وانزواء.





هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه